رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

حين تنقلب الآية


"زوجته مازالت أمام التلفزيون. نادته لتطلب منه شايا. صرخ في وجهها بعصبية وأمرها أن تحضر شايها بنفسها"

سناء العاجي/

يعود الزوج من عمله في حدود الساعة السابعة مساء. يبدأ بتحضير العشاء. بالتزامن، يغسل أواني الفطور التي ظلت متراكمة منذ الصباح. هناك عامل نظافة يساعد الأسرة، لكنه يأتي مرتين بالأسبوع فقط. خلال باقي الأيام، يكون على الزوج التكفل بل التفاصيل.

الأطفال يراجعون دروسهم، لكنهم يحتاجون لمراقبة الأب لكيلا ينشغلوا بهواتفهم أو بالتلفزيون. بين الفينة والأخرى، يتعاركون، فَيَصِل صراخهم للمطبخ. يترك الأب ما كان يقوم بهم ويتوجه نحوهم ليهدئهم أو ليصرخ في وجوههم، حسب مستوى تعبه وقدرته على التحمل.

في حدود التاسعة، وصلت الزوجة. لقد تعودت منذ سنوات أن تذهب لمقهى قريب بعد العمل، حتى تقابل صديقاتها هناك وترتاح من توتر العمل. تناولت الأسرة العشاء، ثم تمددت الزوجة أمام التلفزيون تطالع الأخبار. ساعد الزوج الأطفال على غسل أسنانهم ثم ذهب بهم للنوم. كم هي متعبة هذه العملية! الأطفال يرفضون النوم وعليه كل ليلة أن يبذل قصارى جهده لكي يستسلموا له.

بعد دقائق، أحضر الزوج صينية الشاي رغم صراخه السابق

بعد ذلك، عاد الزوج للمطبخ لإتمام باقي ما ينتظره لهذه الليلة. مباشرة بعد عودته من العمل، وحتى قبل أن يدخل المطبخ، كان قد شغل آلة التصبين (الغسالة). انتهت الآن دورتها وعليه أن يقوم بنشر الملابس النظيفة. هكذا، حين سيأتي عامل التنظيف بعد غد، ستكون الملابس قد جفت فيكوي منها ما يحتاج للكي ويقوم بطي الباقي وترتيبه.

قام بعد ذلك بغسل أواني العشاء وإعادة ترتيب المطبخ.

زوجته مازالت أمام التلفزيون. نادته لتطلب منه شايا. صرخ في وجهها بعصبية وأمرها أن تحضر شايها بنفسها. عَلَت وجه الزوجة علامات التذمر والشكوى الصامتة من الأزواج العصبيين على أتفه الأسباب.

بعد دقائق، أحضر الزوج صينية الشاي رغم صراخه السابق. هو يعتبر أن الاعتناء بزوجته من واجباته. وهي كذلك تؤمن بنفس الشيء. وإلا، فلم تزوجت؟ وهل، بعد زواجها، ستدخل المطبخ من أجل كأس شاي بسيطة؟

وضع الزوج الصينية أمام زوجته وذهب للنوم. ربع ساعة بعد أن تمدد على السرير، أتت الزوجة لتأخذ مكانها إلى جانبه وبدأت في مداعبة بعض أعضاء جسده معلنة بذلك عن رغبتها في ممارسة "حقها الشرعي". سلم الزوج نفسه بدون رغبة كبيرة في الجنس. إنه، بعد يومه الطويل في العمل والبيت، لا يقوى حتى على النقاش. لماذا تعتبر بعض الزوجات الجنس عملية ميكانيكية، بينما يفترض أن يكون هناك استعداد نفسي وجسدي للقاء الجنسي؟

كانت زوجته تمارس معه (عليه؟) الجنس وهو يفكر في كل الأمور التي عليه القيام بها. مديره في العمل يمارس عليه ضغوطات كثيرة. البارحة، تأخر كثيرا بسبب إضراب الحافلات، لكن مديره لم يتفهم أيا من الأعذار التي قدمها. اعتبره مهملا وانتهى الأمر.

كان يفكر أيضا في آلة التصبين التي بدأت تتقادم. لو تعطلت، سيكون من الصعب شراء آلة جديدة. لقد خرجوا للتو من فترة طويلة من المصاريف المنهكة. رمضان ومصاريفه. ملابس عيد الفطر. العطلة. خروف عيد الأضحى. الدخول المدرسي. ومن المؤكد أن زوجته لن تعتبر الأمر أولوية بما أنها لا تعرف فعليا المكسب الذي تشكله هذه الآلة. "أصبحتم كسلاء تحتاجون لآلات في كل شيء. للتصبين وتنظيف الأرضية وللعجين. في زمن آبائنا، كان الرجال يقومون بكل شيء بأنفسهم. اليوم، أصبحتم جد مدللين وتريدون آلة لكل شيء".

ليت الآلة لا تتعطل! على الأقل ليس قبل شهرين أو ثلاثة، حتى يتسنى له ولزوجته أن يستقرا بوضعيتهما المادية.

انتهت الزوجة من علاقتها الجنسية شبه الفردية. دخلت الحمام. سيدخله بعدها ثم يحاول أن ينام. أحيانا، يصاب بالأرق بسبب شدة التعب. بقدر ما يكون بحاجة للنوم والراحة، بقدر ما يستعصي عليه النوم.

صباح الغد، استيقظ في حدود السادسة والنصف. حضر ملابس الأطفال وبدأ بتحضير الفطور. أيقظ الأطفال وبدأ يساعدهم في تفاصيل الصباح من إفطار وارتداء ملابس وإعداد الحقائب المتأخرة.

الأطفال يرفضون النوم وعليه كل ليلة أن يبذل قصارى جهده لكي يستسلموا له

استيقظت الزوجة في حدود السابعة والنصف، أخذت حماما وتناولت فطورها قبل أن تعود للحمام لإكمال ماكياجها. أخذت مفاتيح السيارة وخرجت حتى دون أن تفكر في إرجاع أواني الفطور للمطبخ.

هي تأخذ السيارة دائما رغم أن عملها أقرب من عمل زوجها. تتحجج بأنها تلبس أحذية بكعب عال؛ بينما يأخذ زوجها الحافلات أو سيارات الأجرة العمومية التي تقل أكثر من راكب. يشتم عرق الآخرين ويتحمل تحرش بعضهن.

أخذ من على الباب الخارجي للثلاجة لائحة المشتريات التي سيكون عليها اقتناؤها وهو عائد من العمل. ارتدى ملابسه على عجل وخرج حتى دون أن يحلق ذقنه. لم يتبق أمامه كثير من الوقت. مديره في العمل سيستغل الأمر ليتهمه بالإهمال.

خرج بسرعة وهو يتمنى ألا تتأخر الحافلة. يوم طويل مازال ينتظره...

اقرأ للكاتبة أيضا: الحجاب أو الهجاء

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG