رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

خروج المنتخبات العربية من المونديال: أزمة أبعد من روسيا


مشجعون تونسيون

بقلم جويس كرم/

في خضم الخسارات العربية المتلاحقة في كأس العالم 2018، أعاد مغردون، ومن باب المزاح، تعريف معنى "فيفا" واعتبروها اختصارا باللاتينية لعبارة "كرة القدم ليس للعرب" (Football Is not For Arabs). وبين المزاح والجد، فضح مونديال روسيا مشاكل المنتخبات العربية والشرق أوسطية عموما، والتي صاحبت هذه الفرق لعقود وتفترض اليوم مراجعة شاملة لإصلاحها.

تونس، المغرب، مصر، السعودية خرجت الدول من الدور الأول لكأس العالم، وفيما لا يمكن التعميم حول الأداء أو مشاكل المنتخبات، هناك أزمة حاضرة منعت المنتخبات العربية منذ 1978 من الوصول إلى مرحلة ربع النهائي في أي مونديال دولي رغم المشاركات المتتالية. من دون شك، كانت هناك لحظات ساحرة لبعض اللاعبين في روسيا وجهود متميزة وصحوات متأخرة، إنما الخروج الجماعي مرة أخرى للفرق العربية من كأس العالم لم يكن بسبب "الحظ المتعثر" بل يعود لمشاكل بنيوية وسياسية واقتصادية وحتى اجتماعية تواجه لعبة كرة القدم في عالمنا العربي.

خروج المنتخبات العربية من المونديال فيه خيبة أمل لشعوب المنطقة وللاعبين ميزوا أنفسهم على الساحة الدولية

على الصعيد البنيوي، ليس هناك أندية مستقلة أو استثمار حقيقي في كرة القدم. ففي دول أوروبية وفي أميركا اللاتينية يجري تحديد المواهب عن عمر صغير، ويتم صقلها قبل الانتقال إلى أندية المحترفين. أما في الدول العربية، فليس هناك نظام أو استراتيجية مدروسة، وفي بعض الحالات يتم وضع إعلانات في الصحف بحثا عن هواة لإنشاء فريق محلي. هنا يبرز غياب التفكير والعمل الاستثماري والمؤسساتي في كرة القدم، وعدم تشجيعها كرياضة شبابية وعدم البناء على مواهب صغيرة وتنميتها لتصل النجومية لاحقا.

هذا الغياب البنيوي مرده أسباب سياسية واقتصادية يختلف عمقها بين دولة عربية وأخرى. إنما التدخل المستمر من الطبقة السياسية في الميدان الرياضي سواء كان كرة القدم أو كرة السلة أفسد اللعبة وجعلها رهينة للتفتت السياسي وأحيانا الفئوي والمذهبي في بعض الدول. فليس سرا التمييز ضد الأقباط في كرة القدم المصرية، والفئوية في لبنان، وليس سرا المعارك السياسية المفتوحة بين الفضائيات لنقل المباريات أو محاولة الحكام التأثير بالأندية ونزع أي نوع من الاستقلالية عنها.

المشكلة الأخرى في كرة القدم العربية هي محاولة استنساخ التجربة الأجنبية عبر استحضار مدرب أجنبي

فالمشكلة ليست مشكلة مناخ أو بنية جسدية أو بيولوجية لدى الشباب العربي. وها هو محمد صلاح، بعد زين الدين زيدان وكريم بنزيمة ونبيل فكير وغيرهم الكثير، يحقق نجاحات كبيرة في النادي الإنكليزي فيما يجري التعامل معه في المنتخب المصري وكأنه مادة ترويجية. وجاء لقاء صلاح في غروزني مع الرئيس الشيشاني وأحد أمراء الحرب سابقا رمضان قديروف، ليعكس مستوى الانحطاط السياسي لمن نظم هذا اللقاء. فهل كان تجرأ قديروف على سحب صلاح من فندقه لو هو مع المنتخب الإنكليزي؟ قطعا لا. لذلك، لم يكن بالمفاجئ حديث "سي. أن. أن" وشبكات رياضية عالمية عن إمكانية اعتزال صلاح اللعب الدولي، قبل أن ينفي المنتخب المصري هذه التسريبات لاحقا.

المشكلة الأخرى في كرة القدم العربية هي محاولة استنساخ التجربة الأجنبية عبر استحضار مدرب أجنبي، وفي بعض الأحيان لاعبين أجانب وإعطائهم جنسية البلد المضيف. ويظن البعض أن دفع المبالغ الكبيرة للمدرب أو اللاعب الأجنبي هو مفتاح النجاح، من دون إدراك أنه من دون تحسين القدرة البنيوية لكرة القدم، لن يحقق أي اسم أجنبي المعجزات. وهذا يعزز فكرة العالم العربي كمنطقة استهلاكية وغير انتاجية، وهو نموذج فاشل في كرة القدم. فالمدرب المحلي يعرف قدرة اللاعب وطريقة التواصل معه وسيكون دائما أكثر اندفاعا في المنتخب الوطني بشكل لن يفهمه المدرب الأجنبي.

خروج المنتخبات العربية من مونديال روسيا فيه خيبة أمل لشعوب المنطقة وللاعبين ميزوا أنفسهم على الساحة الدولية. إنما لتغيير هذا النمط المتكرر من الانتكاسات كل أربع سنوات في العالم العربي، يجب القيام بمصارحة حقيقية حول الواقع المأساوي للأندية والتشابك النتن بين السياسة والكرة. من دون ذلك، خيباتنا ستتكرر، ونجاحاتنا ستقتصر على أهداف محمد صلاح وغيره في ملاعب أجنبية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG