رابط إمكانية الوصول

logo-print

أحيت موجة الهجرة السرية، انطلاقا من الشواطئ التونسية نحو سواحل إيطاليا، الجدل مجددا حول حرية تنقل الأشخاص بين الفضاء الأوروبي وتونس.

وتعالت الأصوات المطالبة بضرورة منح التونسيين تأشيرات دخول إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، أو تسهيل إجراءات الحصول عليها. فهل تُسقط إيطاليا تأشيرة دخولها أمام التونسيين؟

اتفاق في الأفق

أجرت السلطات الإيطالية ونظيرتها التونسية سلسلة لقاءات مكثفة في الآونة الأخيرة. وتصدرت ظاهرة الهجرة السرية أجندة اللقاءات بين الطرفين، وتم التوصل خلالها إلى ضرورة إبرام اتفاق للهجرة.

واتفق خميس الجهيناوي، وزير الخارجية التونسي ونظيره الإيطالي، أنجيلينو ألفانو، حسب بلاغ نقله موقع الخارجية التونسية على "النظر في إمكانية إبرام اتفاق ثنائي ينظم الهجرة، بما يستجيب لحاجيات سوق الشغل الإيطالية ويساعد على خلق فرص عمل للشباب التونسي".

كما أكد البلاغ أن الجانبين اتفقا على "إيلاء الشباب الأهمية التي يستحقها في إطار التعاون بين البلدين من خلال الزيادة في عدد المنح الجامعية وربط علاقات تعاون وشراكة بين الجامعات التونسية ونظيرتها في إيطاليا".

وتأتي هذه التطورات في ظل ارتفاع كبير في أعداد المهاجرين السريين الذي نجحوا في الوصول إلى الضفة الغربية من المتوسط.

اقرأ أيضا: لماذا تركب نساء تونس قوارب الموت؟

وكشفت منظمة الهجرة الدولية، في تقرير لها، عن وصول 1400 مهاجر سري تونسي إلى السواحل الإيطالية في شهر سبتمبر الماضي، فيما يقدر منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عددهم في شهر أكتوبر بنحو 1500.

وكشفت دراسة نشرها المنتدى، في نهاية العام الماضي، عن استعداد 31 في المئة من شباب تونس لخوض تجربة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

ضبط الحدود

تصاعدت الدعوات في تونس إلى ضرورة اعتماد الدول الأوروبية إجراءات أيسر للراغبين في التحول إلى دول القارة بصفة شرعية.

ويقول رئيس مركز الدراسات المتوسطية والدولية، أحمد إدريس، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن على الدولة التونسية تكثيف ضغوطاتها في إطار الاتفاق الشامل للتبادل الحر من أجل تفعيل قرار يسمح للتونسيين بالتحول إلى أوروبا بكل حرية.

ويضيف إدريس قائلا إن "رغبة الدول الأوروبية في تحويل تونس ودول شمال أفريقيا إلى حراس للحدود الخارجية للاتحاد، يجب أن يرفق بخطوة تسمح لمواطني هذه الدول بالتنقل إلى أوروبا".

ويقترح الأكاديمي التونسي أن "يتم رفع قيود السفر على مراحل عدة تبدأ بحذف التأشيرات على بعض الفئات، ثم يتم توسيع قائمة الأشخاص المستفيدين قبل الوصول إلى الرفع التام لهذه القيود".

وفي ظل تنامي المخاوف الأوروبية من تسلل عناصر متطرفة من تونس إلى الضفة الغربية من المتوسط، يقول إدريس إن "رفع تأشيرات السفر سيقضي نهائيا على ظاهرة الهجرة السرية، وبالتالي ستسهل عملية مراقبة سجلات الوافدين عبر البوابات الرسمية".

وينفي رئيس مركز الدراسات المتوسطية والدولية أن تكون هذه الأفكار غير واقعية قائلا: "هناك أمثلة عديدة اضطر فيها الأوروبيين إلى فتح المجال أمام رعايا دول معينة مقابل حراسة حدودها الخارجية، مثل أوكرانيا التي لا تنتمي لفضاء شينغن".

بدوره، يرى رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مسعود الرمضاني، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن رفع تأشيرات السفر على التونسيين سيحد من حجم التحديات الأمنية المتعلقة بهذه الظاهرة، كما سينهي ظاهرة قوارب الموت وما يصحبها من مخاطر على تونس وأوروبا على حد السواء".

موقف تفاوضي

لا يشاطر الخبير الدبلوماسي، عبد الله العبيدي، الرأي الذي يعتبر أن بإمكان تونس التفاوض من موقع قوة لفتح الفضاء الأوروبي على مواطنيها، قائلا إن "تونس لا تستطيع في الوقت الراهن فرض شروطها الصعبة على العواصم الغربية، ولا بد للسلطات التونسية أن توحد جهودها مع دول شمال أفريقيا كالجزائر والمغرب وإيطاليا نفسها باعتبارها متضررة للضغط على بقية دول أوروبا من أجل إلغاء التأشيرات أو التخفيف من إجراءاتها على الأقل".

ويعتبر العبيدي أن خفض حدة المشاكل التي يواجهها الشباب التونسي في بلده، من شأنه أن "يسهل مأمورية التونسيين في التفاوض على رفع التأشيرات على اعتبار أن عدد الراغبين في التحول إلى أوروبا سيتناقص في هذه الحالة".

من جهته، يستبعد المحلل السياسي، مختار الدبابي، أن "تلجأ أوروبا إلى الإعفاء من التأشيرة لمكافأة تونس على دورها في صد قوارب الهجرة، لأن ذلك سيعني آليا الاستعداد لقبول مئات الآلاف من الشباب العاطل عن العمل".

ويردف الدبابي: "ليس بمقدور دول مثل إيطاليا أو فرنسا أو ألمانيا، الإقدام على مثل هذه الخطوة، خاصة أنها لم تتوصل بعد إلى اتفاق بشأن حصة كل بلد من الهجرة الوافدة من الشرق".

ويرجح المتحدث ذاته، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن "تجنح أوروبا إلى رفع الدعم المالي والاقتصادي لتونس، وتفعل اتفاقيات سابقة لتدريب العمالة وتأهيلها للعمل في السوق الأوروبية، وهي اتفاقيات تمت بعد اعتبار تونس شريكا فوق العادة للاتحاد الأوروبي".

ويعتبر الدبابي أن "هذا المجال الوحيد الذي يمكن أن تتحرك فيه تونس خاصة أن أوروبا رعت بشكل مباشر عملية الانتقال السياسي في البلاد، وتدعم خيار التوافق بين الإسلاميين والليبراليين".

سيناريو مستنسخ

في غمرة أزمة اللاجئين سنة 2015، نجحت السلطات التركية في التوصل إلى اتفاق تم بمقتضاه إعفاء الأتراك من تأشيرات الدخول إلى أوروبا، مقابل تشدد تركيا في مراقبة حدودها البحرية لإنهاء تدفق المهاجرين الهاربين من الحروب في دول الشرق الأوسط.

ومع ارتفاع نسق الهجرة السرية من تونس، طُرحت فكرة الاستفادة من السيناريو التركي للحصول على امتيازات مماثلة.

غير أن المحلل السياسي، مختار الدبابي، يقول إن المعادلة التونسية ليست نفسها المعادلة التركية.

"تركيا تتمسك بطلب إعفاء مواطنيها من التأشيرة وحرية التنقل في فضاء 'شينغن' في سياق حرصها على استثمار موجة الهجرة ودورها في الحد من تدفق المهاجرين لفرض شروط تقربها من عضوية الاتحاد الأوروبي"، يقول الدبابي.

المهاجرون المغاربيون عبر العالم
المهاجرون المغاربيون عبر العالم

ويستطرد المحلل السياسي أن من بين هذه الشروط المساواة في التعامل بين المواطنين الأتراك ونظرائهم الأوروبيين عن طريق التوقف عن طلب التأشيرة.

ويضيف المتحدث نفسه: "امتياز الإعفاء بالنسبة لأنقرة هدفه تسهيل تنقل رجال الأعمال الأتراك، وربط اقتصادها بالسوق الأوروبية ليكون قادرا على المنافسة، فيما عدد الأتراك الراغبين في الهجرة إلى الغرب بهدف العمل محدود جدا قياسا بالوضع في تونس".

وفي السياق ذاته، يعتبر الخبير الدبلوماسي، عبد الله العبيدي أن "الدول الأوروبية رضخت لمطالب الأتراك على اعتبار حجم أنقرة السياسي وموقعها الجغرافي، علاوة على أن تركيا عضو في حلف 'الناتو'، ولديها تاريخ عريق في الدبلوماسية، وهي عناصر تؤهلها للتفاوض حول كل الملفات بندية تامة مع الأوروبيين، الأمر الذي لا يطبق على تونس في وضعها الراهن".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG