رابط إمكانية الوصول

logo-print

صاحب كتاب 'أكثَر أبو هريرة': لهذا يجب الفصل بين الدين والدولة


مغاربة يصلون خارج أحد المساجد بمدينة مراكش

مصطفى بوهندي، كاتب ومحاضر مغربي متخصص في مجال مقارنة الأديان. أثار الكثير من الجدل في عدد من كتاباته ومحاضراته بسبب نقده للفكر الديني، وخاصة رأيه في عصمة الأنبياء وفي الأئمة المسلمين.

كتابه "أكثر أبو هريرة" كان الأكثر إثارة للجدل، والسبب تنقيبه عن السر وراء ورود أحاديث كثيرة منسوبة إلى الرسول ومنقولة عن مصدر واحد.

"أصوات مغاربية" حاورت بوهندي حول عدد من القضايا المطروحة للنقاش.

مصطفى بوهندي
مصطفى بوهندي

نص المقابلة

تدعو إلى تجديد الفكر الديني بصفة عامة والإسلامي بصفة خاصة، ماذا تقصد بتجديد الفكر الديني بالضبط؟

تجديد التفكير الديني يعني بالأحرى أن الأفكار بشكل عام لها أعمار، الفكرة تولد وتحيى ثم تموت، ولذلك نحتاج دائما إلى ولادة أفكار جديدة.

تجديد التفكير الديني يعطي للدين حياة وللحياة حيوية لينتفع بها الناس وتصبح للدين فاعليته وفائدته للناس، والأفكار منسجمة مع الواقع الذي نعيش فيه.

نحن اليوم نعيش مع أفكار لم ننتجها ومن ثم لا تفيدنا في شيء ولا تجيب عن أسئلتنا. الأفكار التي لا تكون فعالة في واقعها قد تكون معيقة في بعض الأحيان ولا تترك الحياة تسير بشكل طبيعي.

تحدثت في حوارات سابقة عن الحاجة إلى فقه مدني، هل تقصد أنه يمكن للفكر الإسلامي أن يتوافق مع دولة مدنية تفصل الدين عن الدولة؟

فكرة الفقه نفسها بالطريقة التقليدية التي نجدها في الكتب والمساجد تنتمي إلى مرحلة أخرى، إلى حكم وحاكم ومحكوم، أي يجب أن تنفذ تحت غطاء الممنوع والحرام والحلال.

الفقه في القرآن هو الفهم. الأمور في الحياة معقدة ويجب أن نفهمها لكي نتخذ الموقف المناسب في الوقت والمكان المناسب.

ولذلك، عندما يرغب الإنسان أو الدولة والمؤسسات في اتخاذ قرارات، يجب أن تتداخل في هذه القرارات جهات مختلفة من أجل فهم الظاهرة، أي أن نستحضر إرادات ومذاهب وتخصصات مختلفة.

يجب النظر إلى الوحي باعتباره إلهاما وليس إلزاما

​يجب أن نساعد الناس على فهم الظواهر، ونبين لهم المنافع والمضار ثم نترك لهم حرية الاختيار.

إذا لم يتم تجديد هذا الخطاب في أمور كثيرة تتعلق بحياتنا، فإننا لن نستطيع أن نستفيد من الإشارات والتنويرات الدينية. يجب النظر إلى الوحي باعتباره إلهاما وليس إلزاما.

تدافع عن فصل الدين عن الدولة، ألا ترى أن طريقة فهم الإسلام، على الأقل في المغرب، وعلى مستوى رسمي أيضا، لا يمكنها استيعاب هذا الفصل؟

هذا موضوع كبير، لأنه في الحقيقة ليس هناك فصل حقيقي بين الدين والدولة حتى في أكبر الديمقراطيات، فعندما يصبح لكنيسة 30 مليون منخرط يؤدون الواجب الشهري ويؤثرون على الرجل السياسي ويعطونه الأصوات، فإننا لا يمكن أن نتحدث عن فصل كامل بين الدين والدولة.

لا يجب إدخال الدين في عملية التسييس

ما يجب أن نفهمه أن الدين لا يجب إدخاله في عملية التسييس، ولكن هذا لا ينفي أن حياة الإنسان المتنوعة بمجالاتها المختلفة لا بد فيها من الدين، أقصد الدين من أجل نفع الإنسان ورحمة الإنسان، إلا أن سلوكات الكثير من الناس وفهمهم قد يكون عنصريا ومذهبيا لحساب جماعة ما دينية أو لغوية أو عرقية.

يقوم جزء من الفقه الإسلامي الحالي على أفكار تقدم على أنها ثوابت مثل تطبيق الشريعة والحاكمية... هل هذه "الثوابت" قابلة للتجاوز في نظرك؟

غاية الإسلام بشكل عام هو أن يفهم الناس، بعد ذلك إذا أرادوا أن يطبقوا شيئا عليهم أن يتفقوا عليه. الناس أحرار في أن يصنعوا قوانينهم.

لا يمكن أن نقول إن الله هو من يقول بتطبيق الشريعة، ولكن الناس هم من يقولون بها. موضوع تطبيق الشريعة يكون فقط بفهم الناس للقيم التي جاء بها الدين.

الشريعة هي أحكام وضعية من اجتهاد الفقهاء وليست أحكاما شرعية، أما شرع الله فهو عبارة عن مبادئ إنسانية يسير عليها الكون كله وليست خاصة بدين دون آخر، مثل قيم العدل والرحمة والأخوة.

نحن لا نقبل أن يأتي فقيه ويجتهد ويخرج لنا أحكاما فرعية ويقول لنا عليكم الالتزام بها، قد يكون لدي اجتهاد آخر في الموضوع.

أثرت الكثير من الجدل بسبب مواقفك مثل التشكيك في عصمة الأنبياء وآرائك حول بعض الأئمة كالإمام مالك وابن كثير... هل تعرضت لهجوم بسبب هذا؟

أنا أقول ما أراه صحيحا، والناس الذين لا يرضيهم ذلك عليهم أن يردوا، ومن حقهم ذلك، ولكن المطلوب منهم أن يكونوا مؤدبين أكثر.

لم يأت نبي بما كان يريده قومه، بل أتوا للإصلاح في ظروف معينة، وفي الكثير من الأحيان تمت مواجهة اقتراحاتهم بالعنف، بل بالقتل حتى، فكيف لرجل عادي مثلي أن يغضب لأنه يقول كلمة مناوئة لما يؤمن به الناس؟

ولكن أقول إذا أردنا أن نُعلم أبناءنا شيئا علينا أن نُعلمهم الروح النقدية، لأنها تعطيهم شخصيات جديدة ومؤثرة لها كلمتها وتميزها.

تهتم أيضا بقضايا حقوق النساء ومكانة النساء في الأديان.. ما رأيك في النقاش الدائر اليوم حول المساواة في الإرث؟

كل المواضيع تُناقش، إذا كان القرآن يقول "يا أيها الناس إذا كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا"، فحتى البعث والأمور المتعلقة بالتوحيد تناقش، فما بالك بالأمور الاجتماعية، ينبغي فقط مراعاة مصلحة الإنسان في ذلك.

أنا أرى أنه لم يُعتنى بموضوع المرأة حتى في ما قُرر لها، لأن أكثر دعاوى محاكم الإرث هي دعاوى نساء على الوصي الذي يأخذ حق المرأة كاملا. ولذلك أقول للمدافعين عن حقوق النساء، يجب أن نبدأ بالحقوق الموجودة والمهضومة عمليا.

النص الديني له مقاصد، وإذا كانت وظيفة المرأة في المجتمع وظروفها وطبيعتها قد تغيرت، فيجب لمن يدافع عن المساواة في الإرث أن يثبت لنا ذلك، كما يجب النظر في الموضوع من جوانب متعددة، لأن الاقتراح الديني اقتراح متكامل، ولذلك أنا لست مع ولست ضد ولكنني أؤيد الحوار في الموضوع.

في سياق الحديث عن المواضيع التي تطرح على ساحة النقاش العمومي، هناك موضوع حرية المعتقد، هل يمكن للإسلام أن يقبل حرية المعتقد؟

طبعا، لأن الدين يقوم على الإيمان، والإيمان هو حرية المعتقد. لا بد وأن يكون الإيمان مبنيا على العلم والحرية.

موضوع الكفر أو الإيمان حق من حقوق الإنسان، ولذلك فالأنبياء جاؤوا مبشرين ومنذرين ولم يأتوا ملزمين. لا يمكن أن يكون هناك دين بالإكراه، وكل مكره على الدين ليس متدينا، فهو إما يخاف أو يكذب أو ينافق.

تفرق بين ما تسميه "إسلام الله وإسلام المسلمين".. كيف ذلك؟

إسلام الله هو الذي يقوم عليه الوجود، فالكون كله عابد لله. عندما يدرك الإنسان إسلام الله يتصالح مع كل شيء ويصبح قطعة منسجمة من هذا الوجود تسير وفق نظام العبودية لله.

دين الله الحقيقي لا ينتمي إلى مكان ولا إلى زمان ولا عصر ولا لون، هو دين الحرية والمحبة والعدل والتسامح…

التفكير الديني التقليدي عموما فيه مشاكل

​لكن عندما لا يفهم الإنسان هذه الأبعاد، فهو يؤمن بدين الجماعة الذي صنع عبر التاريخ، ويعتقد نفسه على حق والآخرين على باطل.

بصفتك أستاذا في مقارنة الأديان، هل ترى أن الإسلام، كما هو مفهوم حاليا في المجتمع المغربي، لا يعترف بمبدأ التعايش الديني ولا يعترف بالأقليات غير المسلمة؟

التفكير الديني التقليدي عموما فيه مشاكل، ولكن التقنية والأدوات والتواصل الموجود اليوم في العالم والذي وصل إلى المغرب أمور تجعل الناس تنقص من تطرفها وتفهم أن في كل دين تجربة جميلة يرغب في التعرف عليها، ومن ثم يقل رفض الآخرين.

على غرار كتابك "أكثر أبو هريرة"، صدر كتاب "صحيح البخاري.. نهاية أسطورة" للكاتب المغربي رشيد أيلال، لكنه منع من التوقيع في قاعة عمومية.. ما سبب الاعتراض على مثل هذه الكتابات في نظرك؟

أظن أن الناس المسؤولين في مراكش اعتقدوا أن هذا الكتاب ضد الدين وضد المذاهب وضد البخاري، لأنه لدينا في المغرب بعض المقدسات التي تمارس تضييقا على الحرية، ولكن هذا كله سنتجاوزه، فبمجرد أن خرج كتاب اسمه "نهاية أسطورة البخاري" ويطبع وينشر فهذا تقدم مهم.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG