رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

أزمة الهجرة: البحث عن الفردوس المفقود


الوكالة الأميركية لخدمات المواطنة والهجرة ترحب بـ 200 مواطن أميركي جديد في المكتبة العامة في نيويورك

بقلم مالك العثامنة/

هجرتي التي أعيشها في موطني الأوروبي الجديد، سبقتها هجرة لم تكتمل (باختياري الشخصي) إلى الولايات المتحدة مطلع الألفية الحالية.

لكن، تلك الهجرة غير المكتملة كانت وافرة التعليم والتثقيف لشرق أوسطي قادم من مجتمعات محافظة وصحفي شاب ـ آنذاك ـ يحاول تلمس الفهم لكل ما هو حوله.

تم إدراجي، بلا شك، رقما بين ملايين يتم فرزهم وإحصاؤهم للقادمين الجدد إلى أميركا، سواء مهاجرين أو مقيمين أو زائرين في الإحصاء الرسمي الذي تعتمده الدولة الأميركية منذ عام 1820 وقد تم فيه توثيق كل ما يتعلق بكل القادمين إلى العالم الجديد اغترابا أو هجرة أو زيارة، بدقة بالغة.

الاندماج، هو حسم حالة الاغتراب كحالة معلقة بين البقاء أو العودة لصالح البقاء النهائي ثم التجذر في تلك الجغرافيا الجديدة

في تلك الإحصائية التي أملك نسخة رسمية منها للفترة الممتدة بين عامي 1820 و2016 أقرأ أنه في عام 1820 استقبلت الولايات المتحدة وافدين جددا للإقامة والعمل والهجرة ما مجموعه 8.385 إنسانا، بينما في عام 2016 كان المجموع البشري القادم للعالم الجديد من كل العالم القديم بأجناس وقوميات وأديان ومعتقدات مختلفة مليونا و183 ألف إنسان.

بعد خمسينيات القرن الماضي، وبلورة الولايات المتحدة لـ"الحلم الأميركي" الوردي صارت تلك الجغرافيا في العالم الهدف الرئيسي للهجرة منذ عام 1961، ومنذ ذلك العام صارت أميركا تحمل عبء خمس الهجرة في الكوكب.

الهجرة (والاغتراب للعيش أو العمل أو اللجوء) كانت كلها دوما جدلا عميقا في الدولة الأميركية (كما في أي دولة) مرتبطة جميعها بالاقتصاد المحلي والتجاذبات الدولية والأمن الوطني ومفاهيم حقوق الإنسان.

لن أخوض أكثر في الأرقام التي تحويها الإحصائيات على دقتها وأهميتها، لكن تلك الأرقام تعطي قراءات مهمة تحسم كثيرا من الالتباسات التي تخلفها الحوارات والمواقف السياسية، هي أرقام لا تكذب، ولا تتحمل أدنى حد من الالتباس أصلا.

لكن سأختصر بآخر قراءة إحصائية لها دلالاتها تفيد بأنه في عام 2016 ومع بداية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب (وهي الإدارة التي تثير الجدل بموضوع الهجرة واللاجئين) فإن عدد المهاجرين من أصول أجنبية إلى الولايات المتحدة في ذلك العام من كل زوايا العالم بلغ مليونا و183 ألفا من البشر. أكبر نسبة منهم كانت من الهند ثم الصين!

ببساطة، يعني ذلك أن الهجرة تستمر بتصاعد، ولم تتوقف. الحراك البشري بكتله الضخمة يبحث عن العيش الكريم والكرامة الإنسانية في أي مكان يوفر له ذلك.

لكن، نحن لا نتحدث هنا عن كتل بشرية صماء، بل هي تفاصيل إنسانية بالغة التعقيد والتشابك في الهويات والمعتقدات والأفكار والأهداف، مما يعني أن تلك الزحزحة البشرية الهائلة ومع تعقيدات الحياة في حاضرنا الراهن، لها أثمانها وكلفها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. وتحتاج إلى ضوابط لتقنينها وتنظيمها فلا تحدث خلخلة في توازنات المجتمعات المستهدفة بالهجرة، وهو ما يمكن اختصاره بالاندماج والقبول.

الاندماج هو بالضبط قبول كل تلك الكلف المطلوبة من المهاجر، وهي كلف اقتصادية ونفسية واجتماعية وسياسية، وهي توقيعه على عقد غير مكتوب بقبول كل تلك الكلف ضمن ضوابط وقوانين المجتمع الجديد.

الاندماج، هو حسم حالة الاغتراب كحالة معلقة بين البقاء أو العودة لصالح البقاء النهائي ثم التجذر في تلك الجغرافيا الجديدة.

ــــــ

ومن الذاكرة، وعلى ضفاف التجربة الشخصية؛

وفي حديث وجداني مع الزميل والصديق الإعلامي باسل الرفايعة قبل سنوات قليلة في دبي، كان حوارنا حول استحقاقات الاغتراب والهجرة، وخاطبني باسل بصفتي مغتربا، فقلت له ما معناه أنني مهاجر، وهناك خيط دقيق ورفيع يفصل بين مفهوم الهجرة والاغتراب.

بعد خمسينيات القرن الماضي صارت أميركا تحمل عبء خمس الهجرة في الكوكب

من تجربتي أنا، بكل بساطة في أول سنتين، كنت مغتربا. بكل ما للكلمة من معنى "إغترابي!".

المغترب.. يظل يتطلع خلفه. يتلمس بقلبه وعيونه وكل حواسه تلك السفن التي حملته. يظل على قلق ورهن الالتفات المتكرر. ويخشى من أقل ريح تؤرجح السفن الراسية خلفه، فيظل يتلفت للوراء.

المغترب.. حالة قلق مستمر. هو القلق ذاته. وتستعصي عليه محاولات التصالح مع المكان واشتباكه مع الزمان لا يخرج عن كونه اشتباكا دائما وخاسرا مع الذاكرة.

أما المهاجر، فهو ما تحولت إليه بعد سنتين من القلق والالتفات خلفي متفقدا كل لحظة السفن والمرفأ!

اقرأ للكاتب أيضا: أردوغان: 'أفندينا' المنتظر في العالم العربي

بعد سنتين.. وفجأة هكذا بلا مقدمات. حملت علبة كبريت وأحرقت تلك السفن، ببساطة.

تلك اللحظة، التي تحرق فيها السفن ويصبح المرفأ كأي مرفأ، هي اللحظة التي تصبح فيها مهاجرا. لا يعنيك أبدا الالتفات للوراء، بل توغل في التقدم للأمام؛ أي أمام تجده في وجهك.

الرابط الوحيد فقط بين المغترب والمهاجر، هو ذلك الاشتباك الدائم والخاسر أبدا مع الذاكرة.

عند المهاجر.. تزداد نسبة الملوحة في حشرجات الحلق.. أكثر قليلا!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG