رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

هل نسير نحو الانفتاح أم العزلة؟


شارع برودواي في نيويورك

بقلم رياض عصمت/

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كانت النظرة السائدة في العالم عن الولايات المتحدة أنها الفردوس الموعود الذي يحتضن مختلف الثقافات المهاجرة ويحتفي بتباينها، خاصة وأن هناك أعدادا غفيرة من المهاجرين جاؤوا إليها واستقروا فيها قادمين من المكسيك والصين وروسيا وبولندا وإيرلندا وشبه القارة الهندية، ومن عديد من دول شرق آسيا الأخرى والشرق الأوسط وأميركا الجنوبية واللاتينية وسواها.

تجلى الانفتاح الثقافي في الولايات المتحدة في أواسط القرن الماضي بوجود فرق مسرحية تركز على إنتاج أعمال شكسبير على سبيل المثال. ولا ننسى أن المسرحي الألماني اليساري برتولد برشت عندما قرر الهجرة من ألمانيا هربا من اضطهاد النازية، اختار الولايات المتحدة منفى له، وأنجز فيها بعض أفضل أعماله مثل "الإنسان الطيب من ستشوان" و"دائرة الطباشير القوقازية" و"حياة غاليليو". نيويورك هي عاصمة المسرح الأميركي بامتياز، و"شارع برودواي" هو الحي الوحيد في العالم الذي ينافس حي المسارح اللندني الشهير "الوست ـ إند".

عادة، لا تتناول الأعمال الأدبية والمسرحية الجيدة الأحداث والشخصيات التاريخية بمقاربة متحفية، بل تستخدمها من أجل الإيحاء بإسقاطات رمزية معاصرة

وتطور الأمر بالمسارح الطليعية في نيويورك لأن تسمي نفسها "خارج برودواي"Off-Broadway ثم "خارج ـ خارج ـ برودواي "Off-Off-Broadway، بينما تواجد في لندن الكثير من المسارح التي تكنى باسم "مسارح الأطراف Fringe Theaters".

بعد النجاح الباهر الذي حققه المخرج البريطاني الشهير بيتر بروك في لندن، انتقل إلى باريس منذ عام 1974 ليقود مسرحا يحمل اسم Bouffes du Nord، قدم فيه "مؤتمر الطيور" عن النص الشعري الإيراني لفريد الدين العطار، والعمل المقتبس عن الملحمة الهندية القديمة "المهابهاراتا"، وحقق بهما عبر جولات فرقته في الولايات المتحدة العالم شهرة مدوية.

أما المخرج الإيطالي يوجينيو باربا، الذي عمل في شبابه مساعدا لجيرزي غروتوفسكي في بولندا، فانتقل ليقيم في بلدة هولتسبورو الدانماركية، ويؤسس "مسرح أودين" الشهير، الذي يعتبر في مقدمة المسارح الطليعية في العالم، خاصة أن نظرية مؤسسه تعتمد على مقايضة الثقافة الغربية بالثقافات المحلية للبلدان التي تزورها فرقته، فيتعلم الممثلون ويعلمون في آن معا.

بدورها، نذكر أنه جالت فرقة "المسرح الحي" الأميركية في الستينيات ـ تحت إدارة جوليان بيك وجوديث مالينا ـ عدة عواصم أوربية بأعمالها المناهضة لحرب فيتنام، تاركة انطباعا صاعقا بجرأتها الفكرية والفنية معا. سرعان ما انبثقت عنها فرقة "المسرح المفتوح" التي أدارها نجم الفرقة السابقة جو تشيكن، وأخرج لها عدة نصوص كتبها سام شيبرد وجان ـ كلود فان إيتالي، وحملت أعمالها السمة العالمية، بمعنى أنها نأت عن السائد والمألوف من المسرح الواقعي المغرق في الطبيعية، وأبرزت الطابع التجريبي، الشاعري والرمزي، لحداثة المسرح وعلاقته بجمهور جديد غالبيته من الشباب المتعطشين للجديد.

من ناحية أخرى، ربما لم تتغير كثيرا نزعة العالمية أو الاحتفاء بإنجازات المسرح الإنساني في لندن وعديد من العواصم الأوروبية، إذ يلاحظ المطلع على مسارح لندن مثلا أن مسرحيات تشيخوف وبرشت وإبسن وسترندبرغ وبيرانديللو وداريو فو تقدم كما تقدم تماما مسرحيات كتاب بريطانيين مثل برنارد شو وأوسكار وايلد ونويل كوارد وبريستلي وسواهم.

لكن المؤسف أن نلاحظ أن هذه النزعة العالمية السائدة في لندن انحسرت إلى حد كبير عن مسارح نيويورك، بحيث صار إنتاج مثل هذه الأعمال مقتصرا على مسارح المدن الأخرى والجامعات، بينما يندر أن يرى الجمهور العريض هذه الأعمال تقدم تجاريا في عاصمة المسرح نيويورك، كما تقدم في لندن وسواها من العواصم الأوروبية.

مؤخرا، لاحظت انتشار ظاهرة خوف غريب من مقاربة الثقافات الأخرى المختلفة. هل يكمن الخوف في إعراض الجمهور عن الإقبال على تلك المسرحيات لأنه اعتاد على نمط سائد معين من الواقعية المفرطة؟ هل سرت عدوى الخوف حتى إلى الجامعات بحيث صار الطلبة يقلقون من المساس بتقاليد وأعراف ثقافة لا يعرفونها جيدا، بل تسود خيالهم أوهام عنها؟

نجد اليوم مسارح قليلة، وغالبا صغيرة جدا، تغامر بتحدي السائد والمألوف في تصديها لإنتاج مسرحيات صينية وهندية وباكستانية ومكسيكية وفيليبينية وسواها، وإن ندر جدا أن قاربت إنتاج مسرحيات عربية حتى لو كان موضوعها ساخنا ويحتل الصدارة في وسائل الإعلام، وذلك بحجة أن الجمهور العربي المهاجر لا يقبل على المسرح، وأن الجمهور الغربي لا يأبه بمضمونها لانشغاله بمواضيعه المحلية الراهنة.

في الواقع، يحتاج نمو هذه الظاهرة إلى دراسة طويلة معمقة لمعرفة أسبابها السيكولوجية والاجتماعية والفكرية، ومن ثم العودة إلى إطلاق ما اتسمت به الثقافة الأميركية من تنوع وانفتاح على الثقافات الأخرى، إذ أن هذه الظاهرة الطارئة تخالف جوهر التعددية والتنوع، وروح الانفتاح والتنور، التي نشأ عليها المجتمع الأميركي بشجاعة أثارت إعجاب العالم وتقديره.

مؤخرا، عايشت تردد طلبة إحدى الجامعات من تقديم عمل مسرحي يتناول موضوعا يتعلق بالصوفية، تهيبا وخشية من أن يتضمن ذلك مساسا بدين الإسلام. كان ذلك اعتقادا غريبا، لأن أصل العمل الإيراني الذي اقتبست عنه المسرحية قديم جدا، وهو معروف ومنشور ومتداول في الدول الإسلامية كافة دونما اعتراض من أحد، علما بأنه سبق أن قدم مرات عديدة في باريس وسواها من مدن العالم الغربي.

أما القصة الأخرى التي بلغتني فهي تمنع طلاب جامعة أخرى عن تقديم مسرحية برتولد برشت "الإنسان الطيب من ستشوان" لأنها تتناول الثقافة الصينية، التي اعتبر الطلبة أنفسهم غير ضالعين بتقاليدها وأعرافها، علما أن برشت كتب مسرحيته تلك في الولايات المتحدة إبان إقامته فيها، وأنها معروفة في ألمانيا وسواها من دول العالم.

الظاهرتان غريبتان وجديدتان فعلا على نمط التفكير الأميركي المعهود، بل تنذران بنزعة انغلاق إزاء تاريخ العالم وثقافاته، وذلك نتيجة خشية وحساسية من الخطأ في مقاربتها بصورة تمس المشاعر والمعتقدات. كلا الحادثتين أمر غير مألوف ولا شائع في الثقافة الأميركية سابقا.

عادة لا تتناول الأعمال الأدبية والمسرحية الجيدة الأحداث والشخصيات التاريخية بمقاربة متحفية، بل تستخدمها من أجل الإيحاء بإسقاطات رمزية معاصرة، وهو ما دفع المخرجين لإحياء أعمال مثل "مؤتمر الطيور" و"المهابهاراتا" و"الإنسان الطيب من ستشوان" وسواها.

المؤسف أن نلاحظ أن هذه النزعة العالمية السائدة في لندن انحسرت إلى حد كبير عن مسارح نيويورك

الملاحظ، إذن، أن الجمهور في عواصم مثل لندن وباريس وبرلين وروما يبحث عن التنوع، ويقبل على ما هو مختلف عن ثقافته وغير مألوف بالنسبة لمجتمعه. أما في كثير من المدن الأميركية، فدفع الحرص على الربح المادي وتكوين جمهور معين لكل مسرح أن تبتعد الفرق عن مقاربة كل ما يخالف خطها وتوجهها خوفا من خسارة جزء من أرباح شباك التذاكر.

هذه نظرة خاطئة تماما، فالفنون الدرامية لم تزدهر يوما إلا بفضل مخالفتها للسائد والمألوف. في كل جيل من الأجيال، يبرز مؤلف يغير اتجاه دفة السفينة، فيلحق الجمهور بمركبه المبحر في خضم المجهول، ويكتشف مجاهل لم يكن يتوقعها. تلك هي متعة المغامرة المسرحية، سواء بالنسبة للمبدعين، أم لعموم الجمهور، أم للطلبة الشباب الذين هم في طور الانتقال من الهواية إلى الاحتراف.

أتمنى أن يعود اليوم الذي تكرس فيه سياسة الانفتاح وليس العزلة، اليوم الذي نرى فيه في كل مدينة وفي كل جامعة أعمالا مسرحية تمثل ثقافات العالم المتنوعة كي تبنى جسور التواصل والتفهم بين الجمهور الأميركي والعالم.

هنا، أقول إن الولايات المتحدة كانت، ويجب أن تبقى، ليس فقط البوتقة التي تنصهر فيها كل الثقافات لتنجب شكلا واحدا أثيرا لدى عموم الجمهور، بل الواحة التي يستظل في فيئها جميع المبدعين على تنوع مواهبهم بحيث تستقطب جمهورا متعدد الأصول والأعراق والمشارب، فتمتعه وتنوره، وتنشئ جسورا بينه وبين مختلف أرجاء العالم وثقافاته الغنية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG