رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

ابن تيمية والعنف الأصولي


تظاهرة لسلفيين في المغرب للمطالبة بإعادة فتح التحقيق بهجمات الدار البيضاء عام 2003

محمد المحمود/

لم يكن الشيخ الحنبلي/ أحمد بن عبد الحليم (661هـ ـ 728هـ/1263م ـ 1328م) المعروف بـ"ابن تيمية" يتمتع في القرون السبعة الماضية التي تلت وفاته بذات الشهرة التي يتمتع بها الآن، وتحديدا منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ ازدهار جماعات العنف الأصولي وظهورها بشكل واضح وصريح على مسرح الأحداث؛ حتى أصبحت مصدر قلق كبير لأوطانها ابتداء، وللعالم أجمع انتهاء؛ بعد أن تعولم حراكها الفكري والتنظيمي المتشرعن عنفا وتوحشا، بحيث لم تكن أحداث 11 سبتمبر الإرهابية إلا علامة فارقة في ذات المسار.

منذ ازدهار الأصوليات الدينية/ الإسلامية التي تجد "مهدها الحركي" في تنظيم جماعة الإخوان التي تأسست عام 1928م، وتجد "مهدها الفكري" في التراث السلفي الاتباعي برموزه المتعددة، والباحثون الغربيون (فضلا عن العرب/ الشرقيين العارفين بواقع الحال) يحاولون فَكَّ مغاليق اللغز الأصولي؛ بما يُفسّر توقيت الانبعاث/ الازدهار، وبما يفسر الشرعية الباذخة لهذا الموقف الإقصائي المتشبع بالنَّفَس الدوغمائي الذي يتعيّن في الواقع عنفا من ناحية، ويتجذَّر في الأذهان يقينا مطلقا بوهم الصواب من ناحية أخرى.

لقد لفت نظر الباحثين في جماعات العنف الأصولي ـ على اختلاف مشاربهم؛ من غربيين وشرقيين ـ هذا الحضور الكبير لابن تيمية في الخطاب الشرعي لهذه الجماعات. لقد وجد الباحثون أن كل مسلك عنفي أو موقف حاد في هذا الأمر أو ذاك، غالبا ما يكون مشفوعا بفتوى لابن تيمية ابتداء، حتى وإن ألحقت بها بعض الفتاوى من باب الحشد والتكثيف، لا من باب تحقيق أصل مشروعية الفعل/ المسلك العنفي.

يشيع في خطاب ابن تيمية، مقولة تكاد تكون ثيمة لخطابه الإفتائي: "يُسْتَتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِل"

يشيع في خطاب ابن تيمية، وخاصة في فتاويه التي جُمعت في 37 مجلدا، مقولة تكاد تكون ثيمة لخطابه الإفتائي: "يُسْتَتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِل". يكرر هذه الجملة في تقرير مصير مخالفيه الذي لا يتفقون معه فيما يعده من باب الضروريات/ المعلوم من الدين بالضرورة، أو حتى ما يكون من باب الإصرار على البدعة بعد كشفه هو ـ أو من يمثله ـ لبدعيتها بالدليل الذي يراه قطعي الصواب: ثبوتا ودلالة، ومن ثَمَّ؛ يجب على الآخر أن يراه كذلك؛ وإلا فهو كافر معاند، يجب قتله لكونه أصبح من جملة الضالين المرتدين عن الدين.

المهم في سياقنا هذا هو أن جملة "يُسْتَتاب، فإن تاب؛ وإلا قُتِل" تتكرر كثيرا، حتى أحصى بعض الباحثين أكثر من 400 موضع تكررت فيه هذه الجملة نصا أو معنى. والغريب أنها تأتي في كثير من الأحيان في مسائل فرعية، كاستحلال أكل الحيات والعقارب، أو الجهر بالنية مع اعتقاد وجوبها...إلخ، أو في مسائل لاهوتية تأويلية اختلفت فيها كثير من فِرَق/ مذاهب الإسلام.

لهذا، ولغيره مما هو في سياقه، كوجود النَّفَس القطعي اليقيني فيما هو محل خلاف بين علماء ومفكري الإسلام، وكالعنف في مواجهة المخالفين، خاصة المخالفين الذين لا تزال ساحة الصراع مفتوحة معهم (فضلا عن العنف بما دون القتل)، لكل هذا، أصبح ابن تيمية المرجع الأعلى للجماعات الأصولية والجهادية التكفيرية، وأصبحت فتاويه تتصدر البيانات المتلفزة أو المكتوبة التي تصدرها هذه الجماعات عند كل عمل عنفي/ إرهابي تقوم به من أيام جماعة التكفير والهجرة في السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم، وإلى بيانات "داعش" هذه الأيام.

التَّيْمويّون، أو عشاق ابن تيمية، أو المتشكلّون بالتراث التيموي، تقرع أسماعهم مثل هذه الاتهامات المشفوعة بالأدلة والبراهين التي تجعل شيخهم/ الرمز في مرمى الإدانة بتشريع العنف الإرهابي. وطبيعي حينئذٍ أن يحاولوا التصدي ـ ولو بالمحاولات اليائسة ـ لهذا الاتهام الخطير الذي أصبح معروفا ـ بحيثياته ـ على نطاق واسع، خاصة وأنه يأتي من مصادر شتى، وبدوافع شتى أيضا، لكنها جميعا تؤكد هذه الحال التي أصبحت واقعا، أي حال كون ابن تيمية أصبح الشيخ الأول الذي تتشرعن به جماعات العنف المتأسلمة ـ السنية منها تحديدا ـ أيا كان مكانها، وأيا كان سياقها الحركي/ التنظيمي.

في البداية، وقبل انتشار وسائل التواصل، كان التَّيْمويّون يسارعون إلى الإنكار، أي إنكار كل مقولات/ فتاوى العنف المنسوبة إلى شيخهم. فبمجرد أن يأتي باحث فيورد عليهم ما يعدونه "تشنيعا" على شيخهم، يتهمون هذا الباحث بالكذب، وأحيانا بالاجتزاء، وتارة ببتر المقولات من سياقها...إلخ، مراهنين بذلك على جهل عموم الناس، وكون هؤلاء العموم غير مستعدين للبحث في عشرات المجلدات للتأكد من صدق وأمانة التوثيق.

آنذاك، كان يكفي أن يقوم شيخ محاضر، أو خطيب جمعة، أو واعظ تلفزيوني، فيقول: إن هذا الباحث غير صادق في نقله وتوثيقه، أو غير أمين في موضعة هذه النقل في سياقه. وهنا، لن يذهب المستمعون من جماهير الشيخ أو الواعظ للمكتبات باحثين، ولن يسهروا الليالي الطوال للتأكد من حيثيات الاتهام، بل سيقودهم الكسل واللامبالاة إلى تصديق ما يقوله الشيخ/ الخطيب/ الواعظ الفضائي، فليس أمامهم إلا الاحتماء بمثل هذا التصديق التوفيضي.

قبل انتشار وسائل التواصل، كان التَّيْمويّون يسارعون إلى الإنكار

لكن، بعد انتشار وسائل التواصل وأدوات التوثيق على نطاق جماهيري واسع، وعلى وجه التقريب منذ خمسة عشر عاما، لم يعد الإنكار الغاضب ولا التكذيب الكاذب من سُبل الدفاع الناجع عن الشيخ/ التراث المتهم.

اليوم ليس كالأمس، اليوم إذا استخرج أحد الباحثين فتوى تكفيرية، أو فتوى إرهابية تدعو للقتل، لهذا الشيخ أو ذاك، فأنكر محبو الشيخ ومشايعوه، فكيفي الباحث تصوير "الفتوى" من كتاب الشيخ موثقة بأرقام صفحاتها، بل وتصوير ما قبلها وما بعدها من صفحات؛ حتى لا يكون ثمة مجال للاتهام بالبتر أو الاجزاء، ثم عرضها ـ بضغطة زر، في أقل من ثانية ـ ليشاهدها ملايين القُرّاء.

وبطرفة عين أو أقل؛ سيجدها القارئ الجماهيري أمامه بصفحاتها المُوثّقة دون أدنى عناء أو مشقة بحث، سيقرأ ما يشاء منها وهو يمازح أصحابه، أو يرتشف فنجان قهوته، أو يشاهد برنامجه المفضل، ولن يستطيع الواعظ الفضائي أو خطيب المنبر أن يراهن على كسله البحثي؛ فيزعم أن فتاوى التطرف المنسوبة لشيخه من كذب أو من تدليس "الباحثين العلمانيين!".

بعد كل هذا النشاط التواصلي الذي كشف الأوراق على المستوى الجماهيري، أدرك التَّيْمويّون أن ليس ثمة مجال للإنكار، وأن فتاوى التكفير والقتل والإقصاء والاستهانة بالدماء ثابتة على شيخهم، بل وأن بإمكان كل أحد أن يستوثق منها بأسهل مما يشرب كوب ماء.

أحسوا بورطتهم، وهنا سارعوا إلى تكتيك آخر، وكان هذا التكتيك يعني الاحتماء بظروف سياق الإنتاج، أي سياق إنتاج هذه الفتاوى المرعبة. فلكي يحموا ابن تيمية من غضب وازدراء جماهير المؤمنين، بعد أن أصبح الإنكار (التكتيك الدفاعي السابق) مستحيلا، طالب حملة أختام ابن تيمية هؤلاء/ الجماهير بأن يفهموا "الظروف السياقية الصعبة" التي جعلت شيخهم/ ابن تيمية يصل إلى هذه الدرجة من الإقصاء والعنف.

فبمنطق هؤلاء المدافعين عن شيخهم، ابن تيمية ضحية عصر عنفي مرعب، حيث حملات التتار من جهة، وحملات الصليبيين من جهة أخرى، وتحالف وتنازع الفرق/ الطوائف الإسلامية من جهة ثالثة، كل هذه ـ كما يؤكدون ـ تصنع واقعا عنفيا مرعبا مُشَتِّتا ومُحيّرا، وهو في النهاية، ومهما كان عنفه وتشتته واضطرابه، ابن هذا الواقع. وبالتالي، فاللوم ـ وفق منطقهم ـ يقع على هذا الواقع، فلولا هذا الواقع المأساوي؛ لكان الشيخ/ ابن تيمية داعية محبة وتسامح وسلام وإخاء، بل لكان الليبرالي الأول في التاريخ!

دعوى الاعتذار بالسياق (كما يعتذر به بعضهم عن رموز العنف في التاريخ) لا تصمد كحجة للدفاع عن التراث التيموي المؤسس للعنف والإقصاء؛ لأسباب كثيرة، من أهمها:

1 ـ أننا لا نحاكم الشخص، أي لا نحاكم الوجود المادي لابن تيمية؛ لنتعلل بظروفه وسياق عصره لتبرئته. ابن تيمية كحالة إنسانية مادية لم يعد له وجود. ابن تيمية الحاضر في عالمنا اليوم هو تراثه/ خطاب الديني الذي كان يدّعي له الشرعية/ القدسية، وأيضا أنصاره يدعون لتفعيله في الواقع. نحن لسنا في حالة ضبط جنائي لابن تيمية كشخص؛ لنترافع عنه ضد خصومه بما يكفل نجاته من الإدانة بجريمة التحريض على العنف أو بجريمة تشريع الإرهاب. نحن في مواجهة تراث/ فكر، يستحق الإدانة، ولا يعنينا الشخص بحال.

إن معرفة ظروف الإنتاج (إنتاج الفكر/ الفتاوى) تعين على فهم هذا الإنتاج، ولكنها لا تنزع عنه المكونات السلبية التي تتخلله، والتي يطرحها الخطاب الديني التيموي بوصفها "اجتهادات شيخ الإسلام"، ثم تجد استجابة قارئ يتمثّلها بوصفها صحيح الإسلام! كون ابن تيمية في ظروف طبيعية أو غير طبيعية، لا يعني هذا شيئا في تقييم ابن تيمية الماثل أمامنا اليوم، والذي هو ابن تيمية المُكَوّن من "حبر على ورق"/ من تراث تستلهمه آلاف العقول الاتباعية، وليس ابن تيمية المكون من جسد، من لحم ودم وعظام، فهذا الأخير لا يعنينا في قليل ولا كثير.

2 ـ أن ظروف عصره كانت هي ظروف عشرات بل مئات الفقهاء المُجَايلين له، فلماذا هو (عندما أقول: هو، أقصد: تراثه الذي يحضر به بيننا) من بينهم نجده أكثر عنفا أو تشريعا للعنف؟! صحيح أن التكفير والعنف والحث على القتل لم يكن من خصوصياته، وإنما يشترك فيه السياق الفقهي للجميع، وعند معظم الطوائف والفرق آنذاك. لكن، لا تخفى دلالة كون هذا المنحى التكفيري العنفي يتكاثف في خطابه حتى يكاد يكون أشهرهم في هذا المجال.

دعوى الاعتذار بالسياق لا تصمد كحجة للدفاع عن التراث التيموي المؤسس للعنف والإقصاء

3 ـ لا ينفي حقيقة ثبوت هذا العنف في تراثه، أن في تراثه ـ بالمقابل ـ ما يضاده معنى أو نصا، ففي النهاية، ثمة تشريع صريح للعنف، بصرف النظر عن بقية الإنتاج. فمثلا، لو أن مفكرا أو شيخا كتب عشرين مجلدا، ولم يكن العنف والتحريض على القتل متضمنا إلا في ثلاث أو أربع صفحات؛ لكانت كافية لوصم هذا المكتوب بأنه تراث يشرعن العنف ويتشرعن به العنف.

أيضا، لو أن شيخا يُفتي ويحاضر ويرشد منذ سبعين سنة؛ حتى أصبح رمزا دينيا، ولم يقل خلال ذلك ما يمكن توصيفه بأنه تبرير للعنف، ثم جاء بفتوى صريحة مختصرة، من ثلاثة أسطر فقط، يقرر فيها أن ما يمارسه تنظيم "داعش" من عنف دموي هو مشروع دينيا، فإن هذه الفتوى كفيلة بأن تجعل منه: شيخ إرهاب، ولن نبرر له بأن له أقوال في هذا المجال أو ذاك؛ لأن شرعنته للإرهاب لها مفاعيلها الكارثية في الواقع.

4 ـ أيضا، ولكوننا ننظر للأمر من زاوية استجابة القارئ/ طبيعية التلقي، فإن الأثر الذي تتركه فتوى تكفيرية/ عنفية من هذا الشيخ، ليس كالأثر الذي تتركه فتوى تكفيرية/ عنفية من شيخ آخر. فالتركيز يكون على الأشد/ الأكثر تأثيرا، وليس على الأشد/ الأكثر تكفيرا. وعلى سبيل الافتراض، قد يكون ثمة شيخ في القرن الرابع أو الخامس أو التاسع الهجري أكثر تكفيرا وأشد صراحة في الدعوة إلى العنف من ابن تيمية. لكن (ولأننا لسنا مشغولين بالشيخ/ المفكر من حيث هو منتج لتراث ما) لن نكون معنيين بنقد هذا المجهول/ المغمور؛ ما دام أثره في واقع الجماعات الأصولية معدوما أو شبه معدوم.

اقرأ للكاتب أيضا: الأصوليون والمجتمع التقليدي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG