رابط إمكانية الوصول

logo-print

هناك أمام بوابة المعبد، يقف أحمد أويحيى كتمثال من زمن قياصرة الرومان، حاملا الصولجان، لحراسة المعبد المقدس للسلطة التي ترفض التنازل لغيرها عن الجاه والهيلمان، ورغم انتمائه الأمازيغي فهو لا يشبه ماسينيسا مُوحد نوميديا، ولا يوغرطة الذي ثار ذات يوم على غزو الرومان.

هو رجل متشبع بثقافة التحفظ والصمت، لا تُترجم أسارير وجهه رغباته ولا توجساته. أقرب من الجندي إلى رجل السياسة. ظل طيلة مساره السياسي والحكومي محتاطا من خصومه، مبتعدا عن مقربيه، لا يُعرف له كاتم أسرار، ولا رفيق درب، بل جنود يأتمرون بأوامره، وجيش من "الأتباع" ينفذون تعليماته، وأحمد أويحيى شخصية بعيدة عن الشعبوية، قريبة من الكاريزماتية، حتى قيل إنه "بوتين" الجزائر.

صعود تدريجي

ولد أحمد أويحيى في بلدة "بوعدنان" ولاية تيزي وزو، بمنطقة القبائل يوم 2 يوليو 1952. قضى طفولته في العاصمة، ودرس في المدرسة الوطنية للإدارة التي كان من أبرز نجبائها، تخرج منها عام 1975، ثم تحصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية من جامعة الجزائر.

في تلك الأثناء، التحق أويحيى بوزارة الخارجية الجزائرية عام 1975، والتي كان يقودها عبد العزيز بوتفليقة، وعمل بها كاتبا دبلوماسيا.

بعد مجيء الشاذلي بن جديد، كانت الجزائر تودع حقبة هواري بومدين بكل تجلياتها، وكان حتميا أن يأتي مع هذه المرحلة الجديدة طاقم جديد للخارجية الجزائرية التي كان يقودها محمد الصديق بن يحيى، وعمل خلالها أحمد أويحيى مستشارا لدى سفارة الجزائر بأبيدجان بساحل العاج، ما بين 1981 و1984، حسب ما تشير إليه السيرة الذاتية المنشورة في موقع الوزارة الأولى.

من أفريقيا إلى سواحل أميركا

عُيّن عام 1984 مستشارا ضمن البعثة الدائمة في الأمم المتحدة بنيويورك إلى غاية 1989، ثم مديرا عاما لقسم أفريقيا بالإدارة المركزية لوزارة الخارجية عام 1990، ومع دخول الجزائر نفق الأزمة الدموية، عُيّن أويحيى سفيرا للجزائر بمالي عام 1992.

ألهمته هذه التجربة إلماما واسعا بالشأن الأفريقي، الذي كان يغلي وقتها بالنزاعات والحروب الأهلية، وتفكك الحكومات، بدءا من القرن الأفريقي إلى وسط القارة السمراء وجنوبها الغربي، وفي 1993 عُيّن كاتب دولة مكلفا بالتعاون والشؤون المغاربية.

وعندما أدى أحمد أويحيى الخدمة العسكرية في رئاسة الجمهورية، لفت انتباه الجنرال فوضيل سعيدي الذي كان قائدا للناحية العسكرية الخامسة، ونقل هذا الأخير ملاحظاته للرئيس ليامين زروال، بشأن شخصية ذات كفاءة عالية، صارمة، منضبطة، كتومة، وانتهت تلك التوصية بتعيينه مديرا لديوان رئاسة الجمهورية عام 1994.

دخوله "إيالة الحكم" من بوابة الرئاسة، فتح له باب الولوج إلى "معبد" النظام الجزائري، وبتاريخ 31 ديسمبر 1995، كلّفه الرئيس ليامين زروال بقيادة الحكومة التي كانت تواجه ثقل المديونية، وشروط صندوق النقد الدولي، وحربا شاملة تشنها جماعات متشدّدة على المدنيين والدولة ورموزها.

إرهاب الإدارة

قاد أويحيى، بقرارات جريئة، الوضع المقلق للبلاد إلى غاية 5 يونيو 1997، وخلال هذه الفترة، عاشت المدن الجزائرية أبشع الجرائم ضد المدنيين، بتوقيع من الجماعات المتشددة.

كما عرفت هذه الحقبة تنفيذ سياسات اقتصادية لقيت احتجاج جزائريين ما زالوا يتذكرون حدتها، ويعتبرونها جزءا من حرب اقتصادية ضدهم، فقد سرّح أويحيى العمال من المؤسسات العمومية المفلسة التي حلّها، واقتطع من أجور ما تبقى من العمال.

وعندما أدرك ثقل قراراته على المواطنين، خرج في زيارات ميدانية للولايات عام 1997. وقتها كان الإرهاب في قمة انتشائه بجرائمه الدموية، وفي لقاء له مع ممثلي الجمعيات والمجتمع المدني غرب الجزائر، نهض مواطن مخاطبا أويحيى: "الإرهاب لا يوجد في الجبال فقط، بل في الإدارة أيضا، وعلينا محاربته، مثلما نحارب إرهاب الجماعات".

تلك الصرخة التي بثها التلفزيون الرسمي، كانت بمثابة جرعة سياسية لكسب ود الشارع، وكان ذلك المشهد، بداية لتداول مصطلح "الإرهاب الإداري" في الجزائر.

بديل السلطة

كانت العلاقة المتوترة للسلطة بجبهة التحرير دافعا رئيسيا في قرار رجال الحكم وقتها لتأسيس حزب سياسي يوم 26 فبراير 1997، بديلا عن الجبهة، يتألف من مقاومي الإرهاب، والدفاع الذاتي ورجال الحرس البلدي.

وقد أُطلق على الحزب الجديد اسم "التجمع الوطني الديمقراطي"، المعروف اختصارا بـ"الأرندي"، الذي تبنى خيارات استئصال الإرهاب، وكان أويحيى من بين مرشيحه للانتخابات البرلمانية التي وصفتها المعارضة بالمزورة، وانتخب نائبا في برلمانها خلال السنة نفسها.

يقول عنه الكاتب والباحث الصحفي، أحميدة العياشي في عمود صحفي له "لم يكن خرّيج جبهة التحرير ولا خرّيج 'الاستبلشمنت' (النظام المؤسس) السياسي الجزائري الذي تعود أصوله إلى الماضي البيروقراطي للحركة الوطنية، فالرجل لم يعرف وهو شاب حياة النضال في الجامعة، ولا استنشق رياح المعارضة الثمانينية، بل تربى في سجن المدرسة الوطنية للإدارة المغلق على كل ما هو نقدي ومناوئ للمؤسسة الرسمية".

ويضيف العياشي "في لحظة انتقال عصيبة ومعقدة، لعب فيها العسكر دورا متفوّقا والمؤسسة الأمنية دورا مؤثرا، نافذا ومتعاظما في صياغة العقول والإرادات، كان أويحيى أحد صنائع هذه الآلة البيروقراطية والأمنية، وبزغ نجمه بسرعة ما أن بيّن قدرته العجيبة في استيعاب اللعبة وأداء قواعدها دون نقاش وبتفان لا مثيل له".

بعد انتخابه نائبا كلفه الرئيس ليامين زروال بقيادة الحكومة بتاريخ 24 يونيو 1997، وأشرف خلالها على الانتخابات المحلية خريف نفس السنة، إذ وجهت المعارضة اتهامات شديدة لأويحيى بتزوير نتائجها لصالح حزب الأرندي، الذي تولى أمانته العامة عام 2003.

لم يخرج أويحيى من دائرة الحكم، فقد نسج علاقات قوية مع رجالات المؤسسة العسكرية والمخابرات، إلى أن وصفه خصومه برجلها الوفي، وبعد تولي عبد العزيز بوتفليقة الحكم في أبريل 1999، عينه في منصب وزير الدولة وزير العدل، وخلال توليه مفاتيح هذه الوزارة، شهدت الجزائر سلسلة من الحرائق في السجون.

لكن الخلاف الذي حدث، منتصف سنة 2002، بين رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس والرئيس بوتفليقة أدى إلى تنحية الأخير وتعيين أويحيى رئيسا للحكومة في ماي 2003، وظل أويحيى في منصبه إلى غاية 26 ماي 2006.

زوبعة 2014

في سنة 2013 كانت الجزائر تمر بتوتر سياسي داخلي حاد بين رجالات السلطة، كان جناح قائد الاستخبارات الجنرال توفيق يدفع نحو فرملة طموح بوتفليقة في الترشح لعهدة رابعة، وكانت العيون متجهة لأحمد أويحيى ليكون رجل قصر المرادية القادم، فهو لا يمانع في أن يقود الجزائر من منصب الرجل الأول في الدولة.

لذلك عمل جناح بوتفليقة للضغط على أويحيى ودفعه للاستقالة من حزبه الأرندي في نفس السنة، وبحلول عام 2014 فاز بوتفليقة بعهد رئاسية رابعة، قبل أن يطيح بخصومه، ويعيد أويحيى إلى قيادة حزب الأرندي، ثم يعينه مديرا للرئاسة في سياق صفقة غير معلنة، لا وجود لطرف ثالث فيها بعد تنحية الجنرال توفيق.

بدا أويحيى وحيدا، عقب "تصفية" خصوم بوتفليقة، لكن أويحيى لم يظهر أي عداء للرئيس الذي لا يتسامح مع خصومه، بل أعلن في مناسبات عدة ولاءه التام لبوتفليقة ولبرنامجه، وعقب توتر سياسي عرفته الجزائر خلال صائفة 2017، أعاد بوتفليقة مدير ديوانه إلى قيادة الحكومة خلفا لعبد المجيد تبون الذي لم يكن قد مضى على تعيينه في نفس المنصب أشهر قليلة جدا.

قصة الياغورت

أعلن أويحيى أمام البرلمان قيادته لإصلاحات مالية و اقتصادية صعبة، وصارح الجزائريين بحقيقة الخزينة الفارغة، و قال إنه سيلجأ إلى طبع النقود لتمويلها، فبعث هواجس وقلقا لدى الرأي العام الذي عادت به الذاكرة لسنوات تسريح العمال واقتطاع الأجور وحل المؤسسات.

يطلق الجزائريون على أويحيى "صاحب الياغورت"، وهو تصريح نُسب له في ظروف غامضة مفاده أنه على الجزائريين عدم تناول الياغورت عندما تشتد الأزمة، لكنه نفى ذلك في حصة بثها التلفزيون الرسمي.

رجل إدارة لا سياسة

وبالنسبة للمؤرخ والباحث محمد قنطاري، فإن أويحيى سيظل مثار جدل دائم، ينقسم رأي الشارع حوله، وهو صاحب المهمات الصعبة لحل الأزمات المعقدة، "أويحيى ليس رجل سياسة، بقدر ماهو رجل تسيير مالي واقتصادي"، يضيف ذات المتحدث الذي يراه "شخصية بارزة في حل الأزمات الاقتصادية بما لديه من خبرة، ودعم وتدعيم، فهو رجل قادر على مواجهة تعقيدات الأزمات التي تواجها البلاد من حين لآخر"، لكن هل يقوى أويحيى على ذلك، في ظل توجسات الجزائريين من سياسته، وتعقيدات الأزمة الراهنة؟

الأمر بالنسبة للمؤرخ محمد قنطاري صعب بالفعل، لكن ليس مستحيلا، "فالرجل له طموحات بعيدة المدى، وهو في النهاية رجل دولة، له علاقة طيبة مع مؤسسات الدولة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، لكن ما قد يُعاب على أويحيى من طرف أعدائه السياسيين، صراحته التي تجلب له الخصوم، بما في ذلك خصومة الرأي العام"، يقول قنطاري.

خادم النظام

لكن أويحيى في الجهة الأخرى من الصورة، ليس هو الفارس المغوار، الذي تستنجد به الدولة العميقة لإنقاذ اقتصادها ومؤسساتها وهياكلها، بل "هو مسؤول يتسم بالغموض، بعيد عن الشفافية"، برأي أستاذ العلوم الاجتماعية عبد الله الأطرش، فهو "يعتمد على التناقض في التصريحات، واللعب بالأرقام، وقراراته ذات منحى عقابي، يناضل لأجل استمرار النظام بمساوئه وتناقضاته" يضيف المتحدث، قبل أن يردف "مفاوض شرس، عليم بكواليس السلطة، متحفظ في صراعات الأجنحة داخل النظام، فهو الإداري السياسي وليس العكس، يُظهر خدماته حين تتعرض عجلات النظام للعطب".

في النهاية، لن يكون بمقدور خصوم أويحيى محاربة حارس المعبد، الذي وقف صامدا أمام كل محاولات إزاحته من بوابة إيالة الحكم في الجزائر، بعدما صمد أمام غضب الشارع، وأمام مؤامرات القصر، وأمام هجومات الخصوم السياسيين، لم يتردد في إطلاق لقب "صاحب المهام القذرة" على نفسه، وظل يردد أمام خصومه "أنا ابن الدولة، وفي خدمتها متى احتاجت إلي". فهل من مبارز؟

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG