حشد ضخم في الجزائر العاصمة في الجمعة الأخيرة قبيل الانتخابات الرئاسية.
حشد ضخم في الجزائر العاصمة في الجمعة الأخيرة قبيل الانتخابات الرئاسية.

عبيد أعبيد - الحرة

اشتعل الحراك في الجزائر بداية فبراير من العام الماضي إثر إعلان الرئيس الجزائري السابق، عبد العزيز بوتفليقة الى نيته الترشح لفترة رئاسة خامسة، رغم حالته الصحيّة المتدهورة منذ إصابته بسكتة دماغية عام 2013.

وخرج الجزائريون في 22 من الشهر نفسه في مظاهرات حاشدةفي معظم مدن الجزائر، للمطالبة في بادئ الأمر بعدم ترشح بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة. لكن المتظاهرين رفعوا سقف المطالب، ووصلت إلى حد تغيير الطبقة السياسية في البلاد بشكل كامل، ولخصوا مطالبهم في شعار واحد: "يتنحاو قاع" (فليتنّحوا جميعا). 

حصيلة العام 

ولعل أهم حصيلة حققها الشعب هي نهاية العهدة الخامسة لبوتفليقة، بعد تدخل الجيش وتفعيله للمادة الدستورية رقم 102، وهو أول مطلب المتظاهرين في الشارع. 

وتلا هذا الانجاز، حملة واسعة قادتها مؤسسة الجيش في المحاكم، ضد مسؤولين كبار من حاشية بوتفليقة، يصفونهم المتظاهرون بـ"رموز الفساد" ونعتهم رئيس أركان الجيش الراحل أحمد القايد صالح بـ"العصابة". وانتهت هذه الحملة بالزج بهم في السجون بأحكام ما بين الـ 15 والـ20 عاما. 

وبعد مرور عام على هذا الحراك، يبقى السؤال قائما حول ما حقق المتظاهرون وما لم يحققوه حتى اليوم؟ وهل دخلت فعلا البلاد مرحلة "جزائر جديدة" كما وصفها الرئيس الجديد؟ أم أن ما أثمره المتظاهرون اختطفه الجيش؟ 

"إبعاد الجيش".. الرهان الأصعب 

يرى المحلل السياسي، عادل أورابح، في حديث لموقع "الحرة"، إن مطلب إبعاد المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية في الجزائر، رفعه المتظاهرون باستمرار خلال الحراك وقبل الحراك، ولا يزالون إلى اليوم يطالبون به، لكنه من "المطالب الأصعب التي لم تتحقق إلى اليوم".

نقطة أخرى، لم تتحقق بعد، بحسب المحلل السياسي الجزائري، تكمن في أن الحراك "لم يستطع إلى اليوم تأسيس هيكلة تنظيم سياسي يكون وليد للتظاهرات ويترجم مطالب الجزائريين كافة بشكل واضح ومنظم ومنسق، ويشرف على تتبع تنفيذها مع الدولة". 

وفي المقابل، يرى أورابح أن الحراك استطاع ضمن مكاسبه، إسقاط العهدة الخامسة لبوتفليقة، وسجن رموز فساد مرحلة بوتفليقة، كما طالب المتظاهرون. فضلا عن انتزاع وعود من قبل الرئيس الجديد، تهم تحسين الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعاطلين. 

وأهم نقطة حققها الحراك، بحسب المحلل السياسي، تمكن في تجميع الجزائريين في صف واحد وعلى كلمة واحدة وتعريفهم ببعضهم البعض، ما قد يخلق نخبا سياسية جديدة في البلاد. بخلاف الماضي، حيث كانت مجمل المظاهرات متفرقة وضعيفة.

مطالب عالقة 

عمر لشموط، أبرز نشطاء الحراك، يقول لموقع "الحرة" إن عدة مطالب للمتظاهرين ما تزال عالقة، وتنفيذها يبقى على كاهل السلطة التي يجب ان تتعامل بذكاء مع قرار مستقبلا. 

ومن المطالب التي تحققت، حسب الناشط، تكمن في إسقاط بوتفليقة وفترته الخامسة علاوة على محاكمة ومحاسبة أبرز وجوه الفساد من محيطه. 

لكنه في المقابل، يرى لشموط، أن البلاد ما تزال في حاجة إلى تحول حقيقي وانتقال ديمقراطي فعلي يكفل الحقوق لجميع الجزائريين ويقر دولة القانون، وأهم من هذا، التوزيع العادل للثروات على الجزائريين. 

وعن أجندة مسيرة الذكرى الأولى لحراكهم في الـ 22 من فبراير الجاري، قال إن تنظيمها سيكون حدثا رمزيا، لتوسيع النقاش حول مطالبهم وكيف ستتعامل معها الدولة.

لا تغيير 

ومن جانبه، يرى المحامي، عبد الغني بادي، أبرز وجوه حراك الجزائر، في تصريح لموقع "الحرة"، إن التغيير المنشود من قبل المتظاهرين "لم يحدث بعد إلى اليوم"، مؤكدا أن النظام السابق "ما يزال في مكانه ويعمل على ترميم نفسه والعودة إلى سدة السلطة من زاوية أخرى". 

وأفاد بادي، أن المطالب الحقيقية للحراك، "لم تقبل ورفضت من قبل النظام"، بل "وسارع إلى رسم خارطة طريق كما رسمها هو بشكل أحادي دون الاستجابة إلى مطالب الحراك". 

وعن إقرار يوم الـ22 من فبرار يوما وطنيا في الجزائر، قال الناشط البارز في الحراك :"الآن السلطة اعتمدت يوم 22 فبراير يوما وطنيا.. وهي في الواقع مناورة من السلطة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه هذا الخبر، تعمد على تغليق الشوارع والمعابر أمام المتظاهرين، حتى لا يتظاهرون إحياء لذكرى الحراك". 

لكن في المقابل، قال بادي، إن الشيء الذي تحقق هو قدرة المتظاهرين على كسر جدار الخوف الذي زرعه فيهم نظام بوتفليقة، ووعيهم بضرورة الانتقال الديمقراطي الحقيقي، فضلا عن الوعي السياسي الذي صار لأغلب الشباب الجزائري. 

الحراك.. بالترتيب الزمني

وبالرجوع إلى الحراك، فقد استمر على خط زمني منتظم، لم تعرفه احتجاجات شعبية مثيلة في بلدان عربية أخرى. مع العلم أن الحظر على المظاهرات كان مفروضا في البلاد منذ العام 2001، ثمّ رُفعت حالة الطوارئ في العام 2011.

ويبدأ أسبوع الإحتجاجات في الجزائر بيوم الأحد، تشارك فيه شرائح اجتماعية وقطاعات مهنية كل مرة. ليعقبه يوم الأربعاء، موعد الاجتماع الأسبوعي للحكومة، ليختم الأسبوع بيوم الجمعة، حيث يخرج المتظاهرون في مسيرات حاشدة. 

خطة بوتفليقة رقم 1 

وعقب خروج الجزائريين في مظاهرات حاشدة في عدد من المدن، واصل بوتفليقة إصراره على الترشح لفترة رئاسية خامسة، لكنه اقترح صيغة خاصة، كانت بمثابة خطة أولى له، لتجاوز الأزمة.

في الثاني من مارس 2019، أقال بوتفليقة مدير حملته الانتخابية عبد المالك سلال، ليحل محله عبد الغني زعلان، وفي اليوم التالي، قدّم هذا الأخير ملف الترشح لدى المجلس الدستوري.

وفي خطاب تلفزيوني، تعهّد بوتفليقة "بعدم إكمال ولايته الخامسة"، والانسحاب من الحكم من خلال انتخابات مبكرة يتم تحديد موعدها. 

رد الشارع على رحيل بوتفليقة

في يوم الجمعة الثامن من مارس، اجتاحت حشود كبيرة شوارع العاصمة، وسارت تظاهرات في مدن أخرى، في المساء، استعملت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين حاولوا التوجه إلى مقر رئاسة الجمهورية.

وتلتها مسيرات أخرى، في العاشر من مارس، حيث عاد بوتفليقة إلى الجزائر بعد أسبوعين من "الفحوص الطبية" أجراها في مستشفى سويسري.

تحقق المطلب الأول

ومباشرة بعد تصريح وزير الدفاع الراحل، أحمد قايد صالح بأن الجيش "يتقاسم" مع الشعب "نفس القيم والمبادئ"، أعلن في 11 مارس، بوتفليقة عدوله عن الترشح لولاية خامسة، وفي الوقت نفسه إرجاء الانتخابات الرئاسية، دون تحديد موعد مغادرته الحكم. 

على الأثر قدّم رئيس الوزراء استقالته، وتمّ تعيين وزير الداخلية نور الدين بدوي خلفا له مع استحداث منصب نائب رئيس الوزراء وتعيين رمطان لعمامرة فيه.

إصرار المتظاهرين 

 لكن هذه القرارات لم تهدّئ المتظاهرين الذين واصلوا التظاهر، بينما نفذ إضراب عام في كل البلاد. وفي 12 و13 مارس، دخل تلامذة المدارس والثانويات مع الأساتذة بأعداد كبيرة، على خط التظاهر، وفي 15 مارس، خرجت حشود ضخمة وسط العاصمة منددة بتمديد ولاية بوتفليقة من خلال تأجيل الانتخابات. وشملت التظاهرات أربعين محافظة من أصل 48، حسب مصادر أمنية جزائرية. 

رفع سقف المطالب في 48 مدينة 

وفي 22 مارس، اجتاحت حشود جديدة الجزائر، ورفعت لافتات تشدد على رحيل جميع الطبقة السياسية بالشعار الموحد "يتنحاو قاع"، ما دفع مؤسسة الجيش ومعها الحزب الحاكم إلى اقتراح مخرجات، تطفئ نار المتظاهرين الذين رفعوا سقف المطالب عاليا. 

رئيس أركان الجيش الراحل، اقترح في الـ 26 مارس، مخرجا دستوريا للأزمة يتمثل في تطبيق المادة 102 من الدستور التي تحدد إجراءات إعلان "ثبوت المانع" لرئيس الجمهورية واستحالة ممارسة مهامه، لأسباب بينها "المرض الخطير والمزمن".

في اليوم التالي، دعا حزب "التجمع الوطني الديمقراطي"، الحليف التقليدي والأساسي للحزب الحاكم (حزب جبهة التحرير الوطني)، إلى استقالة عبد العزيز بوتفليقة.

وكرسالة حسن نوايا الإصلاح ومحاسبة الفاسدين كما يطالب المتظاهرون، عمدت الدولة التي تولى تدبير شؤونها فعليا قائد أركان الجيش الراحل، القايد صالح، بدأ في 29 أبريل، الاستماع إلى وزير المال محمد لوكال، المحافظ السابق للبنك المركزي، في إطار قضية "تبديد" أموال عامة.

وفي اليوم التالي تم الاستماع إلى رئيس الوزراء السابق احمد اويحيى في ملفات مماثلة، ليحسم القضاء سجنه رفقة شقيق بوتفليقة وإثنين من كبار المسؤولين الأمنيين، في عاشر فبراير الجاري. 

استحالة إجراء الانتخابات

وفي العشرين من مايو، صار رئيس أركان الجيش الراحل، قايد صالح، وجه النظام أمام المتظاهرين، رفض مطلبين رئيسيين للمحتجين: إرجاء الانتخابات ورحيل رموز "النظام السياسي"، وفي 22 منه أكد أن ليس لديه "أي طموح سياسي".

 وفي 31 منه تظاهرات حاشدة ليوم الجمعة الخامس عشر على التوالي، وخصوصا في العاصمة، رغم توقيف عدد كبير من الأشخاص. 

وفي الثاني من يونيو، أعلن المجلس الدستوري (أعلى هيئة قضائية في البلا) "استحالة" إجراء الانتخابات الرئاسية في الرابع من يوليو كما هو مقرّر، بعد رفض ملفي المرشحين الوحيدين لخلافة بوتفليقة.

انتخابات رغم المقاطعة 

ووسط مقاطعة أعلنها المتظاهرون، جرت في 12 ديسمبر، انتخابات لاختيار رئيس جديد للجمهورية الجزائرية، أعرب فيها ما يزيد من 100 جزائري عن نيته للترشح ولكنه في الأخير قبل خمسة مرشحين فقط للتنافس على نيل كرسي قصر المرادية. وأسفرت النتائج عن فوز عبد المجيد تبون بعد حصوله على 58.15% من الأصوات الناخبة. 

وفاة قايد صالح 

خلال حياته، كرر صالح في أكثر من مناسبة، مطالبه بالإسراع بإجراء انتخابات رئاسية للتخلص من عناصر النظام القديم أو "العصابة" كما يصفها، لكن القدر لم يمهل الرجل الذي وُصف بـ "رجل الجزائر القوي" ليرى ما سيحل بالجزائر بعد الانتخابات، إذ وافته المنية في 23 ديسمبر 2019. 

 

المصدر: موقع الحرة

 

مواضيع ذات صلة