رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

المغرب أو الحضارة تشرق غربا


يضيء شمعة تحضيرا لعرض أزياء في مراكش

محمد المحمود/

لا يمكن أن تتأسس الحضارة على فراغ ثقافي/ فكري. النهضة، التغيير الحضاري الحقيقي، التطور النامي، كل ذلك يبدأ "تغييرا في العقول" قبل أن يبدأ "تغييرا في الواقع". يستطيع الإنسان المُتخَلّف أن يمتلك أحدث وأرقى التقنيات العالمية التي لم يصنعها، ولكنه يبقى متخلفا؛ ما دام نظامه العقلي (بالمفهوم الأعم للعقل الذي يشمل الأنساق الفكرية، كما يشمل أنساق الاستجابات النفسية/ العاطفية) لا يزال في أطواره الهمجية الأولى.

وعندما يبدأ (نظام العقل/ الوعي الكلي) بالتغيّر نحو آفاق غير تقليدية، آفاق أكثر إنسانية، آفاق أوسع فَهْما وتَفهّما وتحقّقا في مسار تحرير الإنسان من أوهامه، ومن علائقه الاجتماعية القاهرة، ومن ضرورات الطبيعة؛ يبدأ في التحضّر الحقيقي، أي يبدأ وجوده الإنساني في التحقق، في اكتمال معالم وجوده في هذا العالم كإنسان.

يكاد يكون ثمة إجماع توافقي على أن مركز الإبداع الفكري/ الفلسفي والبحثي الرصين في العالم العربي، وتحديدا في العقود الأربعة الأخيرة، هو المغرب. بهذا اعترف متعصبو الشرق العربي، كـ"هيكل" (محمد حسنين هيكل) الذي نّبه المصريين مرارا إلى أن موقع مصر كمركز للإشعاع الثقافي/ الفكري العربي بدأ يتراجع لصالح الإبداع الفكري والبحثي في المغرب.

الاستقرار السياسي في المغرب من أهم عناصر القوة

المغرب كان إلى أوائل السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم يكاد يكون على هوامش مسيرة الفكر العربي التي القاهرة، وبيروت، ودمشق وبغداد إلى حد ما، هي عواصمها الأساسية؛ قبل أن يصبح الإبداع المغربي الثقافي في الصدارة، وتتراجع كل هذه العواصم ـ بنِسَبٍ مُتفاوتة ـ لصالح مبدعين/ باحثين مغاربة كبار، كالعروي، والجابري، وعبدالإله بلقزيز، وعبدالسلام بنعبدالعالي، وعلي أومليل، ومحمد مفتاح، وطه عبدالرحمن، ومحمد سبيلا...إلخ قائمة الإبداع التي تكشف عن خصوبة إبداعية لا تزال تعد بالكثير من الإبداع المتواصل.

هذا التوهج المعرفي عند المفكرين/ الباحثين المغاربة لم يكن ليحدث لو لم يكن التواصل مع أوروبا بتلك السهولة التي تقف الجغرافيا كواحدة من أهم عناصرها. طبعا، ثمة عوامل أخرى أسهمت ـ مع العامل الجغرافي ـ في فتح آفاق التواصل؛ كالتاريخ السياسي، والظرف الاقتصادي مثلا، ولكن تبقى الجغرافيا حاضرة بقوة، مع الـتأكيد ـ في الوقت نفسه ـ على أن الجغرافيا لا تكفي وحدها؛ وإلا لسبقت الجزائر المغرب في هذا المجال؛ بحكم أن فترة التواصل مع أوروبا كانت أطول وأعمق (الاستعمار الفرنسي)، وبحكم ما تملكه الجزائر من الثروات الطبيعية من نفط وغاز، تلك الثروات التي كان من المفترض أن تمنح الجزائر (القريبة جغرافيا من أوروبا كما المغرب) قدرا أعلى من الانفتاح والإبداع الثقافي/ الفكري. ولكن كل مقارنة/ مقاربة حضارية للمسارين اليوم، لا بد وأن تكون لصالح المغرب الذي يصنع تجربته الرائدة في هذا المجال.

إذن، الركيزة الثقافية الضرورية لأية انطلاقة حضارية نجدها اليوم تتوفر في المغرب؛ كما لم تتوفر في أي بلد عربي آخر (كانت مصر في النصف الأول من القرن العشرين، في العهد الليبرالي المصري، سائرة لتتوفر على هذه الركيزة؛ ولكن...!). وهي ركيزة ثقافية خلاّقة، مبدعة، ومتطورة، وآخذة في التوسع على مستوى اجتماعي أفقي أوسع، والأهم أنها قادرة على الاستجابة لأهم التطورات الثقافية بعد تكييفها لتلائم الشرط الثقافي والحضاري للمغرب، الذي هو ـ في عمومه ـ شرط ثقافي وحضاري عربي وإسلامي، ما يعني أن ما يبدعه المغاربة في هذا المجال؛ هو إبداع لكل عربي/ مسلم معني بقلق السؤال الحضاري.

إن الموقع الجغرافي للمغرب، كما أسهم ـ إلى حد كبير ـ في تحقيق الشرط الثقافي، سيسهم في مجالات أخرى أكثر مباشرية في رسم معالم التحوّل. موقع المغرب يمكنه من أن يكون حلقة الوصل بين قارتين كبيرتين (أوروبا ـ أفريقيا)، والأهم أنهما قارّتان متمايزتان، بمعنى أن إحداهما (أفريقيا) تحتاج إلى الأخرى (أوروبا) أشد ما يكون الاحتياج؛ من غير أن يعني ذلك أن الإمكانيات الواعدة في أفريقيا، حيث المجتمعات النامية، والأراضي البكر، والثروات الطبيعية، لا تمثل حاجة أوروبية في هذا المجال أو ذاك.

عاملة في أحد معامل تجميع السيارات في المغرب
عاملة في أحد معامل تجميع السيارات في المغرب

يستطيع المغرب أن يكون "أوروبا أفريقيا" من غير أن يقع في شبكة المشاكل المستعصية لمعظم الدول الأفريقية. يستطيع المغرب تسهيل المستعصي ـ تجاريا وتواصليا، بل وثقافيا وسياسيا ـ لكثير من دول القارة التي ينتمي إليها بحكم الجغرافيا. وطبعا، يستطيع المغرب تسهيل الأمور في الاتجاه المعاكس؛ لتقريب كل ما هو أفريقي، من بشر وثمر، من طبيعة طباعة وطبيعة مصطنعة، ليكون ـ من حيث هو حلقة الوصل/ التواصل ـ المستفيد من كلا طرفي المسار.

وحيث يملك المغرب إمكانية أن يكون حلقة الوصل بين أوروبا وأفريقيا، فإنه يملك ـ وإن يكن بدرجة أقل ـ إمكانية أن يكون حلقة الوصل بين العالم العربي والأوروبي من جهة، وبين العالم العربي ودول القارة الأفريقية ـ التي لا تزال خصبة واعدة ـ من جهة أخرى. بل وإمكانية أن يكون واصلا بين كثير من دول الشرق من جهة، ودول القارتين الأميركيتين من جهة أخرى، وهو إمكان لم يستثمر بعد، خاصة وأن المغرب على خط التواصل؛ كما هو حال معظم دول أوروبا تماما. وإذا كان المغرب لم يستطع أو لن يستطيع امتلاك نصيب الأسد في هذا (لوجود دول تستطيع المنافسة هنا)، فعلى الأقل يستطيع الإسهام فيه بما يجعل منه رقما صعبا يحكم كثيرا من المعادلات الاقتصادية والسياسية التي من شأنها أن تدعم مشروعه الحضاري الواعد.

أيضا، إذا كان المغرب معروفا كبلد سياحي من الدرجة الأولى، حيث يقصده الملايين من شتى أنحاء المعمورة، فإنه ـ في تصوري ـ لم يستغل إمكانياته السياحية إلى الحد الأقصى؛ ولا حتى إلى ما هو قريب من لك. فالتنوع الجغرافي، المناخي والتضاريسي، يجعل من المغرب وجهة سياحية دائمة، على امتداد فصول السنة جميعا. فكما يوفر الجنوب المغربي فضاءات سياحية لعشاق الصحراء في الشتاء؛ يوفر الشمال فضاءات سياحية لعشاق المناخ الأوروبي في الصيف والربيع والخريف. كل هذا، فضلا عن شواطئه المتنوعة الممتدة على مسافة تتجاوز 3500 كيلومتر، من أقصى حدوده مع الجزائر شرقا، إلى أقصى حدود الصحراء المغربية في الجنوب الغربي.

من وراء كل ذلك، يبقى الاستقرار السياسي في المغرب من أهم عناصر القوة، حيث التنمية/ الاستثمار لا ينشط إلا في بيئة آمنة من القلاقل التي قد تعصف بالمشاريع الاستثمارية من أساسها. اليوم يوجد كثيرون من الشرق ومن الغرب يستثمرون في المغرب، أو يحلمون بالاستثمار فيه، ليس فقط لأنه واعد اقتصاديا، وإنما أيضا ـ وهو المهم ـ لأنه مستقر سياسيا، والأهم، أنه على طريق يشي بمزيد من الاستقرار. وبالنظر إلى جارته: الجزائر، المتوفرة على ما هو أكثر من عناصر الثراء الطبيعي، تعرف أهمية الاستقرار في جذب والاستثمار وتنميته، فلا مستثمر يجرؤ اليوم على أن يضع مستقبله الاقتصادي في الجزائر، لا لشيء؛ إلا لأن التوترات السياسية تعصف بالجزائر منذ زمن الاستقلال.

كل هذا لا يعني أن المغرب قد وصل إلى مرحلة تجاوز كثير من المشاكل/ الصعوبات، بل لا تزال هناك مشاكل كثيرة عالقة، فمثلا، لا تزال مشكلة الفقر مستفحلة، لا تزال كثير من مقومات البنية التحتية عاجزة عن الوفاء بمتطلبات المرحلة الحالية، فضلا عن المستقبلية، لا تزال بعض الأنظمة شبه الاشتراكية/ الانغلاقية حاضرة في بعض المسارات؛ رغم المسار الرأسمالي المهمين.

المغرب سيحمل ـ فيما أرى ـ هَمَّ أن تشرق حضارة العرب غربا

غير المغربي قد يرى الأمور من زوايا أخرى. قد يرى فجوات تنموية يمكن استثمارها. أحيانا، أشعر أن ثمة إمكانيات حاضرة، لم تستثمر بعد، بينما هي لا تحتاج لأكثر من قرار، أو مشاريع تمهيدية يمكن أن يُنتهى منها في بضعة أشهر؛ فتعود على المغرب بما يدعمه اقتصاديا وتنمويا. مثلا، المطارات الجهوية، وخاصة في الشمال، لا توفر رحلات مباشرة إلى أية عاصمة عربية شرقية، خاصة وأن أقرب مطار يوفر مثل هذه الرحلات هو مطار محمد الخامس الذي يبعد حوالي 400 كيلومتر. هذا يقطع الطريق على تواصل الملايين سياحيا إلى هذه المناطق التي يمكن أن يخدمها الطيران الاقتصادي (طائرات متوسطة الحجم، تتفاعل مع أكثر من نقطة تواصل)؛ فينقلها من حال إلى حال.

طبعا، المقترحات كثيرة، ولا شك أن المشاكل المصاحبة لكل حراك تطوري كثيرة أيضا، وهي قد تشغل بال المُطوّر الذي يتعامل مع معطيات الواقع بشكل مباشر؛ فضلا عن الأولويات التي تشغل بال المواطن بشكل أساسي (ولا بد من إرضائه، فهو المواطن الناخب)؛ لكونها تمس حياته على نحو مباشر وآني. لكن رغم كل ذلك، ثمة جدّية واضحة لحلها، ثمة مشاريع حقيقية لمحاصرة الفقر، ومشاريع أخرى لإنشاء بنية تحتية ينهض عليها المغرب الجديد، المغرب الذي سيحمل ـ فيما أرى ـ هَمَّ أن تشرق حضارة العرب غربا.

اقرأ للكاتب أيضا: اكتشاف المغرب

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG