رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

حول الدعوة إلى تعليق العقوبات الجسدية في الإسلام (1)


جلد امرأة أمام الناس في إندونسيا بتهمة إمضاء بعض الوقت بالقرب من رجل ليس زوجها

بابكر فيصل/

في العام 2005 أطلق المفكر الإسلامي السويسري من أصل مصري، طارق رمضان، نداء دوليا يدعو فيه لتعليق تطبيق العقوبات الجسدية في الإسلام والمعروفة باسم الحدود الشرعية، قائلا إن نساء ورجالا تُطبَّق عليهم هذه العقوبات دون أن يكون عليها إجماع بين المسلمين.

رمضان، وهو حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، استند في دعوته لتعليق الحدود الشرعية على حقيقة أن هناك خلافات متعددة وعميقة ومتكررة بين التيارات الفكرية في العالم الإسلامي حول تطبيقها، فالأقلية التي تطالب بالتطبيق الفوري والحرفي تعتبر أن ذلك شرطا ضروريا حتى يصبح المجتمع إسلاميا، بينما توجد تيارات أخرى ترى أن التطبيق أمر مشروط بحالة المجتمع الذي يجب أن يكون عادلا في المقام الأول مما يتطلب إعطاء الأولوية لإقامة العدل الاجتماعي، وأخيرا هناك فئة تعتبر أن النصوص الخاصة بالحدود متجاوزة وأن هذه المرجعيات لم يعد لها مكان في المجتمعات المسلمة المعاصرة.

قال رمضان إن أغلب العلماء يقرون بأن الشروط المطلوب توفَرها من أجل تطبيق الحدود "هي تقريبا مستحيلة التجميع [خصوصا فيما يتعلق بالرجم]، وبالتالي فهي تكاد تكون غير قابلة للتطبيق أبدا"، مبينا أن للحدود خصوصا نزعة ردعية هدفها هو التحسيس بخطورة الأفعال الموجبة لمثل تلك العقوبات في أذهان المؤمنين.

من بين الذين رفضوا النداء واعتبروه فتحا للباب المؤدي لتفتيت وتفكيك الأمة الإسلامية، الدكتور طه جابر العلواني

كذلك أكد صاحب النداء أن النظرة العميقة توضح أنه يوجد سببان يدفعان الفئة الأولى للدعوة للتطبيق الفوري للحدود، أولهما أن ذلك التطبيق يجعل المرجعية الإسلامية مرئية قانونيا واجتماعيا، ويعطي الانطباع بالإخلاص للأمر القرآني، وثانيهما أن انتقادات الغرب للعقوبات الجسدية تعطي البعض شعورا بالخصوصية التي تؤكد المرجعية الأخلاقية الإسلامية في مقابل الاندحار السلوكي الغربي.

ولكن رمضان ينتقد هذين السببين بشدة ويصفهما بالشكلانية، قائلا "هذه الأفكار الشكلانية والتقابلية خطيرة جدا، لأنها تسعى إلى أن تضفي صفة إسلامية على تشريع ليس من أجل ما يدعو إليه، وليس لأنه يحمي ويطبق العدل، ولكن لأنه يعاقب بقسوة، وظاهريا لأن هناك بعض السلوكيات المناقضة والمعارضة لقوانين الغرب التي تعتبر جد متساهلة أخلاقيا".

حاجج رمضان أن الحدود في الوقت الراهن لا تُطبَّق إلا على النساء والفقراء، ليصبحوا بذلك ضحايا مزدوجين، ولا تُطبَّق أبدا على الأغنياء، أو على الحاكمين والطغاة، محملا المسؤولية في ذلك للمسلمين في العالم أجمع ومطالبا بالتعليق الفوري للعقوبات الجسدية في جميع الدول ذات الأغلبية المسلمة.

في تفنيده للأسباب التي يستند عليها المطالبون بالتطبيق الفوري للحدود طرح رمضان عددا من الأسئلة من بينها التالي: ما هي، بالتحديد في المصادر النصية المقدسة للإسلام، فيما يسميه المتخصصون بـ "الحدود"، النصوص [وما درجة صحة كل منها] التي تحيل على العقوبة الجسدية، على الرجم وعلى حكم الإعدام؟ ما هي الهوامش الممكنة في التأويل، وفي أي مجال كانت نقط الاختلاف عبر تاريخ التشريع الإسلامي إلى غاية الحقبة الزمنية المعاصرة؟

ما هي الشروط الموضوعة لكل حكم في النصوص الشرعية نفسها وفي إجماع العلماء أو من طرف علماء منفردين عبر تاريخ الفقه والتشريع الإسلامي؟ ما هي الاختلافات التي كانت مرتبطة بهذه الشروط، وما هي أنواع "ظروف التخفيف" التي سبق أن تم إقرارها من طرف هذه المرجعية الدينية أو تلك عبر التاريخ وفي مختلف المذاهب الفقهية؟

لقد اعتبر العلماء دائما الواقع الملائم شرطا لتطبيق الحدود، نظرا لأهميته البالغة التي تقتضي معالجة خاصة. في أي سياق إذن يمكن التفكير اليوم في تطبيق الحدود؟ ما هي الشروط الواجب توفرها في ما يخص النظام السياسي وتطبيق التشريعات العامة: حرية التعبير، المساواة أمام القانون، تعميم التعليم، حالات الفقر والعزلة الاجتماعية، إلخ؟ ما هي في هذا المجال نقط الخلاف بين المذاهب الفقهية وبين العلماء، وعلى ماذا تقوم هذه الاختلافات؟

لم يجد النداء أو التساؤلات التي أثارها رمضان حظها من النقاش والانتشار الواسع في الأوساط الفكرية والثقافية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، حيث تصدى للرد عليه فئة من المنتمين للتيار الذي يطالب بالتطبيق الفوري للحدود وبعض الذين ينادون بضرورة توفر الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتطبيقها.

من بين الذين رفضوا النداء واعتبروه فتحا للباب المؤدي لتفتيت وتفكيك الأمة الإسلامية، الدكتور طه جابر العلواني، الذي نعى على رمضان بداية نشر النداء لكافة المسلمين قائلا إنه كان الأحرى به أن "يرد هذا الأمر إلى أولي الأمر وهم الفقهاء والعلماء والمجامع الفقهية بدلا من أن يحوله إلى مادة إعلامية لشغل المسلمين".

العقوبات البدنية تُطبَّق يشكل منتظم في دول مثل السعودية والسودان

واعتبر العلواني أن الأمة الإسلامية تواجه عملية تخريب ومحاولة فك ارتباط بينها وبين ما يتعلق بدينها، وأن "عرض مشروع لتعطيل الحدود اليوم هو محاولة لفتح الباب وكسر الحواجز بين الليبرالية والإنسان المسلم بهدف إخراج العقيدة والشريعة من رأسه".

قال العلواني إن "شريعتنا الإسلامية مستهدفة، لأن خصومنا يعرفون أن الشريعة هي المانع والعائق في وجه عمليات التفكيك والتخريب التي يستهدفونها، فليس من المقبول ولا المستساغ أن يأتي من أبناء الأمة اليوم من يطلق دعاوى تساهم في تفكيك الأمة". وأشار إلى "أننا نعيش في واقع لا يطبق فيه الشريعة ـ تقريبا ـ في أي مكان من الأرض، وحتى تلك الدول أو الحكومات المحدودة التي تعلن أنها تطبق وتتبنى الشريعة قانونا لها لا تطبق شيئا من هذه العقوبات ولا تنفذه".

نحن هنا بإزاء شخص يريد أن يختصر الموضوع في نظرية المؤامرة التي تستهدف تحطيم الأمة الإسلامية، وهو يتحاشى الإجابة على الاسئلة التي طرحها رمضان حول العقوبات الجسدية، وفي ذات الوقت يُنكر أن الحكومات والدول التي تتبنى الشريعة قانونا لها تُطبِّق الحدود فعليا، وهو ادعاء يكذبه الواقع ذلك لأن العقوبات البدنية تُطبَّق يشكل منتظم في دول مثل السعودية والسودان.

اقرأ للكاتب أيضا: الحرية لا تتجزأ: في نقد مواقف اتحاد علماء المسلمين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG