رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

"ملحد ماسوني شيعي مسيحي مثلي.."


صورة تظهر شعارات تطبيقات بعض وسائل التواصل الاجتماعي من بينها فيسبوك وإنستغرام

سناء العاجي/

ولأننا لا نتقبل الانتقاد، فنحن نرى المؤامرة في كل حرف وكل أبجدية!

اعتماد التعليقات على المواقع الاجتماعية لتحليل هذه الظاهرة أو غيرها، ليس بالأمر الأكاديمي. لكن تلك التعليقات تعطينا، مع ذلك، تصورا عاما لعقليات نحاول فهمها.

على سبيل المثال، أتابع منذ مدة بعض الصفحات على موقع فيسبوك. أغلب تلك الصفحات مرتبط بمجلات إلكترونية أو بتيارات فكرية معينة تنشر مواضيع قد يعجبنا بعضها وقد لا يعجبنا البعض الآخر. هذا ليس مهما. فمن حقنا جميعنا أن ننتقد جزء من المحتوى الذي يقدمه منبر إعلامي أو شخص معين.

العجيب هنا أننا أمام أصناف تخوينية من التعليقات، يتناقض بعضها مع البعض حسب قناعات وانتماءات قراء كل محتوى على حدة.

هكذا، يتم اتهام نفس الصفحات بأنها ممولة من الإمارات ومن السعودية تارة ومن إيران تارة أخرى ومن تركيا تارة ثالثة ومن الغرب الكافر تارة رابعة ومن دعاة الإلحاد وأعداء الإسلام تارات أخرى، وبأنها عروبية قومجية تارات أخرى؛ بل وحتى بكونها تابعة "للمتطرفين الإسلاميين الإرهابيين" حين يتطرق محتواها بالنقد لبعض جوانب المسيحية.

نحتاج أيضا لأن نقتنع بأن ما نعتبره مقدسا هو ليس بنفس القداسة عند غيرنا

كيف يكون نفس الفاعل (صحفي أو موقع أو صفحة أو مفكر) عروبيا متطرفا مثليا سنيا شيعيا ملحدا علمانيا عدوا للإسلام مسيحيا متنصرا فاسدا في نفس الوقت؟ كيف يكون نفس التيار حاملا لكل هذه المتناقضات من النعوت؟

هذا ممكن حين يكون عدد من القراء غير قابلين للنقد. بمجرد ما يقرأ بعضهم انتقادا للقومية أو الأيديولوجية أو الدين أو الوطن أو التيار السياسي أو الفكري الذي ينتمي له، حتى يعتبره صاحب الانتقاد عميلا يتوصل بتمويلات ضخمة لهدم وانتقاد المنظومة التي ينتمي إليها.

أولا، حين يكون الفرد مقتنعا بانتمائه (الديني، الأيديولوجي، الفكري، السياسي، إلخ)، فيفترض أن لا يزعجه الانتقاد. لماذا يعتبر كثيرون مثلا أن أي انتقاد للتاريخ الإسلامي، هو محاولة لهدم الدين ("ولن تنجحوا في ذلك"، يقول المعلقون).

ما دمت تعتبر دينك قويا، فيمَ يزعجك الانتقاد ولماذا يغضبك ويؤجج العنف في دواخلك؟

من ناحية ثانية، لماذا نقدس انتماءاتنا ونقدس قياداتها، سواء الحالية أو التاريخية؟ لماذا لا نقبل أن انتماءنا الديني أو منهجنا الفكري أو وطننا أو تاريخنا، هي قناعة ننتمي لها بصدق، لكنها ليست فوق الانتقاد؟ القيادات الدينية أو السياسية بدورها ليست منزهة عن الانتقاد لأنها تفاعلت مع زمانها وأخطأت وأصابت، وهي بالتالي قابلة للانتقاد الموضوعي.

انتقاد الآخر لشخص نعتبره مهما في تيارنا أو انتمائنا، لا ينم بالضرورة عن مؤامرة ولا عن تمويل من الأعداء. وإلا، فنحن نعيش نرجسية مرضية تجعلنا نتوهم أن العالم يتآمر ضدنا!

إيمانك يخصك... مقدساتك تخصك. قناعاتك تخصك... لا يمكنك أن تطالب الآخرين بالسكوت عن انتقادها

لعلنا نحتاج أن نتساءل إن كان غضبنا من الانتقاد نابعا من هشاشة قناعاتنا الداخلية. نحن نخاف من كل انتقاد قد يزعزع قناعاتنا أو قناعات من حولنا، فيقل العدد الذي نتصوره ضخما.

في الواقع، ثورة المعلومات اليوم، بكل جوانبها السلبية، تجعل محاربتنا للأفكار المختلفة محض هباء. ما نحتاجه فعليا هو تطوير معارفنا لمواجهة الانتقاد بالحجة والبرهان، بدل لغة التخوين والاتهام.

نحتاج أيضا لأن نقتنع بأن ما (ومن) نعتبره مقدسا (دينيا، سياسيا، وطنيا، أو غير ذلك) هو ليس بنفس القداسة عند غيرنا. أن نقبل أن إيماننا قد يقابله عدم إيمان الآخر. أن ثوابتنا ليست كذلك عند الآخر... بل وأن البعض قد ينتمي لنفس منظومتنا الدينية أو الأيديولوجية أو السياسية، وينظر لها من زوايا مختلفة.

إيمانك يخصك... مقدساتك تخصك. قناعاتك تخصك... لا يمكنك أن تطالب الآخرين بالسكوت عن انتقادها. واتهاماتك لكل منتقد تجعل الصورة مضحكة. لأننا ننتهي في النهاية بأن نحول نفس الفاعل لمشجب يحمل تهم الكفر والتشيع والتنصر والإلحاد والمثلية والصهيونية والماسونية والتطرف... وهو في الواقع ليس إلا انعكاسا لخوفنا من الانتقاد!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG