رابط إمكانية الوصول

logo-print

محمد بوضياف.. رئيس حارب الفساد والتشدّد.. فاغتيل!


الراحل محمد بوضياف

السي الطيب الوطني، صاحب ملامح الجزائر بتجلياتها وتضاريسها، باسم الثغر والقلب، خاط للثورة عباءتها، فجر فتيل الغضب ضد الاحتلال، غدر به رفاق دربه الذين رموا به في السجن بعد الاستقلال، قبل أن يعيش في المغرب منفيا، وبعدما أعاده بعضهم إلى الحكم، تعرض للخديعة مرة أخرى، حارب التشدّد والفساد، مثلما حارب القمع، قبل وبعد الاستقلال.. إنّه محمد بوضياف الرئيس الجزائري الذي اغتالوه أمام العالم.

خطّط وفجّر وقاد الثورة

"لم يكن أبي يتفق مع سياسة فرنسا، فهو لا يحب الفرنسيين، وهم لا يحبونه أيضا، لقد فرّ من عنابة إلى فرنسا ثم إلى المغرب، وأخذ معه أخي الأكبر خير الدين الذي توفي في الثمانينيات. فمسألة الصراعات قديمة!".

كان هذا مقطع من حديث لـ"ناصر بوضياف" نجل الرئيس المغتال، أجراه معه الكاتب الصحفي نورالدين خبابة، يوم 1 نوفمبر 2011.

لا أحد كان يتصوّر أن ابن مدينة المسيلة محمد بوضياف، المولود يوم 23 يونيو 1919، سيعيش حياة السجن والمطاردة والمنفى من رفاقه، ولا أحد كان يتصور في تلك اللحظات التي اندلعت فيها الثورة ضد الفرنسيين، أن بوضياف سيكون الرئيس الرابع للجزائر المستقلة، وسيُغتال على المنصة أمام الشباب.

مناضل مُطارد

درس بوضياف المرحلة الابتدائية في مدرسة "شالون" ببوسعادة، كان جنديا في الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، انضم إلى حزب الشعب بقيادة مصالي الحاج، ثم انخرط عضوا في المنظمة السرية عام 1947 التابعة للحركة من أجل انتصار الديمقراطية، وفي سنة 1950 أصدرت السلطات الفرنسية حكما غيابيا يقضي بسجنه لمدة 8 سنوات، وذلك بعدما كشفت الشرطة السرية عن المنظمة الخاصة.

كان بوضياف وقتها في فرنسا مناضلا في صفوف الجالية الجزائرية هناك، وفي مارس 1954 باشر محمد بوضياف نشاط التحضير للثورة المسلحة رفقة ثمانية من القيادة التاريخيين، ثم انتخب منسقا لمجموعة الـ 22 الشهيرة التي تعتبر نواة تفجير الثورة الجزائرية التي حضّر لاندلاعها ليلة 1 نوفمبر 1954.

الخروج من مركز الثورة

يقول عنه المؤرخ آرزقي فراد "كان يساريا ولعب دورا كبيرا في تأسيس جبهة التحرير، والإعداد للثورة، فقد كان المنسق الأول لجبهة التحرير الوطني، وفي أكتوبر 1956 تم توقيفه رفقة باقي الزعماء، وقد خرج من مركز الثورة إلى محيطها، بسبب تلك الحادثة"

ظل مبعدا من 56 إلى 62، وإبعاد محمد بوضياف عن الثورة، غيّر مجرى الأحداث في اعتقادي، وفي 1962، اصطدم بأحمد بن بلة، الذي كان يفتقد للكياسة السياسية، فزج به في السجن، ثم فر إلى الخارج، وصار معزولا عن الجزائر".

من سجن ر إلى آخر

وفي صيف 1956 أُنتخب عضوا في مجلس الثورة، بمناسبة أشغال مؤتمر الصومام. وفي أكتوبر من نفس السنة، تعرّضت الطائرة التي كانت تقله من الرباط نحو تونس، رفقة 4 من القيادات الثورية إلى القرصنة، ألقت به السلطات الفرنسية في السجن، رفقة آيت أحمد، خيضر، مصطفى الأشرف، وبن بلة إلى غاية 19 مارس 1962، تاريخ وقف إطلاق النار.

لكن بن بلة الذي قضى معه أكثر من 6 سنوات في السجن، زجّ به في غياهبه، بعدما أصبح رئيسا للبلاد، لأنه عارض الانفراد بنظام الحكم، فغادر جبهة التحرير، وأسس حزب الثورة الاشتراكية المعارض.

أطلق سراحه بعد أسابيع من السجن، وتمكّن من الفرار نحو أوروبا، ثم المغرب، الذي استقر فيه، إلى أن عاد بعد توقيف المسار الانتخابي، واستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، بطلب من شخصيات تاريخية وقادة من المؤسسة العسكرية.

لم تدم فترة حكم محمد بوضياف إلا 6 أشهر، لكنها كانت حافلة بالمواقف والإنجازات، فقد أسس خطابا لمحاربة الفساد والتشدّد، ووعد بإصلاحات سياسية عميقة تعزّز دولة القانون، والحقوق الفردية والجماعية، وتمنح تكافؤ الفرص، وتحقّق العدالة الاجتماعية.

مغامرة

ويرسُم المؤرخ آرزقي وضع بوضياف على النحو التالي "عندما عاد إلى الجزائر مع التسعينيات، لم يكن يعرفها مع الأسف، وبعد عودته دخل في مغامرة سياسية، أوصلته إلى طريق مسدود، ووضع نفسه في حماية العسكر، لم تكن هناك إرادة سياسية للتغيير، فقد أرادوا توظيف مجده النضالي والتاريخي للبقاء في الحكم، وعندما أدركوا عدم قدرتهم على التحكم فيه، قُتل في ظروف غامضة".

الاغتيال الغامض

اغتيل محمد بوضياف يوم 29 يونيو 1992، في دار الثقافة بمدينة عنابة شرق الجزائر على المباشر، وهو يتحدث عن الإسلام المعتدل، والعلم وبناء الدولة.

رصاصات غادرة أنهت حياة مناضل كبير، وشخصية بارزة في تاريخ الجزائر، فكان الاغتيال صدمة للجزائريين، قادت البلاد إلى حرب أهلية دامت قرابة 10 سنوات، ويعتقد المؤرخ الجزائري آرزقي فراد أن "بوضياف اغتيل فعلا في ظروف غامضة، تتحمل الدولة مسؤوليتها".

كانت نهاية محزنة تلك التي انتهى إليها السي الطيب الوطني، ولازال ملف اغتياله من قبل ضابط في القوات الخاصة يدعى بومعرافي، مثار جدل سياسي في الجزائر.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG