رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

العنف في الثقافة العربية


كل الثقافات تنطوي على شيء من عُنْف؛ قلَّ أو كَثُر؛ فما موقع العنف من ثقافة العرب في مجراها العام؟

محمد المحمود/

يستحيل القطع مع التاريخ؛ مهما تَبَاعد وتَوَارى، كما يستحيل القطع مع التراث؛ مهما تراجع واختفى من على سطح الوعي. عرب اليوم هم عرب الأمس، عرب اليوم ليسوا مقطوعين من شجرة التاريخ ولا من شجرة التراث، بل هم أغصانها الفارعة، وأوراقها الوارفة، وثمارها المكتنزة ببذورها، وكلُّ شَيءٍ نَسْلُه من جِنْسِه، وحاله من حاله؛ ما لم يطرأ طارئ لم يكن في الحسبان.

كل الثقافات تنطوي على شيء من عُنْف؛ قلَّ أو كَثُر؛ فما موقع العنف من ثقافة العرب في مجراها العام؟ هل العنف هو السائد/ المتن الثقافي الذي يتحكم في وعينا، أم هو مجرد فرع ذابل، وهامش مُهْمل؟

إذا أردنا أن نكون صريحين مع أنفسنا، فعلينا الاعتراف بأن العرب هم أبناء الصراع الصريح المباشر المتطاول، هم أبناء "البسوس"، و"داحس والغبراء"، و"يوم بُعاث"، و"يوم الكُلاب" ـ الأول والثاني ـ، و"يوم حليمة"، و"طسم وجديس"...إلخ أيام العرب في الجاهلية، كما هم أبناء "الجمل"، و"صِفّين"، و"كربلاء"، و"الحرّة"، و"الزّاب"، و"دير الجماجم"...إلخ أيام العرب بعد الإسلام.

يصبح التظالم بقوة السلاح هو قانون الحياة الذي لا خيار فيه

ليس هذا فحسب، بل ـ وهو الأهم والأخطر ـ العرب هم أبناء "الثقافة العنفية" المُحَايثة لكل هذا، الثقافة التي تغلغلت في نبض العرب الصادق: الشعر، الذي لم يكن مجرد فَنٍّ من فنونهم، وإنما هو ديوانهم؛ كما قيل ويُقال. الشعر هو نبض الوجدان العربي؛ بقدر ما هو فضاء الوعي الذي تتجلى فيه معالم العقل العربي في زمنه الأقدم.

لقد مَجّد الشعرُ العربي العنف على نحو صريح وواضح منذ بداياته الأولى؛ فضلا عن العنف المضمر الكامن في أنساقه الداخلية التي تنتظمه في العمق؛ بحيث لا يفلت ـ بهذا المستوى من المقاربة ـ حتى فن الغزل من تهمة الترويج والتمجيد لثقافة العنف أو لشيء من لوازمها.

لن نشتغل الآن على استنطاق المضمر، إذ ما يهمنا هنا هو المنطوق الصريح الواضح لهذا الشعر العربي الرائج الذي شكّل وعي الأجيال العربية المتعاقبة منذ أقدم العصور، منذ الجاهلية الأولى، وإلى اليوم، حيث لا تزال هذه النصوص تُتْلى بشكل أو بآخر، قائمة بنفسها، أو مُنْسرِبة في تشكيلات ثقافية وفنية تمتهن ـ من غير إرادة واعية في الغالب ـ دور الوسيط الثقافي.

جميعنا يحفظ بيت شاعر الحكمة الجاهلي/ زهير بن أبي سلمى:

وَمَنْ لمْ يَذدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِـهِ * يُهَـدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَـمِ

فهنا، يصبح التظالم بقوة السلاح هو قانون الحياة الذي لا خيار فيه، فإن لم تكن ظالما؛ فستكون مظلوما حتما. ولهذا، واتفاقا مع هذا القانون الثقافي، لا يخجل عمرو بن كلثوم من التصريح بأنهم هم من سيبدأ "البغي" و"الظلم" و"العدوان"، بل سيفخر بذلك في معلقته الشهيرة قائلا:

لنَا الدّنيا ومن أضْحَى عليها * ونَبْطِشُ حين نَبْطِشُ قادرينا

بُغَاةٌ ظـالميـن، وما ظُلِمْنا * ولَـكِـنَّا سَنبْدأُ ظَـالِـميـنا

هكذا يتحول الظلم، وليس مجرد العنف، إلى إحدى الفضائل الأساسية للسلوكيات البَيْنِيِّة التي يقوم عليها نظام الحياة. وما يفخر به عمرو بن كلثوم هنا، ليس بِدْعا في الثقافة العربية التي كان يُشَكِّلها وتتشكّل به، بل هي منطق عصره الذي يحكم وعيه، كما يحكم وعي غيره. فهذا شاعر من شعراء الحماسة، وهو قريط بن أنيف العنبري، يحتقر قومه الذين لم يُنَاصروه على ظلمه/ عُدوانه؛ لأنهم لا يتوفَّرون على شيء من "الشَرّ"، ويتمنى قوما ينصرونه ظالما أو مظلوما. يقول:

لكن قومي وإن كانوا ذوي عَدَدٍ * ليسوا من الشَرِّ في شيءٍ وإن هَانا

بينما يصف القوم الذين يتمنى أن يكون قومُه مثلهم (بني مازن) بقوله:

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرَافات و وحدانـا

إن سرعة الاستجابة للشر معيار قِيَمي رفيع في الثقافة التي ينتمي إليها هذا الشاعر الذي ضاق ذرعا بـ"الإنصاف" الذي يتمتع به قومه. وهكذا، يصبح السلام/ التسالم/ التّنزّه عن الظلم الذي يعبر عنه بـ"الخير" مذمة في سياق هذا المعيار الثقافي السائد، الذي يبدو فيه العنف ضد الآخر، وكأنه أحد مقومات تحقيق الذات.

إن صفة العنف هي المُتَسيّدة ثقافيا كما يحكيها المشهد الشعري

هنا يصبح العنف ضرورة حياة، بل وضرورة "معنى حياة". ولهذا، كان العربي إذا لم يجد غرضا/ هدفا لعنفه من الآخرين، قام بتوجيه هذا العنف إلى الأقرب فالأقرب. يقول القطامي يصف غارات قومه الدائمة:

وأحياناً على بكر أخينا * إذا ما لم نجد إلا أخانا

أي تكون الإغارة هي أصل الحراك الذاتي، وعندما ينعدم الهدف/ الغرض النموذجي الأمثل (المتمثل بالآخرين)، تكون الإغارة على الأقربين؛ لأن طاقة العنف لا بد من تفريغها في موضوع ما. وهو ذات المعنى الذي يكرره الشاعر في قصيدة أخرى، إذ يقول:

لم أرَ قوما هم شر لإخوتهم * منا عشية يجري بالدم الوادي

فحتى في حال الاعتراف بالأخوة هنا، لا يكف أصل العنف/ أصل الصراع عن الحضور؛ لأنه أصل تجذّر ثقافيا/ قِيَميا بما يتجاوز أصالة بقية العناصر الثقافية التي كانت تنتظم حياة العربي. وهذا ما يؤكده أرطاة بن سُهَيَّة المُري بقوله ـ عن نظام العلاقات البينية داخل القبلية الواحدة، حيث العلاقة قائمة على "البغض" و"التنافس"، لا على التآلف والتراحم ـ:

ونحن بنو عَمٍّ على ذات بيننا * زَرابِيُّ فينا بِغْضَة وتنافسُ

الحرب ثقافة، بقدر ما هي فضاء لممارسة العنف الذي يحظى بالتمجيد الثقافي، وبقدر حظك من العنف يكون حظك من المجد. وشرف العنف على مستويات، فأن تكون عنيفا بالأصالة هو الأعلى في سلم هذا الشرف، وأن توالي هذا العنف وتدافع عنه، فتلك فضيلة عنفية مضافة. يقول سوار بن المضرّب:

وإني لا أزال أخا حروب * إذا لم أجْنِ كنتُ مِجَنَّ جانِ

يقصد أنه إذا لم ينل شرف مباشرة العنف بنفسه، فهو إذا لم يكن أحد الجناة بالأصالة، فإنه أحد الجناة بالنيابة، من حيث كونه مشاركا في العنف على مستوى الدعم اللوجستي لممارسيه، حيث يوفر لهم الحماية الضرورية التي يحتاجونها، فهو منخرط في العنف بصورة دائمة، حياته لحظة عنف متواصلة، ولا معنى للحياة خارج سياق هذا العنف الذي أصبح هو الوجه الآخر للحياة.

إذن، السلام، الوفاء بعهود التعايش، التسامح في الأخطاء، كل ذلك يشكل نُتُوَءات سلبية تقع خارج المتن الثقافي الإيجابي. عندما أراد النجاشي، وهو شاعر مخضرم (جاهلي ـ إسلامي)، هجاء إحدى القبائل العربية، لم يجد من صفات الذم والتحقير لخصومه إلا صفتي: "الامتناع عن الغدر" و"الامتناع عن الظلم". يقول النجاشي:

قُبَيِّلةٌ لا يَغْدِرون بذِمّةٍ * ولا يظلمون الناسَ حبّة خَرْدل

فبعد تصغير "قبيلة" إلى "قُبَيَّلة" للتحقير، تتحول أرقى الصفات الإنسانية (عدم الغدر/ عدم الظلم) إلى صفات مذمومة، لا لشيء؛ إلا لأنها تتضمن معنى يناقض مبدأ العنف كأحد مقومات الشخصية الإيجابية في التصور الثقافي السائد.

إن صفة العنف هي المُتَسيّدة ثقافيا كما يحكيها المشهد الشعري. وإذا كان ثمة صفات أخرى مجاورة لهذه الصفة، فصفة العنف قادرة إلغائها أو محوها أو تحويرها؛ بما يُعزِّز قيمة العنف في النهاية.

مَجّد الشعرُ العربي العنف على نحو صريح وواضح منذ بداياته الأولى

قد يعشق العربي النساء، وقد يميل إلى أصناف اللهو من خمر وغناء، ولكنه في النهاية يجد قيمته في تميزه العنفي. وهذا ما ظهر في التقسيم الثلاثي الشهير للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، حين حدّد غرضه في الحياة، أو تصوّر معنى حياته محددا في: "ثلاث هُنَّ من عِيْشَةِ الفتى"، وكانت هذه الثلاث: "الخمر"، و"الحرب"، و"المرأة"، وهي أغراض كانت لها جماهيريتها الواسعة على امتداد تاريخ التراث الشعري العربي، فظهر شعراء الغزل، كـ"جميل بثينة"، و"كُثَيّر عزّة" و"عمر بن أبي ربيعة"، كما ظهر شعراء الخمرة، كـ"الأعشى"، و"الأخطل"، و"أبي نواس"، وشعراء الحروب الذي عبروا عن هذا العشق في قصائد الفخر والمديح والهجاء.

لكن، بينما تراجع "الغزليون" و"الخمريون" عن مواقع الصدارة، بحيث لم تَتَمثّلهم الأمة ثقافيا، ولم يستطيعوا أن يقبضوا على وجدانها، يبدو "الحربيون" وكأنهم تربّعوا على عرش الاعتبار الثقافي.

ولهذا يُلاحَظ أن صرخة أبي تمام العُنْفِيّة بـ"السيف أصدق أنباء من الكتب" لاقت استجابة ثقافية نخبوية وجماهيرية واسعة المدى، ما يعني أنها عبّرت عن المكنون الثقافي الراسخ في الأعماق.

وأبو تمام ذاته يكاد لا يُعْرَف جماهيريا إلا من خلال هذه القصيدة الحربية المُضمّخة بالعنف المُرَمَّز، والتي أصبح مطلعها مثلا يجري على كل لسان، وكأنه إحدى الحقائق الكونية الكبرى.

أما شاعر الحرب الأكبر، شاعر العنف الأخطر، مُمَثِّل الروح "الداعشية" في ثقافتنا، أقصد: أبا الطيب المتنبي، فهو يحتاج لمقال خاص.

اقرأ للكاتب أيضا: الحلم الشرقي بالأفول الغربي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG