رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

الحلم الشرقي بالأفول الغربي


تمثال لأوليمبياس والدة ألكسندر الكبير في إسكوبية عاصمة مقدونيا

محمد المحمود/

يشكل التقدم المذهل المطرد للغرب جرحا نرجسيا للشرق، وخاصة لهذا الجزء من الشرق/ العالم العربي، الذي عجز عجزا مذهلا وغريبا عن تحقيق أدنى مستويات التقدم التي تكفل كرامة الإنسان فيه. ولهذا، وبدافع من تفكير رغبوي حالم، طرح هذا الشرق العربي/ الإسلامي تصورا ضِدّيا للغرب، تتجلى مظاهره في هذا الحديث المكرور عن سقوط الغرب وانحاطه وتدهوره الآني، أو الوشيك/ المتوقع/ المأمول؛ مستعينا على ترويج هذا الوهم بتعديل وتزييف وتلفيق بعض المقولات والنظريات التي ظهرت في الغرب متقاطعة مع هذا التصور؛ لتأييد هذا التنبؤ الرغبوي بسقوط الغرب عما قريب.

الغرب ـ قبل الشرق ـ تحدّث عن أزمة الحضارة الغربية/ عن أزمة حضارته، بل وتحدث، كما في رؤية شبنغلر، عن أفول الغرب أو انحطاط الغرب. الغرب يتحدث عن هذا منذ قرن ونصف القرن تقريبا، وذلك من مبدأ النقد الذاتي. حديث الغرب عن تراجع الحضارة الغربية، أو حتى عن أفولها وإفلاسها، يختلف عن حديث الشرق في هذا المضمار.

منذ بدايات القرن العشرين والأدبيات الإسلاموية تزخر بكل ما يؤكد بداية التدهور الغربي

الشرقي/ العربي عندما يقرأ مقولات الغرب في هذا الاتجاه يحملها على طبيعة تصوراته الثقافية الخاصة التي لم تَعتَد على النقد الذاتي التشريحي؛ من حيث كونه تشخيصا معرفيا للأمراض والعلل؛ بغية التحذير منها ومعالجتها وترميم النواقص وتطوير عملية النمو، وليس هجوما عدوانيا على الذات لتحطيمها، ثم الرقص على بقايا رفاتها بالتناغم مع إيقاع أغاني الشامتين.

وإذا كان المتحدثون عن أفول/ تدهور الغرب أقاموا تصورهم هذا على خلفية اعتقادهم بأن التقدم الغربي المادي أصبح طاغيا على التقدم الروحي/ الفكري، وأن الإبداع في المسار الفكري/ الروحي وصل إلى ما يشبه الطريق المسدود، فإن مؤدلجي الشرق، من عروبيين وإسلاميين، قد عزفوا على هذا الإيقاع، زاعمين أنهم يمتلكون ما ينقص الغرب، وبالتالي، قادرين على الحلول مكان الغرب في الريادة العالمية بعد سقوطه الوشيك.

منذ بدايات القرن العشرين والأدبيات الإسلاموية تزخر بكل ما يؤكد بداية التدهور الغربي، وتكاد لا تخلو كتابة إسلاموية عن الغرب، إلا و "تأكيد سقوط الغرب الوشيك" هو عمودها الفقري الذي تتكئ عليه في معمارها النظري، بحيث لو نُزع هذا التأكيد الرغبوي؛ لتهاوت الأطروحة الإسلاموية من الأساس.

لكن، ولسوء حظ العروبوية والإسلاموية بدا الواقع العربي/ الإسلامي مزريا إلى درجة لا تسمح لحلم الحلول مكان هذا الغرب حتى بمداعبة الرغبات الشاطحة. بدا أن واقع العرب/ المسلمين صادما حتى لأولئك الذين امتهنوا مضغ مقولات امتلاء الأنا بالروحي، مقابل خواء الآخر الغربي. وهنا، جاء النهوض الصيني خاصة، والنهوض الشرقي عامة (النمور الآسيوية)، لينقذ الموقف/ لينقذ الحلم، حتى ولو كان الثمن يقتضي الاستغناء عن دور البديل، أي لإنقاذ نظرية سقوط الغرب ولو في جزئها الأول، بعد أن تأكد لـ"أنا" أن تحقيق الجزء الثاني (حلول الأنـا مكان الغرب) في حكم المستحيل.

كثير من الابتهاج العربي بنهوض الشرق يُضْمِر في طياته احتفاء خَفيّا بسقوط الغرب، أو بتراجع الغرب على الأقل. هذا النهوض يُعزِّز لـ"الأنا" الشطر الأول من الحلم القديم، يُنْقذ بعض ما يمكن إنقاذه، وكأنه يقول بلسانه حاله وربما بلسان مقاله أحيانا: إذا لم أستطع ـ ومؤكد أني لن أستطيع في المدى المنظور ـ الانتقام لنفسي من عدوي الأزلي/ الغرب؛ فلينتقم لي منه أيُّ أحد في هذا العالم. صحيح أني لن أتداوى تماما، صحيح أن ارتياحي النفسي لن يكون بمثل ما لو كان الانتقام على يدي، لكن، يبقى هذا الأمر أفضل من بقائي محسورا أتجرع حسرات الحسد القاتل، إنه أفضل من رؤية من تصورته "عدوا/ منافسا أزليا" وهو ينمو ويزدهر ويتألق، والعالم يتتلمذ عليه، معترفا له بالسبق الحضاري الكاسح.

هنا، تبرز مشكلة كبرى لا يريد هذا التصور العربي الرغبوي الحالم التصدي لها بصراحة، وهي أن الشرق: الصين، اليابان، كوريا...إلخ لا يملك تلك المقومات الروحية الإنسانية التي يزعم أن الغرب يفتقر إليها، أو بات يفتقر إليها منذ بداية تشكله الحداثي.

يغيب عن هؤلاء حقيقة أنه إذا كان الغرب قد أصبح فقيرا من الناحية الروحية/ الفكرية كما يزعم هؤلاء، فإن الشرق أشد فقرا، بل والقليل منها لديه، غير راسخ الجذور، والأهم، أنها غير مسرودة ثقافيا؛ كما هو الحال مع حزمة المبادئ والقيم الإنسانية الغربية (قيم مبادئ عصر التنوير) التي استوت على سوقها في جدلية تاريخية تمتد لأكثر من ألفي عام.

لم يتقدم الغرب بالقوة المادية/ التقنية فقط؛ كما يتوهم كثير من عشاق ثنائية: الغرب المادي، والشرق الروحي. كثير من الإمبراطوريات اكتسحت العالم، ولكنها ماتت؛ لأنها لم تتقدم بتصورات إنسانية عالمية.

الغرب تقدم، وامتلك مقومات الإبهار والسيطرة والنفوذ، ابتداء بقوة الأفكار وفاعلية المبادئ والقيم التي حملها في رسالته الحضارية التي صنعت المعالم الأساسية لهذا العصر.

وهي قيم ومبادئ راسخة لم يخترعها ذات موقف عابر، أو يستوردها من تاجر زائر، أو يسرقها من وراء البحار، وإنما نبتت على يديه، ونمت في أحضانه، وازدهرت برعايته. ففي التراث اليوناني والروماني الذي نهضت عليه حضارة هذا الغرب المعاصر نجد مقدمات العناصر الأساسية لمجموع هذه القيم والمبادئ الغربية، ولولا ديمقراطية اليونان وقوانين والرومان والمجالس الانتخابية التي تكررت وتنوعت (حتى وإن تخللها انقطاع طويل)، هي التي صنعت حرية وديمقراطية الغرب في نموها المتصاعد منذ عصر النهضة الحديث.

نمط التفكير الغربي (اليوناني، الروماني، الغرب الحديث) هو نمط استثنائي مغاير في ذاته وفي مسيرته. حتى في القديم، لاحظ كثيرون استثنائية هذا النمط الفكري ـ المَسْلكي. يوجد نص أثري عقد عليه الإمام مسلم (المحدث الشهير في التراث السني) بابا في صحيحه سمّاه: (باب: تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ). وفيه ذكر "حديثا" هذا نصه: قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: "تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ". فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ؟! قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ، وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.

الغرب تقدم، وامتلك مقومات الإبهار والسيطرة والنفوذ، ابتداء بقوة الأفكار وفاعلية المبادئ والقيم

لن أعرض هنا للتنبؤ المنسوب للنبي الأعظم، فليس هذا مجال مقاربته هنا. إنما يهمني هنا هذه القراءة النقد ـ ثقافية التي تقدم بها رجل من رجالات ذلك العصر، في محاولته استكناه المكونات الثقافية الحيوية للغرب/ الروم.

عمرو بن العاص، فضلا عن كونه رجل دولة خاض تجارب كثيرة متنوعة، وشهد تحولات دراماتيكية للمشهد السياسي في عصره، هو داهية من دهاة العرب المشهورين. وهنا عمرو بن العاص يسمع صحابيا يُسند مقولة خطيرة إلى النبي الأعظم (تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ)، مفادها استمرار قوة الروم ونفوذهم، أو استئنافها واطرادها حتى نهاية التاريخ/ قيام الساعة. والعرب تعبر بـ"أكثر" عن الكثرة العددية وعن القوة وعن الهيمنة. وهنا نجد عمرو بن العاص يتفاجأ بالنص الذي يبدو بعيدا عن الواقع، بل يبدو معارضا للواقع؛ لأن المشهد الواقعي الذي أمامه كان يقول بأن الروم انهزموا في الشام ومصر وشمال أفريقيا، وهو نفسه/ عمرو بن العاص أحد قادة هذه الجيوش المنتصرة التي هزمت الروم.

طبعا، لم يكن تصور عمرو بن العاص عن اتساع الإمبراطورية الرومانية دقيقا، لهذا كان محصول ما يشاهده بعينه أن الروم انهزموا هزيمة ساحقة في المواطن التي يعرف نفوذ الروم بها. ولهذا، طلب من راوي الحديث/ ناقل النص أن يدقق في كلامه، ويتأكد من مصداقية نقله، إذ ـ في نظر عمرو بن العاص ـ ثمة تعارض بين النص المنسوب للنبي المُلهم المعصوم، والواقع الذي يراه أمامه بكل وضوح.

لكن، عندما أكّد الراوي ثبوت النص عن النبي، وبالتالي، أصبح المعنى/ الحكم عنده قطعي؛ التفت عمرو إلى الواقع، فالآن، وبحكم النص، ثبت لديه أن الروم لن ينهزموا بالمطلق، وأنهم باقون، وسيعود نفوذهم، وسيستمر حتى قيام الساعة/ نهاية التاريخ.

حاول عمرو بن العاص أن يبحث عن سبب هذه الاستمرارية الغربية/ الرومانية آنذاك. الحضارات التي تُهْزم عسكريا، تَندثر وتفنى ولا يبقى منها شيء، أو لا يبقى منها إلا الفتات؛ فلماذا ـ وبحكم النص ـ يبقى الروم/ الغرب استثناء؟! لم يبحث عمرو بن العاص في الواقع المادي، لم يحاول تقدير الإمكانيات الرومانية آنذاك، بل بحث في العمق الثقافي، فيما يمكن أن يكون ضمانة للاستمرارية التاريخية، لاستمرارية النماء والخلود الحضاري.

ذكر عمرو بن العاص أربعة عناصر ثقافية/ سلوكية، ثم زاد عليها خامسة، ولو أنا تأمّلناها لوجدناها ـ جميعها ـ تُشكّل العصب الرئيس للقيم والمبادئ الغربية في العصر الراهن.

1ـ فهم "أَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ"، أي أنهم أقدر من غيرهم ـ نسبيا ـ على إدارة خلافاتهم الداخلية بعقلانية تُلْجِم نزوات العواطف العدوانية.

كثير من الإمبراطوريات اكتسحت العالم، ولكنها ماتت؛ لأنها لم تتقدم بتصورات إنسانية عالمية

2ـ وهم "أَسْرَعُ النَاسِ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ"، أي قادرين على امتصاص المصائب، والخروج من الكوارث بروح جديدة، فلا تسحقهم المصائب/ الكوارث، بل هي مجرد أحداث عابرة على سطح تاريخهم؛ مهما كانت ضخامة آثارها.

3ـ وهم "أَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ"، أي أن الهزائم لديهم ليس نهائية، فنَفَسُهم في الحروب طويل، ومثل هؤلاء لا يمكن هزيمتهم، إذ كل هزيمة تحمل في طياتها روح انبعاث جديد، مقاومة بلا حدود.

4ـ وهم "خَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ"، وهنا عنصر التكامل الاجتماعي القائم على قاعدة إنسانية صُلبة، تحفظ للمجتمع تماسكه؛ بدعائم من سلوكيات إنسانية متنوعة ومتعاضدة، لا تزال تميز الغرب عن غيره.

5ـ وهم "أَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ"، فالاستبداد عندهم منبوذ ثقافيا، ولذلك لا يستمر طويلا؛ لأن ثمة تصورا ثقافيا/ مسلكيا عاما ينفيه من الواقع، فثمة مناعة ضده. ولهذا، ظهرت الديمقراطية من اليونان، وتطورت، حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم في الغرب.

إن ما يهمنا هنا في هذا النص ليس النبوءة الماورائية فيه، بل القراءة الثقافية الواقعية فيه، أي قراءة عمرو بن العاص ـ كناقد ثقافي ـ لواقع الروم/ الغرب في زمنه، حيث يبدو وكأنه يقرأ الغرب في زمننا. وهنا نلاحظ ـ من خلال هذه القراءة ـ أن ثمة استمرارية في نظام القيم السائدة الراسخة (أي ما يسميه غوستاف لوبون "روح العرق") التي لا تضمن البقاء فحسب، وإنما تضمن البقاء والنماء والسبق واتساع النفوذ.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG