جون محمد بن عبد الجليل إلى جانب البابا بولس السادس
جون محمد بن عبد الجليل إلى جانب البابا بولس السادس

يُعتبر من المغاربة الأوائل الذين تحوّلوا من الإسلام إلى المسيحية، وأحدثت قصته ضجة في المغرب وقتها، بالنظر إلى أنه أحد أبناء العائلات الكبيرة ذائعة الصيت في فاسَ والرباط.

من الأندلس إلى المغرب.. ثم فرنسا

يتعلق الأمر برجل اسمه محمد بن عبد الجليل، اعتنق المسيحية وصار راهبا مسيحيا، وسيُعرف فيما بعد باسم "الأب جون محمّد بن عبد الجليل"، فمن يكون؟

ولد محمد بن عبد الجليل في 17 أبريل 1904 بمدينة فاس المغربية، ونشأ في أسرة مسلمة محافظة.

غلاف كتاب شاهد على القرآن والإنجيل
غلاف كتاب شاهد على القرآن والإنجيل

​​يقول في كتابه "شاهد على القرآن والإنجيل"، إن أجداده جاؤوا من الأندلس واستقروا بفاس قبل أربعة قرون. كان والده خليفة باشا مدينة فاس، وعمه وكيل الملك في المدينة، بينما كان أخوه عمر بن عبد الجليل من زعماء حزب الاستقلال وصار وزيرا للتربية الوطنية سنة 1958.

درس الفتى محمد بن عبد الجليل في جامعة القرويين وحفظ القرآن وهو طفل، وفي التاسعة حج مع والده.

درس في مدرسة شارل دوفوكو بالرباط وقضى المرحلة الثانية في ثانوية غورو عام 1922، ونجح في الباكالوريا سنة 1925، وهي السنة التي انتقل فيها للدراسة في جامعة السوربون العريقة بفرنسا رفقة أخيه عمر، ليكون هذا الانتقال نقلة كبرى في حياته.

من السوربون إلى الكنيسة

لم يكتف محمد بالدراسة في السربون، فقرر أن يدرس مواد أخرى في المؤسسة الكاثوليكية تتعلق بالديانة المسيحية، موازاة مع دراسته للفلسفة، وبعد ثلاث سنوات من دراسة المسيحية اعتنقها عن قناعة، وتم تعميده من طرف الكنيسة الكاثوليكية سنة 1928.

يقول الأب موريس بورمون عن مرحلة محمد بن عبد الجليل في المدرسة الكاثوليكية "لقد دفعته رغبته في البحث عن الروحيات إلى قراءة الكتب التي تتحدث عن إله المسيحيين.. وهنا اكتشف المسيحية، وفي سنة 1927 انتقل إلى مرحلة التفكير والصلاة، وفي الخريف كانت مراسلته النهائية إلى لويس ماسينيون، والتي قرر فيها مصيره".

​​في السنة الموالية التحق الشاب المغربي المسيحي الجديد، وهو في الرابعة والعشرين من العمر، بسلك الرهبنة، وتخصص في الكتابة والتعليم، وبعد ست سنوات، أي في 1935، رسّمته الكنيسة في مرتبة كاهن، واختار اسم جون أو يوحنا، وصار يُنعت بـ"الأب جون محمد بن عبد الجليل".

عُين الأب جون محمد بن عبد الجليل، أستاذا في المؤسسة الكاثوليكية بداية من سنة 1936، أي سنة واحدة بعد بلوغه مرتبة كاهن، وكان يتقن خمس لغات هي: العربية، والفرنسية، والإسبانية، والألمانية، والإنجليزية، وظل يدرّس العربية والأدب وتاريخ الأديان والإسلاميات، وفي سنة 1964 (بعد 28 سنة من التعليم)، قدم استقالته بسبب عجزه عن إكمال التعليم، إذ أصيب بالسرطان.

والده الروحي.. الضغوط والرحيل

لم يكن انجذاب محمد بن عبد الجليل إلى المسيحية وأمرا وليد صدفة، فهناك رجل كان وراء ذلك التحول الكبير الذي حدث في حياته، إنه المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسينيون، فقد كان بمثابة الوالد الروحي لمحمّد من خلال المراسلات التي كانت بينهما طيلة سنوات، استطاع خلالها أن يجيب عن الكثير من أسئلة الشاب المسلم حول المسيحية، وبالتالي أقنعه باعتناق المسيحية.

تعرّض جون محمد بن عبد الجليل إلى ضغوط رهيبة من أقاربه من أجل العودة إلى الإسلام، لكنّه بقي على المسيحية، رغم تبرّؤ عائلته منه، وانتقال أخيه عمر إلى فرنسا من أجل إقناعه بالتخلي عن دينه الجديد.

في سنة 1961 عاد رفقة شقيقة عمر إلى المغرب، وانطلقت شائعات في الصحافة بأنه رجع إلى الإسلام، فعاد إلى فرنسا ونفى في الصحافة أن يكون قد غادر المسيحية، وهي الحادثة التي جاء ذكرها في كتاب "جورني-ماريتان: مراسلات 1958-1964".

​​وكانت هذه الأحداث موضوع مراسلات بين جون محمد ووالده الروحي، تضمنها كتاب "ماسينيون-عبد الجليل. الراعي وابن المعمودية: مراسلات"، واسى فيها تلميذه في محنته وحثّه على الصبر والصمود.

صار جون محمد بن عبد الجليل صديقا ومستشارا للبابا بولس السادس، بطلب من الأخير، ووجه رسالة له طلب فيها منه الاهتمام بالعالم الإسلامي، وكانت المستشارية أعلى مرتبة وصلها في سلم الكنيسة.

عانى الراهب المغربي سنوات طويلة مرض سرطان اللسان، إلى أن أسلم الروح في نوفمبر 1979 في ضواحي باريس عن 75 عاما.

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة