رابط إمكانية الوصول

logo-print

'تاجماعت' و'العزابة'.. هكذا يمارس الأمازيغ الديمقراطية


نشطاء أمازيغ

عادت الكيانات الاجتماعية القديمة التي ظلت مرجعية القبائل والعروش في الجزائر، وفي مناطق مغاربية أخرى، إلى واجهة الأحداث، في أعقاب النزاعات التي فجّرت استقرار المناطق التي تقطنها مجموعات عرقية.

وخلال تلك الأحداث، كان للأعيان وكبار المناطق الساخنة دور بارز في "استدعاء" "تاجماعت" أو "العزابة" و"العروش" لإطفاء نيران المواجهات، وغالبا ما كانت الحكومة في الجزائر، مثلا، تعتمد على حنكة وقدرة مسؤولي هذه الكيانات في ضبط نفس الشارع، ووقف الاحتجاجات القوية التي تعجز السلطات عن تهدئتها.

العروش و الربيع الأسود

بعد مقتل الشاب قرماح ماسينيسا يوم 20 أبريل2001، بمنطقة القبائل بالجزائر، اندلعت مظاهرات عنيفة، وصفتها الصحافة المحلية بالربيع الأسود، على إثر سلسلة من الحوادث الدامية التي سقط فيها قتلى وجرحى ومظاهرات دامت عدة أشهر.

هذه الأحداث فرضت على رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، سعيد سعدي، المحسوب على منطقة القبائل، الاستقالة من البرلمان، قبل أن تعترف الحكومة باللغة الأمازيغية لغة وطنية وتبادر للتخفيف من الإجراءات الأمنية في منطقة القبائل.

لعبت "العروش" وقتها دورا رئيسيا في تهدئة الشارع القبائلي وحمل هموم الأمازيغ، الذين طالبوا بهويتهم التاريخية. وتمكن هذا الكيان من كبح جماح المطالبين بالانفصال وتحييد مطالبهم، لرغبة أمازيغ الجزائر في التمسك بعنصر الوحدة الوطنية التي جعلت منها الحكومة خطا أحمرا لا يقبل التفاوض.

ونجحت العروش في ضبط الهدوء بمنطقة القبائل، وتحقيق نتائج إيجابية، بعد مفاوضات طويلة مع السلطة جنّبت المنطقة المآسي وحقنت الدماء.

"تاجماعت".. حكماء الأمازيغ:

هي لفظ أمازيغي يعني الجماعة، التي تتألف من كبار وحكماء القرية أو المنطقة، يترأسهم شخص يطلقون عليه اسم "الأمين"، ويضمن تنفيذ قرارات "تاجماعت"، يؤازره شخص آخر يدعى "الطامن"، يتم اختياره من المشهود لهم برجاحة العقل والحكمة. ويخضع عدد أعضاء تاجماعت لنسبة السكان في كل قرية.

تتولى "تاجماعت" تنظيم الشؤون الاجتماعية في القرى والفصل في النزاعات حول مختلف القضايا المحلية، وفرض الغرامات وإنزال العقوبات بالمخالفين. وقرارات "تاجماعت" نافذة بحكم أنها صدرت بعد تداول بين كافة الأعضاء.

وتستعمل أموال الغرامات في التضامن بين السكان، أو بناء مشاريع صغيرة تهمهم، وقد ظهر دورها في حل العديد من النزاعات الحادة داخل القبيلة أو العشيرة، مستمدة ذلك من تجربتها الضاربة في التاريخ، التي ظهرت بشكل لافت خلال فترة التواجد الفرنسي بالجزائر، عندما رفضت "تاجماعت" قوانين الفرنسيين و اعتمدت على الأعراف والتقاليد في تنظيم المجتمع القبائلي.

"العزّابة"، نظام عمره آلاف السنين

هو نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي، يخضع للضوابط الاجتماعية وللمذهب الإباضي الشائع في منطقة بني ميزاب بولاية غرداية بالجزائر.

ويعود تاريخ ظهوره إلى نحو ألف عام، وهو أعلى هيئة في المنطقة. ويطلق اسم " إعَزَّابَنْ" على المنتمين إلى حَلَقَتها ، وهم في الغالب من أهل الحكمة والدين والمشورة .ويجب أن يكون العضو متزوجا صاحب حرفة أو عمل.

وتعرف "العزّابة" بالإمامة الصغرى، التي تستمد تعاليمها من المذهب الإباضي، الذي ترسخ بعد ظهور الدولة الفاطمية، عندما أراد الميزابيون النأي بمجتمعهم عن سلطة أحكام الدولة الفاطمية، وتكون أحكامها التي تصدر بعد التشاور بين كافة الأعضاء نافذة.

و نظام حلقة العزّابة، هو في الحقيقة تنظيم إداري وديني وتشاوري ديمقراطي، ينظم شؤون المجتمع الميزابي في كافة نواحيه الاجتماعية والسياسية والعلمية والاقتصادية.

ظواهر اجتماعية بجوانب سياسية

يقول السوسيولوجي كمال بوقصة في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن هذه الأنظمة "هي عبارة عن ظواهر مصدرها الثقافة القديمة والتقليدية والمحلية، التي لازالت في الساحة وتفرض وجودها، وهي ظاهرة اجتماعية لها جوانب سياسية".

ويضيف المتحدث:" هي سوسيولوجية سياسية، ولكن للأسف ليس لدينا دراسات تناولت هذه الظواهر بالإسهاب، باستثناء بعض الباحثين الفرنسيين الذين تناولوها في دراسة واحدة موجودة بالمكتبة الوطنية، وهي دراسة فرنسية عن العروشية في الجزائر".

ويؤكد المصدر ذاته على أن "هذه الظواهر لم تختف، لكن المجتمع هو الذي لم يعطها المجال الواسع للعمل، وحتى الصحافة تأخذ بظاهرها وليس بعمقها في المجتمع".

وعن دور "العروش" و"تاجماعت"، يقول الباحث في علم الاجتماع، كمال بوقصة، "المجتمع القبائلي حافظ على تقاليده وعلى الثقافة المحلية والنظام التقليدي والعروش، وإلى يومنا هذا نسجّل عطش الشباب القبائلي للنظام الاجتماعي القديم".

تنظيمات لم يغيّرها الزمن

أما الباحث في الأنثربولوجيا، محمد سريج، فيؤكد لـ"أصوات مغاربية على أن :"الميزان التنظيمي واضح في عدة مناطق قبائلية وميزابية وشاوية، وحتى في الغرب الجزائري، بداية من الدوار وهو مجموعة من العائلات قليلة العدد، إلى العرش الذي يجمع قرى كبيرة".

ويضيف المتحدث "قبل التواجد الفرنسي كانت غالبية مناطق الجزائر على هذا النحو، ولم يتغير تنظيم تاجماعت، وفي منطقة القبائل، مثلا، حافظوا على نظامهم، حيث نجد تاجماعت الصغرى الموجودة على مستوى القرية، وهي تتولى الفصل في القضايا الاجتماعية و غيرها، لأنها مصدر القرار في السلم والحرب."

ويضيف المصدر ذاته " في بعض الأحيان لا يمكن لـ "تاجماعت" اتخاذ القرار لوحدها، إذ لابد أن تتدخل الجماعة الكبيرة التي تضم كافة القرى، للنظر فيما عجزت عن حله الجماعة الصغرى، وهما بمثابة المحكمة الابتدائية ومجلس القضاء".

ويسري هذا النظام، حسب محدث "أصوات مغاربية"، خصوصا على القضايا المشتركة، كتوزيع مياه الوادي مثلا، أو حل المشاكل السياسية والنزاعات مع السلطة، كما أن نظام "العزّابة" مشابه لـ "تاجماعت"، باستثناء قضايا الزواج والعادات التي تخص المذهب، يقول الباحث محمد سريج.

هذا وتبقى الكيانات الاجتماعية على رغم قدمها متمسكة بتشريعاتها القديمة، التي تمثل العمق الاجتماعي الذي ساهم في حل القضايا التي استعصت على السلطة، فتحولت تلك التنظيمات إلى شبه مؤسسات ديمقراطية تناضل من أجل البقاء.

المصدر: اصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG