رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

أبناؤكم ليسوا امتدادا لكم


المخرج والممثل الشهير أمير خان

سناء العاجي/

في لحظة من لحظات الكسل التي لا نملك فيها القدرة على القراءة ولا على التركيز، نفتح تطبيق فيسبوك ونطالع، بذهن غائب، منشورات الأصدقاء.

في لحظة كسل كهذه... قد تجود صدف اللوغاريتمات علينا بهدايا مؤثرة. صديقتي المصرية مشيرة كانت قد اقتسمت على جدارها منشورا يتحدث عن فيلم عنوانه "Taare zameen Par"، للمخرج والممثل الشهير أمير خان. فيلم رائع يتطرق لعلاقة الأسر والمنظومات التعليمية بقدرات الأطفال الذهنية والتعليمية.

يحكي الفيلم قصة إشان، طفل بخيال واسع، لكنه كسول ومهمل ومشاغب. بسبب نتائجه الدراسية السيئة، ترسله الأسرة لمدرسة داخلية خاصة بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. هناك، ينطوي الطفل على نفسه وتزداد نتائجه سوءا، كما يبتعد عن هوايته (وموهبته الحقيقية) وهي الرسم... إلى أن يأتي أستاذ نشيط يكتشف مواهب الطفل ويعيد له ثقته بنفسه... كما يكتشف أنه يعاني من عسر القراءة المعروف بـ(dyslexia) وأن هذا الخلل في تركيبة الدماغ كان السبب الرئيسي في نتائجه السيئة.

الكثير من الآباء والأمهات لا يدركون أنهم يمارسون ضغطا رهيبا على أطفالهم

الأحداث الدرامية للفيلم وحواراته القوية تطرح أمامنا حقيقة تصورنا لعالم الأطفال والرغبة الملحة للعديد من الآباء في أن يكون أبناؤهم امتدادا لهم يحققون أحلامهم المحبطة... حتى لو كان الثمن سعادة أولئك الأطفال!

باسم الرغبة في "أن يكونوا أحسن منهم" وباسم الأمل في رؤيتهم متفوقين ناجحين... يخضع بعض الآباء أطفالهم بشكل قاس لتصورات المجتمع عن النجاح في الحياة.

نعيش اليوم في أسر ومجتمعات تطالب الأطفال بالتفوق في كل الميادين. عليهم أن يكونوا متفوقين في المدرسة ومتفوقين في الرياضة وفي الفن. عليهم أن يكونوا أذكياء وأن يكونوا دائما الأوائل. هذا فقط سيضمن لهم مستقبلا ناجحا... وهذا فقط سيجعلنا فخورين بهم أمام العالم نتباهى بإنجازاتهم.

بعض الآباء والأمهات يدخلون في منافسات مرضية أمام الأقارب أو الجيران حول نجاح أبنائهم ونتائجهم المدرسية وعدد الأنشطة الموازية التي يقومون بها. بل إن بعض الأسر لا تترك للأطفال فرصة للفسحة، إذ يدفعونهم لممارسة عدد رهيب من الأنشطة الموازية. أسر أخرى، خاصة تلك المقيمة في بلدان أوروبا وأميركا، تستغل عطل نهاية الأسبوع مثلا ليذهب الطفل للمسجد طوال اليوم يتعلم هناك القرآن واللغة العربية. هكذا، وبينما أصدقاؤه البلجيكيون أو الأميركيون يستمتعون بعطلة نهاية الأسبوع بشكل يناسب عمرهم، يكون عليه أن يحفظ من جديد ويتعلم ويركز وينجز تمارين جديدة...

كل هؤلاء الآباء الطامحين لعلامات النجاح والتفوق لدى أطفالهم، هل يتساءلون بشكل كاف عن احتياجات هؤلاء الأطفال وعن سعادتهم الحقيقية؟ هل يرغبون في سعادة ونجاح أطفالهم فعليا، أم أنهم في الواقع يبحثون عن علامات للفخر الذاتي والتباهي، عبر تفوق أبنائهم؟

لعل الكثير من الآباء والأمهات لا يدركون أنهم يمارسون ضغطا رهيبا على أطفالهم. أولا، ليس دور الطفل أن يكون امتدادا لوالديه ولا أن يحقق سعادتهم وطموحاتهم. من ناحية أخرى، الطفل يحتاج للتعلم ولتطوير مهارات جديدة، لكنه يحتاج أيضا للعب وللراحة وللخيال وللفن.

هناك ضغوط كثيرة يفرضها المجتمع فيما يتعلق بمعايير النجاح

ثم، وهذا الأهم: كل طفل يختلف عن الآخر في قدراته. بعض الأطفال يملكون ملكات قوية في الحساب والرياضيات، وآخرون مبدعون في الرسم أو الكتابة، وآخرون يملكون قدرات رياضية استثنائية... لماذا نريد أن نجعل منهم نسخة عن بعضهم البعض وأن نقرر أن التفوق لا يكون إلا بالعلوم والرياضيات؟

هناك ضغوط كثيرة يفرضها المجتمع فيما يتعلق بمعايير النجاح. ضغوطات يعاني منها الكثيرون ويرزحون تحت ثقلها. ولعل فيلم أمير خان يضعنا أمام مرآة هذا الواقع الذي يجعل الكثير من الوالدين، بشكل لا إرادي ربما، لا يفكرون في خصوصية أطفالهم وفي سعادتهم الحقيقية... بقدر ما يفكرون في فرض صورة معينة للنجاح والتفوق على هؤلاء الأطفال.

فيلم "Taare zameen Par" يجب أن يشاهده كل أب وأم، وكل مدرس\ة ومسؤول\ة عن المؤسسات التعليمية.

اقرأ للكاتبة أيضا: تضامن بمنطق القبيلة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG