| Source: Courtesy Photo

في المغرب، كثيرا ما يثير المحللون السياسيون الجدل بسبب تفسيراتهم لبعض القضايا والظواهر، آخرها قضية "حراك الريف"، التي ربطها محللون بـ"الشيعة والسلفية الجهادية"، الأمر الذي أثار سخرية وغضبا عارما على مواقع التواصل الاجتماعي.

في حين طرح آخرون تساؤلات حول ضوابط التحليل السياسي ومعاييره والشروط التي يفترض أن تتوفر في الشخص ليكون محللا سياسيا.

​​"مهنة من لا مهنة له"

"أصبحنا بالفعل أمام وضعية غير طبيعية، فكل من يمر في التلفزيون أو غيرها من وسائل الإعلام يصبح محللا سياسيا حتى أضحت هذه الصفة مهنة لمن لا مهنة له"، يقول المحلل السياسي، وأستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني في مدينة المحمدية، سعيد الخمري، مشيرا إلى أن كثيرا ممن يقدمون أنفسهم على أنهم محللين سياسيين لا يقومون سوى بـ "تجميع ما تتناوله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ويقدمونه على أنه تحليل".

ويضيف الخمري، في تصريحه لـ "أصوات مغاربية": "ليست هناك معايير متحدث عنها على أساس أن هناك أعرافا تتفق على معايير محددة، ولكن ضمنيا، ومن الناحية الموضوعية، أفترض أن هناك على الأقل ثلاثة معايير أساسية".

ويتابع الخمري مشددا على أن أولى تلك المعايير تتمثل في "الخبرة التي تكون مبنية على أساس التجربة وأفترض أن يشتغل الباحث المحلل على موضوع معين أو على ظاهرة معينة أو على محور معين في المجال السياسي لمدة طويلة لا تقل عن 10 سنوات تجعله خبيرا فيه وله دراية به".

ثاني تلك المعايير، وفق المتحدث ذاته، هي التخصص إذ يتساءل الخمري باستغراب: "كيف لمحلل سياسي أن يتناول ظاهرة الإرهاب والظاهرة الأمنية والأبعاد الاستراتيجية والأحزاب والانتخابات والمرأة والتمثيلية... أناس يتكلمون في كل شيء ولا يقدمون أي شيء"، مردفا: "هذا غير مقبول، فالخبير أو المحلل يجب أن يكون متخصصا في مجال معين ويمكن أن يتحدث في مجالات مرتبطة بمجال تخصصه الأصلي".

"المعيار الثالث وهو الأساسي هو معيار الكفاءة"، يتابع الخمري، موضحا أن "المحلل السياسي يجب أن يكون باحثا في العلوم السياسية، أكاديمي يدرك أدوات ومناهج التحليل السياسي ويستأنس بها في عمله، له دراية بعملية القياس وتوظيف المؤشرات والمقارنات الممكنة لتوضيح الصورة للمتلقي، لا أن ينقل ما تتداوله وسائل الإعلام".

​​من أحوال الطقس إلى الإرهاب!

ويشدد المحلل السياسي، وأستاذ القانون الدستوري في جامعة محمد الخامس بالرباط، أحمد البوز، من جانبه، على أهمية التخصص كشرط ومعيار ليكون الشخص محللا سياسيا، ومن هنا فإن "مهنة المحلل لا تعني أن الشخص يمكنه أن يتكلم في كل القضايا من أحوال الطقس إلى الإرهاب".

وينبه المتحدث إلى أنه في بعض الأحيان "قد يختلط التحليل بالانطباع في ظل غياب أدوات تسمح بالتحليل"، مشيرا إلى أن "هناك مجالات تحليل ذات طبيعة حساسة لأنها مرتبطة بمعلومات ذات طبيعة استخباراتية أو أمنية لا تتوفر للباحث، وقد يأتي الحصول عليها بتوجيه مسبق وهذا مأزق قد يقع فيه المحلل وحتى الصحافي".

من هنا يأتي معيار الموضوعية والاستقلالية الذاتية للمحلل، وفق المتحدث الذي يضيف قائلا: "الكثير من التحليلات يظهر بأنها محكومة بنوع من التبسيط لأنه قد يأتي لخدمة ترتيبات معينة"، ويشدد هنا على أنه "ليس مطلوبا من الجامعة أن تكون منعزلة بل أن تكون منخرطة بإيجابية"، موضحا أن الإيجابية هنا "لا تعني التماهي مع سلطة القرار ولكن النظر إلى الأشياء بعين ناقدة وموضوعية".

ويرى أحمد البوز كذلك أن التحليل السياسي مرتبط بفضاء الحرية، إذ يجب أن "يتمتع المحلل بهامش حرية يسمح له ببسط رأيه وتحليله حتى ولو كانت له تبعات وعواقب أو يخلق رد فعل تجاه أجهزة القرار".

​​مهمة ليست سهلة

ويرى المحلل السياسي، والأستاذ الباحث في العلوم السياسية، محمد شقير، بدوره، أن هناك مجموعة من "الشروط الأكاديمية والفكرية والأخلاقية" التي يجب أن تتوفر في المحلل السياسي.

ويوضح شقير أن عددا من الجامعات توفر تكوينا يمكّن طلبتها من ملكة البحث والتحليل، غير أن ذلك، بالنسبة له، يبقى غير كاف، إذ يشدد على "ضرورة أن يتوفر المحلل على ثقافة سياسية مرتبطة أساسا بتاريخ البلد ومكونات النظام السياسي الذي يدرسه وخلفياته"، بالإضافة إلى ضرورة "أن يكون متتبعا للأحداث التي يعرفها النظام والمستجدات التي يعرفها المحيط الإقليمي والدولي".

ويشدد المتحدث أيضا على ضرورة توفر معيار الموضوعية "وألا يكون التحليل موجها لخدمة أغراض معينة وتحت طلب معين حتى يتسم بالمصداقية".

ويختم شقير قائلا: "التحليل ليس بالأمر السهل وليس وظيفة متاحة لأي كان، فغياب الشروط والمعايير الأساسية يؤدي إلى سفسطة لغوية وتحاليل سطحية لا تتعمق في الظاهرة ولا تحيط بجوانبها".

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة