رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

بعبع اسمه الحرية


أحد المساجد في شيكاغو

بقلم سناء العاجي/

أن تعيش في مجتمعاتنا، معناه أن تخاف من الحرية. معناه أن يعتبرك الجميع قاصرا مدى الحياة، يمارسون عليك الوصاية في أدق تفاصيل اختياراتك. معناه أن لا تكون أبدا ما تريده؛ بل أن تكتفي بما ينتظره منك الآخرون. ما يفرضونه عليك.

في مجتمعاتنا... يخاف معظمنا من الحريات الفردية. نخاف من حرية المعتقد ونخاف من حرية الحركة وحرية التفكير وحرية السؤال وحرية الحب وحرية الجسد.

نتصور خطأ أن القبول بوجود مثلي جنسي سيحولنا جميعا لمثليين، وأن القبول بوجود أشخاص غير مؤمنين سيقضي على التدين. لذلك، نهاجم كل شخص نراه مختلفا. نهاجمه بالسب والشتم... وأحيانا بالعنف الجسدي أيضا.

نجمع الأموال لبناء مساجد في بروكسيل ولندن وباريس، لكننا نرفض بناء كنائس جديدة في بلداننا

هل تتخيلون كم هو محزن أن تخيفنا الحرية؟

حتى ذلك الذي يناضل من أجل الحريات السياسية، قد يخاف باقي الحريات العقائدية والفكرية والفلسفية.

بدل حرية المعتقد، نفضل أن يحافظ الجميع على تدينهم، ولو شكليا. هذا يعني أننا، في النهاية، نطالب الأفراد الذين ربما استمالهم وجدانيا معتقد جديد، وأولئك الذين لم يعودوا مقتنعين بالدين الذي ينتمون إليه ثقافيا ومجتمعيا، فقرروا تركه أو تغييره بدين آخر... "نطالبهم" بأن يحافظوا، ظاهريا وعنوة، على انتمائهم لنا ولقبيلتنا! نرفض لهم حقهم في التعبير العلني عن قناعتهم الجديدة. نرفض أن يطارحونا النقاش. نرفض أن يناقشوا الأمر حتى مع أنفسهم. ولدت مسلما؟ عليك أن تبقى كذلك مدى الحياة. ولدت سنيا أو شيعيا؟ كذلك ستموت... وإلا، فسنقتلك بناء على حكم المرتد.

والنتيجة؟ أننا نصنع مجتمعات لا يؤمن فيها الأفراد عن قناعة، بل بالوراثة. وكأننا نخاف من الأسئلة ونخاف من الاختلاف ونخاف من الحرية... وفي النهاية، نخاف من الإيمان الحقيقي، لأننا نركز على الإيمان الشكلي والإيمان المجتمعي، أكثر من تركيزنا على قناعات الأفراد الحقيقية.

لكن، في نفس الوقت، فخوفنا أحادي الجانب. لأننا نقبل أن يتحول المسيحي عن دينه ويختار الإسلام؛ لكننا نرفض العكس رفضا باتا وعنيفا. تهمة "ازدراء الأديان" في مصر وتهمة "زعزعة عقيدة مسلم" في المغرب وما شابههما، لا تنطبق إلا على المسلمين. أما أن نزعزع عقيدة مسيحي لكي يسلم، أو أن نسخر من اليهود والنصارى والبوذيين، ونشبههم بالخنازير والقردة وغيرها من أصناف الحيوانات، فليس في ذلك ازدراء للأديان!

نجمع الأموال لبناء مساجد في بروكسيل ولندن وباريس، لكننا نرفض بناء كنائس جديدة في بلداننا (لا نتحدث هنا عن الكنائس الموجودة منذ زمن، بل عن بناء كنائس جديدة، تماما كما نبني مساجد جديدة).

القناعات الدينية لا تكتسي قيمتها الفعلية إلا إذا كانت نابعة عن حرية حقيقية وقناعة تامة

اليوم مثلا في المغرب، تعرف أعداد المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء تزايدا مستمرا. الدولة المغربية تقوم بمبادرات إيجابية لتسوية وضعيتهم القانونية. لكن سؤال المعتقد لا يطرح بتاتا، لا من لدن الدولة ولا من طرف المواطنين: عدد من هؤلاء المهاجرين يدينون بالمسيحية؛ ومن المؤكد أن الكنائس المتوفرة في المغرب لم تعد كافية لهم. فهل يطالب المسلم المغربي في مختلف العواصم الأوروبية والأميركية ببناء مساجد يمارس فيها شعائره، ويرفض للمهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء نفس الحق في بلده؟ أينزعج المسلم في بعض العواصم الأوروبية من قرارات بعض تلك الدول بمنع استعمال مكبرات الصوت مثلا أو بمنع بناء صوامع عالية (علما أن أي بلد أوروبي لم يمنع يوما بناء المساجد)، ويرفض بناء أماكن تعبد لمهاجر في أرضه لا يدين بدين الأغلبية؟ أيطبل المسلم في مختلف بقاع العالم لإعلان مسيحي إسلامه، ويرفض قبول تحول بعض المسلمين للمسيحية أو حتى اختيار الإلحاد؟

علينا ربما أن نطالع أوجهنا في مرايا التحولات المجتمعية، حتى ندرك كم نحن متعصبون لثقافتنا. كي ندرك أننا لسنا مركز العالم. كي ندرك أن ثقافتنا الموروثة تعلمنا أن ديننا هو الأصح، لكن المسيحي واليهودي والبوذي والملحد لديهم نفس الثقة الكبيرة في معتقدهم وقناعاتهم، وإلا لكانوا قد تخلوا عنها...

علينا أن نعي أيضا بهذا الأمر البسيط: القناعات الدينية لا تكتسب قيمتها الفعلية إلا إذا كانت نابعة عن حرية حقيقية وقناعة تامة. متى ما فرضناها بالإكراه، فهي تخلق لدينا طابع الإجماع، بينما هو ليس إلا إجماع شكلي يولد لدينا كل التناقضات الحالية التي يعرفها مجتمعنا... كل أشكال العنف والخلل التي نعيشها ونشتكي منها؛ لكننا نتغنى دائما بأننا نملك الدين الأصح والثقافة الأصح والأخلاق الأسمى!

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG