رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

...إذن أنت ملحد!


لماذا علينا أن نعتبر تلك الشخصيات وتلك المعطيات مقدسة منزهة عن الانتقاد؟

سناء العاجي/

"أعداء الإسلام يريدون محاربة ديننا، لكنه باق رغما عنهم".

"هذا الموقع ممول من المسيحيين لمحاربة الإسلام".

"هذه الكاتبة ممولة من الغرب/ من إسرائيل لمحاربة الإسلام والمسلمين".

"هذا الصحافي ملحد يكره الإسلام".

♦♦♦

تعليقات كهذه، قرأناها أكثر من مرة في أكثر من موقع وصفحة... يكفي أن يقدم كاتب أو باحث أو موقع صحافي قراءة نقدية لمعطيات أو شخصيات تاريخية، لتنهال عليه الشتائم وعبارات التخوين والاتهام بالعمالة لجهات معينة تحارب الإسلام.

لماذا لا يستطيع البعض التعامل بموضوعية مع الشخصيات والوقائع التاريخية؟

لماذا علينا أن نعتبر تلك الشخصيات وتلك المعطيات مقدسة منزهة عن الانتقاد؟

كل حاكم في التاريخ الإسلامي كانت له جوانب مضيئة وكانت له، بالتأكيد، نقاط سوداء في مساره السياسي، مهما بدا لنا عظيما. كل "عالم" أو رجل دين، اجتهد حسب معطيات زمانه. لكن عددا من اجتهادات رجال الدين السابقين ليست مقبولة بتاتا بقيم اليوم، لأنها تمتهن كرامة فئات في المجتمع أو تشرعن للعنف.

الفقهاء الذين أسسوا للمذاهب المعترف بها حاليا ليسوا إلا بشرا قد يصيبون وقد يخطؤون

انتقاد تلك الاجتهادات أو انتقاد ممارسات أولئك الحكام لا يشكل هجوما على الإسلام. بل إنه من الخطأ (وحتى من بعض الغباء المرضي) أن يعتبر عدد من المنتمين للإسلام كل انتقاد للتاريخ الإسلامي هجوما على الإسلام.

أولا، حين يكون إيمان المرء قويا، فيفترض أن الهجوم نفسه (حتى لو كان صحيحا) لا يمس إيمانه واقتناعه بدينه. إذا كان بعض الانتقاد يهز إيمانك، فهذا يعني ببساطة أن المشكل في إيمانك وليس في النقد الذي يقدَّم لتفاصيل من التاريخ الإسلامي.

ثانيا، الإيمان هو شأن شخصي لا يجب أن يلغي أن عددا من الفاعلين في التاريخ الإسلامي ليسوا فوق الانتقاد. الخلفاء الأربعة، صلاح الدين الأيوبي، البخاري، ابن حنبل، الإمام مسلم، خالد بن الوليد. يزيد بن معاوية. الزبير بن العوام... كلها شخصيات بشرية ليست منزهة. بعضها شرعن للعنف وبعضها قدم قراءات ربما كانت صالحة في زمانه لكنها مرفوضة اليوم. بل حتى حين كانت نواياهم حسنة، فقد حدث أن أخطأ بعضهم في حق خصومه أو في حق فئات أخرى حتى داخل المجتمع الإسلامي نفسه.

هل ندرك مثلا حجم المسلمين الذين قتلوا بعضهم البعض في الحروب التي تلت وفاة الرسول؟ عشرات الآلاف من المسلمين قتلوا بعضهم في الحروب بين يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير (أقل من ستين سنة بعد وفاة الرسول)، بين الحسين ويزيد بن معاوية، بين علي بن أبي طالب وعائشة... قتلوا بعضهم وكل جهة منهم تعتبر أنها الأكثر إسلاما. بل إن عددا من مؤرخي الإسلام اختلفوا مثلا في إسلام أو كفر شخصيات بارزة مثل يزيد بن معاوية. شخصيات أخرى نفتخر بها اليوم حوكمت أو قتلت بتهمة الكفر كأمثال ابن سينا، أبو العلاء المعري، الرازي وغيرهم.

علينا أن نفصل الإيمان الشخصي عن القضايا الموضوعية المتعلقة بالتاريخ الإسلامي وشخصياته

في نفس الوقت، الفقهاء الذين أسسوا للمذاهب المعترف بها حاليا، سواء عند المسلمين السنة أو الشيعة، ليسوا إلا بشرا قد يصيبون وقد يخطؤون. هل نتخيل مثلا أن ابن حنبل قال إن الحديث الضعيف أحب إليه من الرأي؟ هل يمكننا اليوم أن نعتبر هذا مقبولا؟

هل نتصور أن من يسميه البعض شيخ الإسلام "ابن تيمية" قال في عشرات المواضع: "يستتاب وإلا فيقتل؟"، منها مثلا أن "من أخّر الصلاة لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ (...) حتى تغيب الشمس وجب عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب!".

باختصار، علينا اليوم أن نفصل الإيمان الشخصي، الذي يجب احترامه، عن القضايا الموضوعية المتعلقة بالتاريخ الإسلامي وشخصياته. لا يمكننا أن نستمر في الهجوم والتخوين والاتهام في حق كل من ينتقد التراث الإسلامي... لأن هذا التراث ليس مقدسا ولا منزها!

اقرأ للكاتبة أيضا: حين تنقلب الآية

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG