رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

الإعلام في ظل الديكتاتورية


شكلت الثورة التونسية حدثا تاريخيا

بابكر فيصل/

قبل عدة سنوات سك الألماني، هيرمان أوكتمان، مصطلح "الديكتاتورية الخضراء" في إطار معارضته لقرار مجلس مدينة ماربورغ القاضي بإلزام سكان المدينة باستعمال الألواح الشمسية لتوليد الطاقة في إطار الجهود الرامية إلى حماية البيئة وفرض القرار مبلغ 1000 يورو كغرامة على الرافضين للالتزام بالمشروع.

وقد اعتبر سكان المدينة الرافضين للقرار أنه يشكل هجوما سافرا على حقوق المواطنة. وقال هيرمان إن إرغام الناس بدلا عن إقناعهم باستعمال الألواح الشمسية يُمثل توجها خاطئا وديكتاتوريا، لأن الطريقة القسرية في فرض القرار ستخلق أعداء للطاقة الشمسية بدلا من أن تخلق لها أصدقاء.

استلف الباحث والكاتب الأردني الراحل شاكر النابلسي مصطلح الديكتاتورية الخضراء من الحقل البيئي الذي استخدمه فيه أوكتمان وطبَّقه على الحقل السياسي في إطار تحليله لأنظمة الديكتاتورية العربية التي قسَّمها إلى ديكتاتورية خضراء وأخرى حمراء. ويقول النابلسي إن كلا النظامين يعيث فيهما الفساد والمحسوبية والقمع والطغيان.

في الديكتاتورية الخضراء من السهل الإطاحة بالحكم، لأن هذه الديكتاتورية تدرك معاني الثورة

الديكتاتورية الخضراء يكون على رأسها دكتاتور يتجدَّد انتخابه أو هو ينتخب نفسه، ويقول إن الشعب قد انتخبه، مُعتبرا أنه هو الشعب والشعب هو. وربما قضى في الرئاسة طوال عمره إلى أن يموت. وكذلك الحال في الديكتاتورية الحمراء.

الديكتاتورية الخضراء تتيح للمعارضة ولإعلام المعارضة هامشا من الحرية لكي تتحرك قليلا فيه. في حين أن الديكتاتورية الحمراء لا تتيح هذا المجال. في الديكتاتورية الخضراء يُمكن العفو عن بعض المعارضين والمنتقدين، بينما لا يعفو الديكتاتور الأحمر عن أي من معارضيه وربما يتركهم يموتون في السجون مرضا وقهرا وجوعا، أو يغتالهم كما فعل صدام حسين بزملائه في حزب البعث.

في الديكتاتورية الخضراء من السهل الإطاحة بالحكم، لأن هذه الديكتاتورية تدرك معاني الثورة، وأهدافها، وتخضع أخيرا لإرادة الشعب وهو ما تم في تونس ومصر. ولكن الديكتاتورية الحمراء تأبى ذلك. وتتمسك بالحكم، وتُصِر على البقاء، وتقول دائما: من بعدي الطوفان. ونتيجة لذلك يفقد الوطن الكثير من أبنائه، ومن الأرواح البريئة، كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن.

سأحاول في السطور التالية النظر في جدوى هامش الحرية الإعلامية وحرية الصحافة في مكافحة الفساد في ظل الديكتاتورية الخضراء. إذ أن هناك رأيان مختلفان حول جدوى ذلك الدور.

يعتقد أصحاب الرأي الأول إن كشف الفساد بواسطة الصحافة ـ في الديكتاتورية الخضراء ـ لا يؤدي إلى محاسبة المفسدين أو معاقبتهم، وغالبا ما تتجاهل الحكومة موضوعات الفساد المُثارة في الصحف وتتركها ليطويها النسيان.

وبحسب وجهة النظر هذه فإن التناول المتواصل لقضايا الفساد في الصحف دون أن يرى المواطن نتائج ملموسة يؤدي للتشكيك في مدى صحة الأنباء التي تتحدث عن الفساد، ويتحول في نهاية المطاف إلى عائق للتغيير وليس عاملا مساعدا له وهو ما ترمي إليه الدكتاتورية الخضراء.

الديكتاتورية الحمراء تتمسك بالحكم، وتُصِر على البقاء، وتقول دائما: من بعدي الطوفان

أصحاب وجهة النظر هذه يستندون إلى حقيقة أن القارئ لما يكتبه أنصار الديكتاتورية الخضراء في الصحف يشعر بأن بلده ليس مجرد دولة عادية كمعظم الدول، ولكنها دولة رائدة وعصرية وحكومتها حكومة مثالية، ويخرج بعد قراءة هذه الكتابات بأنه ليس في الإمكانِ أبدع مما كان.

ومن ناحية أخرى فإن من يقرأ أخبار الفساد في الصحف يشعر أنه متغلغل في كل شيء، وأن الأصل في العملية السياسية والاقتصادية هو الفساد والاستثناء هو النزاهة، وأن هذا الوضع مستمر منذ سنواتٍ طويلة، وهذا يوقع معظم المواطنين في تناقضٍ خطير مع أنفسِهم فهم لا يعرفون من يقول الصدق ومن يكذب عليهم (أنصار الحكم أم الساعين لكشف الفساد)، وتجدهم في ذات الوقت يتساءلون: إذا كانت الأقلام التي تتناول الفساد غير صادقة فيما تقول، فلماذا تترُكها الحكومة دون محاسبة على ما تنشره من أخبار كاذبة عن الفساد والمفسدين؟

أصحاب وجهة النظر الأخرى يقولون إن هامش الحرية الذي تتيحه الديكتاتورية الخضراء للصحافة، والسماح لها بالتناول المستمر لقضايا الفساد سيؤدي في خاتمة المطاف للتغيير الجذري لنظام الحكم، ولن يُشكل بأية حال عائقا في سبيله حتى إذا لم تقم الحكومة بمحاسبة المفسدين ومعاقبتهم، ويسوقون ثورة 25 يناير المصرية كبرهان على صحة رؤيتهم هذه.

يقول الكاتب سامي النصف إن أول أسباب الثورة المصرية هو "متوازية الفساد وحرية الإعلام" ففي عهد عبدالناصر كان فساد المشير عامر وصلاح نصر وزمرة ضباطه أكثر استشراء واتساعا دون مردود على الدولة، إلا أن الشعب لم يغضب أو يثر، كونه لا يعلم عنه شيئا بسبب سيطرة النظام على الإعلام (ديكتاتورية حمراء)، بينما سمح عهد مبارك بالحريات الإعلامية من صحف وفضائيات تابعت كشف قضايا الفساد دون رد من النظام بتصحيح المسار أو بتفنيد الادعاءات، حتى تكونت صورة شديدة القتامة والسواد عن العهد.

الفساد من الخصائص البنيوية للنظام الديكتاتوري

يدعم أصحاب وجهة النظر الثانية رؤيتهم بالقول إن الفشل في محاسبة المفسدين واجتثاث جذور الفساد في الديكتاتورية الخضراء يُعزى لأسباب هيكلية مرتبطة بطبيعة النظام وتقع خارج مسئولية وسلطة الصحافة والإعلام. ومن تلك الأسباب عدم استقلال القضاء، وضعف السلطة التشريعية وتغوُّل السلطة التنفيذية على كليهما، إضافة إلى تغلغل شبكات الفساد في أجهزة الدولة العليا ومراكز صُنع القرار بحيث يعمد القائمون على الأمر إلى عدمِ الشروع في الكشف عن المفسدين خوفا من "تأثير الدومينو" الذي سيطال العديد من الرموز والقيادات الحاكمة وبالتالي يشكل تهديدا حقيقيا لوجود النظام.

الفساد من الخصائص البنيوية للنظام الديكتاتوري (أحمرا كان أم أخضرا) إذ هو يتعامل مع السلطة بصفتها غنيمة، وكل ما يتم في الدولة من فساد مالي فهو يتم بعمل من النظام نفسه أو بمعرفته والسكوت عنه. ولا تستطيع الصحافة وحدها محاربة الفساد في ظل هذا النظام وإن كان دورها مهما في تبصير الرأي العام بمدى استشرائه وهو ما قد يؤدي للتغيير في خاتمة المطاف.

اقرأ للكاتب أيضا: المفاهيم المؤسِسة لظاهرة التطرف الإسلامي (2)

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG