رابط إمكانية الوصول

logo-print

20 عاما من الانتظار.. عائلات مفقودي العشرية السوداء: نتألم!


مطالبون بمصير مختفين بالجزائر يحتجون مرتدين أقنعة بباريس (2001)

"خلال مرحلة التسعينات، حدثت في الجزائر تجاوزات عدة بخصوص حقوق الإنسان، سواء من طرف المسلحين أو السلطة، وكان ذلك سببا في اختفاء آلاف الجزائريين، بحجة محاربة التطرف المسلح"، هكذا تلخص رئيسة جمعية "S.O.S DISPARUS"، نصيرة ديتور، ملف "مفقودي العشرية السوداء".

تقول إن هذه القضية بقيت "دون متابعة جادّة من طرف السلطات المتعاقبة على الحكم منذ تسعينات القرن الماضي".

الحديث عن المفقودين بالجزائر يُطرح بحّدة كل سنة، بمناسبة ذكرى المصادقة على قانون المصالحة الوطنية في 29 سبتمبر 2005.

النقاش حول الملف كان قد بلغ أوجه حين رفض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في أكثر من مناسبة، فتحه.

فخلال تجمعات شعبية نظمها بوتفليقة للدفاع عن قانون المصالحة الوطنية، كان أهالي مفقودين يقاطعون خطاب الرئيس الجزائري مطالبين بكشف مآل المختفين، لكن الرئيس كان يرد قائلا: "ليست لي أية مصلحة في إخفاء أبنائكم".​

المصالحة.. بأي ثمن؟

"نحترق ألما لفراق ابن خالتي وزوج أختي، لم يكن في الحسبان أنه سيصبح رقما في قائمة المأساة الوطنية"، تقول زينب ميخازني، إحدى قريبات زبيري سيد اعلي، الذي "اقتيد من طرف مجهولين نهاية سنة 1996، ولم يظهر له أثر منذ ذلك الحين"، على حد قول قريبته.

وتؤكد زينب، في حديثها لـ"أصوات مغاربية"، أن عائلتها لم تترك سبيلا إلا وسلكته لمعرفة مصير ابنها، لكن دون جدوى.

"يقولون إنه ميت، لكننا نرفض الفكرة، لأنها لا تقوم على أي دليل منطقي" تقول زينب، مضيفة: "كيف يمكن أن يختفي أحد بهذه الطريقة إلى الأبد؟".

من يمكنه الجواب عن سؤال زينب الدارج أيضا على لسان أقارب المفقودين؟ هل يجيب قانون المصالحة الوطنية على هذا السؤال؟

قانون المصالحة الوطنية صودق عليه سنة 2005. لاحقا، أُصدر أمر يقضي بتنفيذه، يوم 27 فبراير سنة 2006.

الوثيقة توضح أن حالات كثيرة من الاختفاء تورط فيها من سمتهم "الإرهابيين"، بيد أنها أقرت بمحاسبة "ممثلي الدولة"، الذين اتهموا بالتورط في اختفاء أشخاص خلال تلك الفترة.

في المقابل، لم يتضمن الأمر بتنفيذ قانون المصالحة التزاما من طرف الدولة بكشف مصير المفقودين، كما أورد جملة لا تنطوي على تعهد واضح، وتتجلى في الالتزام بـ"تكفل الدولة بمصير جميع الأشخاص المفقودين مع ما يتبعها من إجراءات ضرورية"، هل يشمل التكفل كشف مصير هؤلاء؟

نصيرة ديتور لا ترى ذلك، معتبرة أن "سياسة المصالحة تدعم النسيان وتضمن الهروب من العقاب للمتسببين في فقدان أكثر من 8 آلاف جزائري"، على حد قولها.

وتشير ديتور إلى أن قانون المصالحة يشترط، لتعويض أهالي المفقودين، أن يسلّموا بوفاة المفقود دون نبش في تفاصيل اختفائه، مضيفة أن هذا القانون يؤكد أيضا، في أحد بنوده، على أن "عائلة المفقود يمكن أن تطلب الحصول على حكم بوفاة ابنها"، وهو ما تعتبره ديتور "دعوة للتنازل عن الحقيقة".

"نعتبر هذا الشرط محاولة للتنكر لما حدث لآلاف الجزائريين وعائلاتهم، ناهيك عن الضرر الذي يصاحب خطوة التنازل عن الحق في معرفة ما جرى للقريب المفقود"، توضح المتحدثة.

قنبلة موقوتة!

وقعت الجزائر على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري سنة 2007. هذا التوقيع يجعل الجزائر "مجبرة على الاستجابة لمطلب آلاف الأمهات والآباء لمعرفة الحقيقة"، وفق ما تؤكد رئيسة جمعية متابعة ملف المفقودين.

"الجزائر أمضت الاتفاقية لكنها لم تنضم إليها، مخافة الالتزام بقول الحقيقة بخصوص الاختفاء القسري سنوات التسعينات"، تقول المتحدثة ديتور. فهل الدولة مجبرة بالفعل على كشف مآل هؤلاء بناء على الاتفاقية التي تحيل إليها رئيسة الجمعية التي تتبنى ملف المختفين؟

المحلل السياسي وأستاذ القانون بجامعة قسنطينة، عبد الغني جريبي، يرى، في هذا الصدد، أن ملف المفقودين حُسم ضمن قانون المصالحة الوطنية، وبالتالي "انقطعت السبل أمام المستثمرين في المياه العكرة"، وفق قوله.

ويعتبر جريبي، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، أن فقدان أحد أفراد الأسرة "شيء أليم للغاية، لكن يجب وضع حد لهذه المعاناة، ليس بالتنازل، إنما بالتسليم لقدر الله، الذي يتقاسمه جميع الجزائريين ضحايا المأساة الوطنية"، يردف المتحدث موضحا طرحه.

لكن هل يمكن لعائلات المفقودين التسليم بمصير ذويهم رغم غموضه؟

مدير الدراسات الاجتماعية السابق بجامعة وهران، نجاح مبارك، يتبنى منظورا مختلفا عن تصور جريبي، موضحا أن "الارتباك الحاصل في العلاقة بين عائلات المفقودين والسلطة أربك حتى علاقتهم بالمجتمع".

ويعتبر مبارك، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن ملف المفقودين، والذي يصفه "بالقنبلة الموقوتة"، يؤثر في مصير ومستقبل جيل كامل، وإلى الأبد، مضيفا: "يمكن أن ينتج عن ذلك، سخط مجتمعي. ليس الآن، لكن السخط موجود بيننا، ينتظر الفرصة للانفجار".

المتحدث ذاته يدعو إلى متابعة قضية المختفين "بنيّة صادقة، حتى يتصالح المجتمع مع نفسه"، معترفا بصعوبة الأمر، خصوصا بعد "منع أمهات المفقودين من التجمهر والاحتجاج"، حسب مبارك، الذي يستدرك قائلا: "الكبت لا يخدم أحدا".

بالموازاة مع اختلاف وجهات النظر في ملف المفقودين، تستمر العائلات، من جهتها، بالتظاهر أمام مقر اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان بالجزائر العاصمة، كل أربعاء منذ قرابة 20 سنة.

السلطات، من جانبها، أصدرت منعاً بالتجمهر لمئات أمهات المفقودين اللاتي لجأ بعضهن، شهر ماي الماضي، إلى جنيف حيث يوجد مقر هيئة الأمم المتحدة، لعرض الملف على مختصين أممين.

فهل يساهم تدويل هذه القضية في طيها إلى الأبد؟

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG