رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

اغتصاب... للشعارات!


اعتصام لناشطين حقوقيين في المغرب دفاعا عن حرية التعبير

سناء العاجي/

ونعود مجددا لحكاية الحكيم وأصبع الحكيم والأبله الذي ينظر دائما في الاتجاه الخطأ.

نعود مجددا لأمراضنا المستعصية. لشعارات يرفعها الكثيرون لتفضحهم أول سقطة. أول مواجهة مع "الحقيقة".

نعود لواقع موجع يذكرنا كل مرة بفداحة الجهل الساكن فيمن يصنفون أنفسهم في دوائر القيم والنضال والشعارات الجميلة.

هي حكاية فيديو... فيديو قد يعجبنا وقد لا يروق لذائقتنا الفنية. ليس هذا المهم... المهم أنه يشير لداء مستشري. ينبه لخلل كبير يصيب فئة مهمة من المجتمع، هي نساؤه.

ابتدأت الحكاية حين قامت مناضلات نسويات مغربيات بإنجاز ونشر فيديو يندد بالاغتصاب، على الطريقة الشيلية والتونسية.

انتشر الفيديو وانتشر معه كم رهيب من التعليقات التي انتقد بعضها القيمة الفنية للفيديو (وهذا أمر مشروع، بل وإيجابي لأنه يساهم في تطوير النقاش وتحسين مستوى الإبداع).

كيف تعتبر نفسك متدينا وأنت تسخر من شكل الآخرين الذي يفترض أنه صنيعة الله؟

الكارثة أن عددا كبيرا من التعليقات تهكم من شكل وسن السيدات اللواتي يظهرن في الفيديو: بما أنهن متقدمات في السن، فلماذا يتحدثن عن الاغتصاب ومن سيغتصبهن؟

أصحاب هذه العينة من التعليقات، وبعضهم (للأسف) محسوب على التيار الحداثي أو الحقوقي أو اليساري، ينسون أن فاعلا معينا قد يناضل من أجل هدف إنساني دون أن يكون معنيا به بشكل شخصي. الذي يدافع عن حق الآخر في عدم التدين قد يكون متدينا. الشخص الذي يدافع عن الحريات الفردية والحريات الجنسية قد يقرر، بالنسبة له، أن لا يقوم بأي علاقة جنسية قبل الزواج (وهذه أيضا حريته الفردية)، لكنه يدافع عن حق الآخرين في حريتهم الفردية. الشخص الذي يدافع عن إلغاء تجريم استهلاك الكحول لا يشرب الكحول بالضرورة، لكنه يدافع عن حق الآخر في عدم ممارسة الوصاية عليه (على أن لا يتسبب شرب الكحول في الأذى للآخرين).

بناء على نفس المنطق، فهؤلاء النسويات لم ينددن باغتصابهن المحتمل، بل بالاغتصاب. وهنا كل الفرق.

من جهة ثانية، مغالِطٌ نفسَه والآخرين من يعتبر أن الاغتصاب لا يطال إلا الشابات الجميلات. للأسف، مصالح الشرطة والدرك في المغرب، تتوصل بشكل متواصل بمحاضر اغتصاب لنساء مسنات في مختلف المناطق، هذا دون الحديث عن الحالات التي لا يتم التبليغ عنها، خجلا أو خوفا (مرة أخرى لأننا نعتبر المغتصَبة عارا، حتى لو كان عمرها سبعون عاما).

جواب المناضلة الحقوقية والنسوية خديجة طنانة كان رائعا معبرا قويا حين قالت: "أولئك الأشخاص الذين شتموني بكلمات قدحية ونابية، لا أستطيع الرد عليهم. بل إنهم ضحايا ويثيرون شفقتي. أما الأشخاص الذين لم يعجبهم مظهري، فهذا ليس مشكلا. أنا لم يكن هدفي أن أثير إعجاب الجميع. قالوا علي: "شارفة" (عجوز بالدارجة المغربية). لكني أقول لهم: هذه سنة الحياة. أنتم أيضا ستصلون لمثل سني. لكن السؤال: هل ستكونون بمثل حيوتي ونشاطي؟ عامل السن لم يشكل عائقا أبدا في حياتي. إنه مجرد رقم. وصلت إلى 75 سنة، لكن لا أعتقد أني تغيرت. بقيت كما أنا، بنفس الحيوية التي كانت لدي وأنا شابة".

كيف تعتبر نفسك حقوقيا أو حداثيا أو يساريا وأنت تهين شخصا في جسده وشكله

جواب يفترض أن يجعل أصحاب السخرية من سن وجسد خديجة طنانة وبعض مرافقاتها في الفيديو يخجلون من أنفسهم. لكنهم، في الغالب، لن يشعروا بالخجل ولا بالندم؛ لأنهم يتغنون بشعارات الحداثة أو التدين (حسب الفصيل)، ولا يشعرون بأي تناقض وهم يترجمون تصورات متخلفة للآخر، لا هي تناسب قيم التدين ولا هي تناسب قيم الحداثة.

كيف تعتبر نفسك متدينا وأنت تسخر من شكل الآخرين الذي يفترض أنه صنيعة الله؟ كيف تعتبر نفسك متدينا وأنت تسخر من أمر هو سنة الحياة للجميع؟ جسدنا وشكلنا في سن العشرين ليسا نفسيهما في سن الأربعين أو السبعين... كيف تستعمل لغات السخرية وشعارات "ديننا يحثنا على احترام الآخر" دون أن تشعر بأي غثيان في المنطق؟

كيف تعتبر نفسك حقوقيا أو حداثيا أو يساريا وأنت تهين شخصا في جسده وشكله، بدل أن تناقش أفكاره أو القيمة الفنية للفيديو؟ كيف تعتبر نفسك حقوقيا أو حداثيا أو يساريا وأنت تترك موضوع الاغتصاب، لتناقش الشكل والشعر والتجاعيد؟

للأسف، قدرنا أن نتقاسم، ظاهريا، نفس القيم مع أشخاص يختزلون تلك القيم في مجرد شعارات... وفي أول تفصيل صغير، تخرج للعلن تناقضاتهم الصارخة. المؤلم في كل هذا أن تناقضاتهم تؤثر سلبا على قضايا تحتاج لنضج أكبر من الشعارات!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG