رابط إمكانية الوصول

logo-print

في الـ29 من أكتوبر، سيكون قد مر على اختفاء الزعيم اليساري المغربي، المهدي بن بركة، 52 سنة. مدة لم تكف بعد لحل لغز "أين اختفى بن بركة"؟

عبد الواحد الراضي، أحد قيادات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وممن جايلوا بن بركة في خمسينات وستينات القرن الماضي، وهو أيضا أقدم برلماني في المغرب ووزير عدل سابق، يعود، في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، إلى ترتيب تفاصيل اختفاء رجل ما زال المغاربة يتذكرون قضيته باعتبارها إحدى أكثر القضايا إلغازا في تاريخ المغرب.

نص المقابلة

في كتابك "المغرب الذي عشته"، فصلت الحديث عن المهدي بن بركة، هل لك أن تعود بنا إلى بداية علاقتك به؟

كانت علاقتنا كعلاقة باقي الشباب به، لكن في أحد الأيام، وبينما كنت أقوم بعملية تأطير داخل الشبيبة، حضر المهدي وجلس ينصت لما أقوله وما أقوم به، وبعد انتهائي ذهبت إليه، وكانت هذه اللحظة بالفعل بداية قربي منه بشكل أكبر.

وبدأ يستدعيني دائما إلى اللقاءات المهمة ويسند إلي العديد من المهام داخل الحزب، وكذلك في تأسيس العديد من القوانين الأساسية المتعلقة بالجمعيات، كجمعية الطفولة الشعبية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب وكذلك الشبيبة الاستقلالية.

ما هي آخر لقاءاتك ببن بركة؟

عاد المهدي إلى المغرب سنة 1962، بمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني للحزب، وكنا نترقب استفتاء الدستور والانتخابات، لذلك استأنف عمله داخل الحزب. الحزب تأثر بغياب المهدي، لكن بعد عودته انتعش، وخلال الاستفتاء الدستوري احتك شباب الحزب مع بن بركة كثيرا.

في سنة 1963، قررنا المشاركة في الانتخابات، والمهدي كان المكلف باختيار المرشحين واختارني للترشح في سيدي سليمان (غرب)، مسقط رأسي، وفعلا نجحت في الانتخابات رفقة مجموعة من زعماء الحزب، بينهم المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ومحمد الحبابي وآخرون.

كان يفسر لنا أسباب الخلافات بينه وبين ولي العهد في الاجتماعات، ومع الوقت أصبح الخلاف علنيا

بعد هذه الانتخابات، كنا نستعد لانتخابات الجماعات المحلية والغرف، وخاصة الغرفة الثانية، وفي وقت كان فيه القمع في أقصى درجاته، كنا نجتمع لتدراس هل سنستمر في المشاركة أو لا، وخلال هذه الفترة قرر المهدي أن يسافر إلى فرنسا لأن له التزامات.

كانت هذه آخر مرة سترى فيها المهدي بن بركة؟

كانت آخر مرة سأراه فيها، فبعد إعلان النتائج قال لي إنه سيسافر، وعاودت اللقاء به في ليلة ما قبل سفره.

ماذا كان آخر حديث دار بينكما؟

تحدثنا عن البرلمان وكيف سننظم العمل داخله. كنت متشوقا للعمل معه من جديد، لأنني سأتعلم منه أشياء أخرى، خاصة أنه كان رئيس المجلس الوطني الاستشاري الذي تأسس في 1956 وانتهى في 1959، وبالتالي كانت له تجربة برلمانية متمكنة.

ورقة كتبها بن بركة بخط يده حول الديمقراطية المحلية (المصدر: كتاب عبد الواحد الراضي)
ورقة كتبها بن بركة بخط يده حول الديمقراطية المحلية (المصدر: كتاب عبد الواحد الراضي)

بعد ذلك، لن يعود المهدي بن بركة مجددا إلى المغرب، أليس كذلك؟

الانتخابات التشريعية كانت في 17 ماي 1963، وفي بداية يونيو سافر المهدي بينما كنا نحضر لانتخابات الغرف والجماعات المحلية. وكنا، كما قلت سابقا، نجتمع لتدارس مشاركة الحزب من عدمها.

وفي إحدى الاجتماعات التي نظمها المجلس الوطني، بحضور عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي وعمر بن جلون ومحمد عابد الجابري، تم إلقاء القبض علينا وتم اتهامنا بأننا نُعِد لمؤامرة ضد الملك والملكية، وصدرت خلال ذلك الوقت العديد من أحكام الإعدام في حق قيادات الحزب.

بعد هذه المرحلة تجدد النقاش: هل ندخل البرلمان أم لا؟ وكان لعبد الرحيم بوعبيد دور كبير في مسايرة المرحلة، واجتمعنا في بيته، وشدد على ضرورة حضور الحزب داخل البرلمان من أجل استغلال المنبر والدفاع عن الحزب وعن المعتقلين، وهذا ما تم.

وكيف واكب المهدي بن بركة هذا التفاعل؟

واكبه من الخارج، وكان المهدي متفقا مع ما يقول بوعبيد، خاصة أن هذا الأخير كان عمليا هو قائد الحزب بعدما غادر المهدي إلى الخارج.

أعود معك إلى علاقة المهدي بن بركة بالحسن الثاني، الذي كان حينها وليا للعهد، كيف كانت صلاتهما؟

كانت وطيدة جدا، ومولاي الحسن كان معجبا كثيرا ببن بركة، أولا لأنه كان أستاذه في الرياضيات، والأكثر من هذا كان لزعماء الحركة الوطنية علاقة قوية مع الحسن الثاني وكانوا يلتقونه كثيرا.

وفي إحدى المرات اضطر المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد الدخول إلى القصر الملكي للقاء مولاي الحسن داخل صندوق السيارة، كي لا يعلم المستعمر بلقائهم بمولاي الحسن.

والحسن الثاني، وفي مذكراته، عبّر بالواضح عن تأثره بالمهدي بن بركة، سواء في طريقة اللباس، أو في الفكر السياسي وتكوينه.

المهدي بن بركة والحسن الثاني مباشرة بعد عودة العائلة الملكية من المنفى (مصدر الصورة: كتاب الراضي "المغرب الذي عشته")
المهدي بن بركة والحسن الثاني مباشرة بعد عودة العائلة الملكية من المنفى (مصدر الصورة: كتاب الراضي "المغرب الذي عشته")

ألم يكن هناك أي صراع بين الحسن الثاني والمهدي بن بركة؟

فيما بعد سيبرز الصراع، خاصة بعد الاستقلال، ففي سنتي 1956 و1957 كان الصراع بينهما خفيا، لكن في سنة 1958، ومع تشكيل حكومة أحمد بلافريج، سيبرز الصراع بشكل كبير، وسيتطور في ظل حكومة عبد الله إبراهيم، خاصة بعد موقف الحسن الثاني من هذه الحكومة، فقد كان ضد سياستها وحاربها، كما قال بنفسه.

الصراع زاد بعدما تم توقيف حكومة عبد الله إبراهيم في شهر ماي سنة 1960، وتم تشكيل أول حكومة من دون أحزاب ولو كانت فيها شخصية وطنية فقط، ولم تضم أشخاصا من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

هل سبق أن تحدث لك المهدي بن بركة عن علاقته المتوترة بالحسن الثاني؟

هذا كان موضوع نقاش مستمر، وكان يفسر لنا أسباب الخلافات بينه وبين ولي العهد في الاجتماعات، ومع الوقت أصبح الخلاف علنيا.

كنت من بين أول مع علموا باختطاف بن بركة، كيف جرى ذلك؟

في يونيو 1965 تم إعلان حالة الاستثناء، لكن قبل ذلك كان هناك تواصل بين الملك الحسن الثاني ووفد من الاتحاد، ضم عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي وحسن صفي الدين الملقب بحسن العرج.

وخلال اللقاءات دعا الحسن الثاني إلى مشاركة الاتحاد في الحكومة وهو ما رفضه الوفد بسبب غياب الأغلبية، وهنا اقترح الحسن الثاني حالة الاستثناء على أن تتم إعادة الانتخابات ويتم الاحتكام لنتائجها في تشكيل الحكومة.

وفي هذا الإطار، كلف الحسن الثاني الأمير مولاي علي، الذي كان سفيرا للمغرب في ألمانيا، بالتواصل مع المهدي بن بركة من أجل عودته إلى المغرب وفتح صفحة جديدة بينه وبين الملك، وبين الملك والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ككل، وكان الاتفاق أن لا تدوم فترة الاستثناء أكثر من شهرين.

خلال هذه الفترة كانت للمهدي التزامات، وكان يلعب أدوارا مهمة في منظمة التعاون الأفريقي الآسيوي، ثم فيما بعد بأميركا اللاتينية، وكان هناك استعداد لتنظيم مؤتمر دولي جديد لتضامن القارات الثلاث، وكان هو رئيس اللجنة التحضيرية.

وبعد تلقيه دعوة الملك، طلب منه أن يعطيه مهلة إلى أن ينتهي مما يقوم به قبل عودته إلى المغرب، وهذا كان في صيف 1965، لكن فجأة توقفت اللقاءات بين الملك وعبد الرحيم بوعبيد وتوقف كذلك إلحاح الملك على المهدي بن بركة من أجل دخوله إلى المغرب، وما وقع فيما بعد هو اختطاف المهدي.

كيف علمت باختطاف بن بركة؟

قبل اختطافه بحوالي أسبوع، حضرت رفقة التهامي الأزموري، الشخص الذي سيكون بجانب المهدي خلال الاختطاف، لقاء جامعيا بيوغوسلافيا، وخلال عودتنا يوم 25 أكتوبر للمغرب فضل التهامي الأزموري المرور على باريس والبقاء بعضة أيام هناك، حيث التقى المهدي بن بركة.

يوم 29 أكتوبر كنت في البيت، اتصلت بي زوجة طبيب القلب عبد السلام التازي وقالت لي إنها تود رؤيتي، فاتفقنا على أن تمر علي بالبيت في المساء. زوجة التازي نرويجية وزوجة التهامي الأزموري نرويجية كذلك، وبالتالي فالأزموري كلف زوجته بإخباري، لكنهم كانوا يعرفون بأن هواتفنا مراقبة، لذلك تواصلت مع زوجة التازي باللغة النرويجية المحلية، وقالت لها إنه يجب أن تخبري الراضي باعتقال المهدي، وهذا ما جعلني أول شخص من غير الرسميين يعلم بالخبر.

التهامي الأزموري الذي عاين اختطاف بن بركة أثناء توجهه إلى الشرطة الفرنسية للإدلاء بشهادته (المصدر: كتاب الراضي)
التهامي الأزموري الذي عاين اختطاف بن بركة أثناء توجهه إلى الشرطة الفرنسية للإدلاء بشهادته (المصدر: كتاب الراضي)

لكن، في الأول لم نكن نعتقده اختطافا. ذهبت إلى عبد الرحيم بوعبيد وأخبرته فتفاجأ كثيرا، قبل أن نباشر اتصالاتنا لنعرف ما جرى، لكن في تلك الليلة أكدت فرنسا رسميا غياب أوامر باعتقال المهدي، وفي تلك اللحظة أحسسنا بخطورة ما وقع، فبدأت تتسرب الأخبار عن ضلوع المخابرات الفرنسية.

وماذا عن الطرف المغربي؟

أحد الأشخاص الذين كانوا في المؤامرة، ويحمل اسم "فيكون"، كانت له اتصالات مع أعضاء المافيات وكذلك مع المثقفين، وكان من بين المجموعة التي تهيئ للفيلم الذي استعملوه من أجل استدراج المهدي.

هذا الشخص يدعي، وفي تصريحات صحافية، أن أوفقير كان في مكان الحادث وأخرج سكينا وهدد بن بركة، لكن المقال الصحافي لم يقدم تفاصيل أكثر بل اكتفى بذكر وجود أوفقير في مكان الحادث.

وانتشرت معلومات إضافية تفيد بحضور الدليمي كذلك وأحد عناصر المخابرات اسمه الشتوكي فيما اسمه الأصلي هو التونسي. وهذا ما يؤكد تواطؤ المخابرات المغربية والمخابرات الفرنسية في اختطاف بن بركة.

رسالة من بن بركة إلى مخرج الفيلم الذي عبره تم استدراجه واختطافه (المصدر: كتاب عبد الواحد الراضي)
رسالة من بن بركة إلى مخرج الفيلم الذي عبره تم استدراجه واختطافه (المصدر: كتاب عبد الواحد الراضي)

هل تورط المخابرات المغربية يعني تورط نظام الحسن الثاني كذلك في العملية؟

أبحاث فرنسية أوضحت أن للدليمي وأوفقير دورا في اختطاف المهدي، وتم الحكم عليهما رفقة أسماء فرنسية، وبما أن وزير الداخلية ومدير الأمن المغربي (يقصد أوفقير) متورط في العملية، فالأكيد أن الحكومة المغربية لها مسؤولية في العملية، وهؤلاء من مسؤولي الدولة، وبالتالي الدولة كذلك تتحمل مسؤوليتها.

​​هل تقصد بالدولة تورط نظام الحسن الثاني؟

هناك العديد من السيناريوهات، لكن الأقرب هو أن أوفقير، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية، علم بفتح الحسن الثاني الحوار مع بن بركة والاتحاد من أجل تعيين حكومة تضم الأحزاب، بما فيها الاتحاد، وهذا ما سيجعل أوفقير بعيدا عن الحكومة لأن الأحزاب التي ستصل إلى الحكومة لن تشتغل مع أوفقير.

الجنرال أوفقير (يسار الصورة) ينقذ الحسن الثاني في 1971 ويتهم بمحاولة الانقلاب عليه سنتين بعد ذلك
الجنرال أوفقير (يسار الصورة) ينقذ الحسن الثاني في 1971 ويتهم بمحاولة الانقلاب عليه سنتين بعد ذلك

أحس أوفقير بأن موقعه مهدد إذا ما سارت الأمور هكذا، لذلك هناك من يقول إن أوفقير هو من يقف وراء عملية الاغتيال ووضع الحسن الثاني أمام الأمر الواقع من أجل قطع الطريق على الاتحاد، وبالفعل هذا ما وقع، ولم نعد نهتم لا بالبرلمان ولا الحكومة أكثر من اهتمامنا بحل لغز بن بركة.

سنة 2015 بعث الملك محمد السادس برقية إلى الحفل التأبيني للمهدي بن بركة، وهو ما اعتُبر سابقة في مسار هذه القضية. مباشرة بعد الرسالة الملكية قلتَ إن لغز المهدي بن بركة في طريقه للحل. اليوم، وبعد ثلاث سنوات، هل فعلا هذا اللغز في طريقه للحل؟

كان استنتاجا فقط، فمرور 50 سنة على الاختطاف يؤكد أن الناس الذين شاركوا في القضية في تقاعد أو شارفوا على النهاية أو ماتوا، كأوفقير والدليمي والعديد من عناصر المخابرات.

وبالتالي، فحتى لو عُرفت الحقيقة الآن فلن تؤذي أحدا لأن الجميع تقريبا ذهب، وكان الأمل أن من بقي على قيد الحياة يمكن أن يدلي بالحقيقة، لكن لا أمل في وجود وثائق رسمية بالمغرب.

في نظرك، من يمتلك الآن حقيقة ما وقع؟

من لديهم الحقيقة جلهم توفوا، لكن الأكيد أن الفرنسيين لديهم حقيقة ما وقع، لأن الحادث وقع عندهم، ولديهم وثائق في أرشيف المخابرات ووزارة الداخلية تتحدث عن كيفية التوقيف والاعتقال والقتل وحتى مكان الدفن، ولا يمكن أن نقول إن الفرنسيين لا يعرفون الحقيقة.

عائلة بن بركة اعتبرت أن الرسالة الملكية لا تتضمن تعليمات من شأنها كشف حقيقة اختفاء المهدي، في نظرك هل العهد الحالي مع محمد السادس دفع، بشكل ولو جزئي، بقضية اختطاف بن بركة نحو الحل؟

لو كان الملك محمد السادس يعرف شيئا عن القضية، أعتقد أنه ستكون له الشجاعة ليقولها، وهذا ما أبان عنه في العديد من المناسبات، وتحمل المسؤولية في العديد من القضايا، مثلا من خلال إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، وهذا اعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها الدولة في عهد الحسن الثاني.

ابن المهدي بن بركة، بشير بن بركة، في وقفة بباريس للمطالبة بكشف مصير والده
ابن المهدي بن بركة، بشير بن بركة، في وقفة بباريس للمطالبة بكشف مصير والده

​وهذا ما ينطبق على قضية المهدي بن بركة كذلك، فقد أعطى التعليمات لكل الإدارات التي يمكن أن تساعد على حل قضية المهدي، لكن لم يصدر عنها أي شيء.

الآن ما زال المجلس الوطني لحقوق الإنسان مكلفا رسميا بمواصلة البحث في هذه القضية، لكنه يبحث في ظل غياب الأرشيف، وبالتالي أعتقد إذا ما مات جميع المغاربة الذين عاشوا الحدث، فلا يمكننا معرفة الحقيقة إلا عن طريق الأرشيف الفرنسي حول القضية.

اقرأ أيضا: اختفى في مثل هذا الشهر..7 معلومات عن بنبركة

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG