رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

حول "مسرحية" الحادي عشر من سبتمبر


تضع ورودا تكريما لضحايا هجمات 11 سبتمبر

حسن منيمنة/

شهد الأسبوع الماضي إحياء الذكرى الـ 18 الحادي عشر من سبتمبر، فأقيمت في مواقع سقوط الطائرات مراسم الإجلال لآلاف الضحايا، من ركاب الطائرات التي جعل منها الخاطفون قذائف قاتلة، ومن العاملين والزوار في المباني التي استهدفوها، كما من المنقذين الذين استشهد العديد منهم خلال تأديته لواجبه الإنساني، وما زال العديد غيرهم يعاني من تداعيات ما تعرّض له.

لا خلاف بين المعتدي والمعتدى عليه بشأن الفعل، وإن تباين الحكم بشأنه بينهما. الجهة المعتدية، بشهادتها وتأكيداتها المتكررة وتسجيلات الفتية الذين أرسلتهم لارتكاب الجريمة، هي "القاعدة". وفي حين أن الزعيم المؤسس للتنظيم قد قُتل، فإن هذا التنظيم بعينه وبمشتقاته لا يزال ناشطا بين كر وفر، وإن على حساب الموت والدمار في البلاد التي يدّعي نصرتها.

وإذ ترى الغالبية العظمى في أرجاء العالم، في الهجوم اعتداء سافر على مواطنين آمنين في عقر ديارهم يهدف إلى قتلهم وإلحاق الأذى بهم عن سابق تصور وتصميم ومن غير وجه حق، فإن العقائديين والاعتذاريين الموالين لتنظيم "القاعدة" يدرجون الفعل القاتل في إطار حرب واهمة مع الغرب الكافر.

ثمة شرائح عند الهامش الثقافي في الولايات المتحدة تمتهن الريبة من الوقائع وتلتمس الشبهات مهما كانت واهية للخروج بنظريات غريبة مخالفة للمتعارف عليه. وفي حين أن جهود هذه الفئة قد تتضمن بعض التفاصيل المهملة أو التي تحتاج إلى المزيد من التقصي الموضوعي، فإن مجمل نتاجها أقرب إلى الشطح الذي يستقطب، وإن من باب الترفيه، أوساط مهيأة للتوّ للشك بالروايات "الرسمية". فمن إنكار الهبوط على القمر إلى الكشف عن مسعى خفي للجمعيات السرية، بما في ذلك طبعا دور شرير لليهود، للسيطرة على العالم، قدّمت هذه الشرائح لجمهور توّاق إلى الإثارة نظريات تخلط ما يشابه العلم بمطلق الخرافة. وضمن هذه الجهود برز السياق الذي أراد أن يرى في اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر مؤامرة داخلية أقدمت عليها إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش لتبرير مشروع توسعي عالمي.

الإنكار الأهوائي للحقائق بشأن العدوان هو عبث وترفيه بالنسبة لبعض المراهقين سنا أو سلوكا

لا يزال البعض في الولايات المتحدة على قناعة بهذه القراءة المزاجية، كما لا يزال ثمّة من يعتزم، يوم الجمعة المقبل، اقتحام القاعدة الجوية "المنطقة 51" في ولاية نيڤادا للكشف عن جثامين المخلوقات الفضائية التي على ما يبدو تحتفظ بها السلطات منذ أن سقطت مركبتهم القادمة من أقاصي المجرّة، إذ استفادت من تقنيانتها للذهاب إلى القمر. ولكن مهلا، أليس الهبوط على القمر مسرحية أخرى؟ لا بأس بالتناقض، إذ لا جدية لكل هذا.

إلا في الإطار العربي على ما يبدو.

المتتبع لمواقع التواصل الاجتماعي العربية (بما في ذلك التعليقات في موقع "الحرة" وحساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي) يجد أكثرية واضحة من الذين يجاهرون بقناعتهم أن مرتكب الجريمة في اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر كان حكومة الولايات المتحدة نفسها، وأن الأمر لا يتعدى أن يكون مسرحية من إخراج مخيلة هوليوودية، وكل من تسوّل له نفسه أن يرى خلاف ذلك إما ساذج سخيف أو كاذب منافق، فقد كشف عن المستور، وفق قول البعض دون تبيان أين وكيف وماذا، وبان ما بان واطمأن الفطناء إلى ما كان أفاده لهم حدسهم ابتداء.

يمكن بالطبع تفنيد كل ما حصده المتمسكون بهذه القناعات من معطيات جزئية وتفاصيل هامشية وقرائن واهية لتبديد المزاعم التي تتمسك بأي قول شاذ حول أي حدث ملتبس للتعامي عن الحقائق الجلية، ولكن لا جدوى من ذلك، فالمنطق الأهوائي محصّن، والبحث فيه ليس عن التفسير الأقرب للواقع والمتوقع، بل عن التوصيف الذي من شأنه تأكيد القناعة الابتدائية. أين حطام طائرة البنتاغون؟ لماذا سقط البرجان عموديا، لماذا انهار البرج الثالث؟، ماذا عن الإسرائيليين الذين اتخذوا موقعا في الضفة المقابلة للبرجين قبل الحادثة لتصوير وقوعها؟

الإجابات المنطقية والواقعية والبعيدة عن النظريات الاعتباطية متوفرة، ومن شاء إيجادها بوسعه أن يفعل دون عناء. على أن الأسئلة التي على من يعتنق هذه القناعات الأهوائية أن يجيب عليها هي غير هذه. وهي عديدة، غير أن ثلاثة منها قد تكون كافية.

السؤال الأول: من هي الجهة الحكومية المفترضة التي اقترفت هذه الجريمة؟ هل هي إدارة الرئيس بوش؟ ولماذا تستّر عليها الرئيس السابق باراك أوباما بعد أن خلَف بوش، وهو وحزبه الخصم اللدود للتوجهات السياسية السابقة؟ بل كيف يثابر الرئيس الحالي دونالد ترامب على إخفاء هذه الحقائق المفترضة المثيرة، وهو كاشف الأسرار جميعها، غثّها وسمينه، صادقها وكاذبها؟ أم هل الجهة المسؤولة "عميقة" مؤلفة من المخابرات والأجهزة الأمنية وغيرها من الكيانات السرية والتي يبدو العلم بدقائقها ممتنعا عمّن خبر طبيعة الدولة والمجتمع في الولايات المتحدة ليدرك استحالة الأمر، ومقتصرا على الفطناء المقيمين ببيروت والجزائر وغيرها من حواضر الاطلاع على تفاصيل الأحوال الأميركية؟

السؤال الثاني: لماذا ارتكبت هذه الجهة الحكومية، الضحلة أو العميقة المفترضة، جريمتها؟ هل هو لتبرير حروبها المرتقبة في أفغانستان والعراق وغيرها؟ تبرير الأمر لمن؟ لفطناء بيروت والجزائر؟ لماذا تحتاج القوة العظمى المطلقة في العالم تضليل من لا حول لهم ولا قوة للشروع بما تريده كما تريده؟ يوم أراد الرئيس الأسبق ليندون جونسون خديعة الجمهور لغرض تصعيد الحرب في فييتنام، وجه البحرية لتوريط كاذب لهانوي في ضربة تستهدف باخرة حربية أميركية. لم تكن تلك الخدعة الوحيدة في زمن الحرب الباردة، والسلطة التشريعية في الولايات المتحدة قد اجتهدت في سبعينيات القرن الماضي لسد المنافذ أمام تكرار هذه الأفعال. ولكن، حتى إذا كانت جهات نافذة في واشنطن عاقدة العزم على مطلق الخداع، ما الذي يدعوها إلى هذا الدمار والخراب في حين كان بالإمكان الاكتفاء بالكشف الكاذب عن عمل إرهابي متواضع "فاشل" لإعلان الغضب والشروع بالحرب؟

السؤال الثالث: لماذا تخلّت هذه الجهات النافذة عن مسعاها في منتصف الطريق؟ الرئيس الحالي للولايات المتحدة تساءل لماذا لم تستولِ بلاده على نفط العراق. وفق منطق من يزعم أن العدوان وما تبعه هو من الخداع، هذا السؤال الشاطح يستقيم، غير أن الإجابة عليه تبقى غائبة. بل كيف يعقل أن هذه الجهات المتآمرة، والتي زرعت أعداد المتفجرات في الأبراج وقتلت من مواطنيها الآلاف لإقناع فطناء بيروت والجزائر بوجوب حربها على العراق، لم تلحظ وضع أنبوب واحد يحوي بعض المواد السامة في أحد المختبرات النائية في مكان ما في العراق، كي تصدق مزاعمها بأن هجومها على نظام صدام حسين كان له ما يبرره، بل جاء تقريرها بعد التقصي محرجا لها بأن هذا النظام القاتل بريء في هذه الجزئية؟ وكيف يعقل أن باراك أوباما، لضلوعه في المؤامرة تفسيرا لصمته عنها، تخلّى فعليا لإيران والصين والدول الأوروبية وغيرها عن إمكانية الهيمنة على العراق وخيراته وثرواته؟

للمعاندين في الفضاء العربي إجابات حاضرة على كل هذه الأسئلة، وإن كان ذلك عبر الانتقال من الشك الحسن والوهم الضعيف إلى الخيال الموضوع. ولكن المسألة ليست مجرد سجال نظري في سياق بعيد عن مادته. أي أن هذه المواقف العربية لا تُخفى عن المتابع لشؤون المنطقة، على ندرتهم، من أصحاب الرأي والقرار في الولايات المتحدة.

انتشار الإنكار في المحيط العربي فمضاعفة للأذى للمجتمعات في هذا المحيط

إنكار حقيقة اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، من وجهة نظر أميركية، مماثل لإنكار في الأوساط الأميركية أن لبنان، بجنوبه وبقاعه الغربي، كان تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأن أهله قاوموا الاحتلال وأخرجوه، والاستعاضة عن ذلك بمقولة أن إسرائيل دخلت لتحرير الجنوب وإعماره وخرجت يوم شاءت لينقلب عليها من أحسنت إليهم، أو أن الجزائر لم تدفع ضريبة الدم الغالية لنيل استقلالها، بل أن الاستقلال جاء منحة من قوة الخير فرنسا، والكلام عن شهداء وحرب تحرير مسرحية تهدف إلى الاستغلال.

فكما أن هذه الأقوال تستحق الاستهجان والاستياء، فإن الإصرار الأهوائي على إنكار الألم والأذى في الولايات المتحدة، أو إلصاق مسؤوليته بحكومتها، أو الانتقال إلى خط الدفاع الثاني، الواهي كذلك، والقائل بأن "القاعدة" منتج أميركي وسحر ارتد على الساحر، أو الإمعان بـ "ماذا عن ..." هذا وذاك لتشتيت حق المجتمع الأميركي بتقدير مأساته، يضاعف من التنافر القائم للتو بين الأوساط الأميركية ونظيراتها في المحيط العربي.

الإنكار الأهوائي للحقائق بشأن العدوان هو عبث وترفيه بالنسبة لبعض المراهقين سنا أو سلوكا في الولايات المتحدة. أما انتشار هذا الإنكار في المحيط العربي فمضاعفة للأذى للمجتمعات في هذا المحيط، سواء في تشتيت جهودها الفكرية نحو قراءات عقيمة، أو في تفويت الفرص لتواصل صادق متعاطف مع المجتمع والثقافة في الولايات المتحدة. عسى أن يشهد العام المقبل تبديلا باتجاه الأفضل.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG