رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

هل أنت متطرف؟


شرطة الشريعة في إندونيسيا تجلد سيدة علنا

د. توفيق حميد/

مما لا شك فيه، أن هناك كثير من المسلمين المسالمين والمعارضين لكل أنواع العنف الديني.

ولكن مشكلة "التطرف" الحقيقية هي أكبر من ذلك بكثير، وتتمثل في عدم وجود تعريف واضح لمفهوم "التطرف". غياب التعريف الواضح للتطرف يعني ببساطة أن البعض قد يرى أن "داعش" ـ على سبيل المثال ـ منظمة معتدلة، فهي تطبق الكثير من أسس الشريعة كما أقرها معظم الفقهاء.

فـ"داعش" تقتل المرتد، وترجم النساء في الشوارع بتهمة إشاعة الفاحشة أو الزنا، وتلقي بالمثليين من مكان مرتفع حتى يموتوا بلا رحمة، وتشرع ضرب النساء وبيعهن في الأسواق كرقيق.

والسؤال ـ الأسئلة ـ الذي يطرح نفسه هنا: وهل هناك مفهوم آخر للشريعة عند رجال الدين الإسلامي ينكر هذه الممارسات البشعة؟ هل وجدنا أو سمعنا عن إحدى المؤسسات الإسلامية "المعتدلة" مثل مؤسسة الأزهر مثلا تعترض على هذه الأشياء؟ أم أنهم يقرونها في كتبهم ومراجعهم الدينية؟!

هل إباحة خطف النساء في الحروب واسترقاقهن واغتصابهن هو اعتدال أم تطرف بشع؟

هل رأينا طوال عمرنا الآلاف من المسلمين "المعتدلين" يتظاهرون ضد هذه الجرائم التي ترتكب في حق الإنسانية تحت مسمى الشريعة الإسلامية كما تظاهروا ضد فرنسا عندما اتخذ قرار منع الحجاب في المدارس؟

وهل رأينا في حياتنا أي نظام ممن يطبق "الشريعة الإسلامية"، مثل النظام الإيراني وجماعة طالبان وبوكو حرام في نيجيريا والشباب في الصومال وغيرهم يطبق شيئا مختلفا عن المفهوم التقليدي للشريعة؟

هل هناك، ولو واحد، ممن يسمون بالفقهاء الأربعة أي الشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي اعترض على مثل هذه التعاليم؟

والعجب العجاب هنا أن فقهاء الإسلام اختلفوا في "حجم" الحجارة التي يرجمون بها الزانية ولم يختلفوا أبدا في مبدأ الرجم حتى الموت كعقاب للزناة المحصنين (أي المتزوجين!).

والأشد عجبا من ذلك أن يأتي أناس اليوم يطالبون العالم باعتبار الإسلام ديانة معتدلة، برغم عدم وجود مؤسسة إسلامية واحدة معترف بها تدرس مفهوما آخر للشريعة، أي مفهوم يرفض أو يعترض بوضوح على هذه المفاهيم البالية، والتي تصل إلى درجة الإجرام بكل معايير الحرية والكرامة الإنسانية.

الكارثة في عدم وجود معيار للتطرف الإسلامي، تكمن في أنه لا يمكن مجابهة أي شيء دون وضع معيار أو معايير واضحة له. فعدم وجود معايير للتطرف هي مثل عدم وجود معايير تحديد رقم معين لدرجة الغلوكوز (السكر) في الدم كي نعتبر أن الشخص مصاب بداء السكري.

ولكم أن تتصوروا كيف نعالج السكر أو كيف يدرك الإنسان أنه مصاب بمرض السكري دون وجود هذا المعيار، وكذلك الحال فمحاولة مقاومة التطرف أو محاولة "تجديد الخطاب الديني" دون وجود معيار واضح لمواطن العنف والوحشية فيه هو ضرب من الجنون!

ولنا هنا أن نضع بعض الأسئلة لنحدد من هو المتطرف!

هل قبول قتل إنسان مسلم لأنه أراد أن يؤمن بدين آخر اعتدال أم تطرف؟

هل إباحة ضرب الزوجة هو درجة من درجات الاعتدال أم هو تطرف؟

هل رجم إنسانة حتى الموت وتكسير عظامها بالحجارة لأنها قامت بعلاقة عاطفية خارج إطار الزواج الشرعي هو اعتدال أم تطرف؟

هل إباحة خطف النساء في الحروب واسترقاقهن واغتصابهن تحت دعوى أنهن "سبايا حرب" هو اعتدال أم تطرف بشع؟

هل اعتبار اليهود قردة وخنازير اعتدال أم تطرف؟

فقهاء الإسلام اختلفوا في "حجم" الحجارة التي يرجمون بها الزانية ولم يختلفوا أبدا في مبدأ الرجم

هل إعلان الحرب على الآخرين، وتخييرهم بين الإسلام أو الجزية أو القتل هو اعتدال أم تطرف؟

فمن لا يعترض على مثل هذه الأشياء، ليس له أي حق أن يتهم جماعات مثل الإخوان المسلمين أو السلفيين بأنهم "متطرفون"، فهو في الواقع لا يختلف عنهم في بشيء.

والفارق الوحيد بينهم أن الجماعات الإسلامية ـ وللأسف الشديد ـ لديها الجرأة على تنفيذ ما تؤمن به، على عكس المتطرفين السلبيين الذين يؤمنون بكل ما تؤمن به الجماعات المتطرفة ولكن لا يجرؤون على تنفيذه مثلهم، وهم بذلك يدعمون المتطرفين عقائديا باتفاقهم معهم على وجوب مثل هذه المبادئ الدينية.

باختصار على من لا يعترض على هذه المفاهيم في الفقه الإسلامي أن يدرك جيدا أنه هو الآخر متطرفا وليس مسلما معتدلا كما يتصور.

والآن فليسأل كل واحد منا نفسه هل هو معتدل أم متطرف؟

وللحديث بقية!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

شاهد التعليقات

XS
SM
MD
LG