رابط إمكانية الوصول

logo-print

يلاحظ مؤرخون أن أغلب الحضارات قامت على أنقاض حضارات أخرى، تبعا لما تمليه غريزة البقاء وصراع العصبية، على حد وصف ابن خلدون. هل ينطبق هذا الطرح أيضا على الحضارة الأمازيغية؟ وهل أسس الأمازيغ فعلا حضارة في شمال أفريقيا؟

'نوميديا'.. حاضنة الأمازيغ

الحضارة الأمازيغية، كما يصفها المدافعون عن إرث الأمازيغ القدامى، "قدمت الكثير للإنسانية، دون إقصاء الحضارات الأخرى، ومن غير هوس التوسع الذي وسم تاريخ الحضارات المعروفة"، هذا هو الطرح الذي يتبناه الباحث المغربي، أحمد عصيد.

في نظر أحمد عصيد فإن مسألة كيان الحضارة الأمازيغية ليس محل جدل، فهي حضارة فعلية، أسس لها السكان الأصليون لشمال أفريقيا أو من عرفوا بـ"البربر" عند شعوب أخرى.

ويعتبر مؤرخون أن الحضارة الأمازيغية من أقدم الحضارات في شمال أفريقيا، محددين امتدادها من "واحة سيوة المصرية" إلى غاية شواطئ المحيط الأطلسي، ومن البحر المتوسط شمالا وحتى الصحراء الكبرى في وسط أفريقيا.

هذه المنطقة، التي يعتبرها المؤرخون مجالا لامتداد الحضارة الأمازيغية، كان يطلق عليها الإغريق قديمًا "نوميديا".

ويعتبر عصيد أن "الإنسانية سمة الحضارة الأمازيغية". ويؤكد الباحث الأمازيغي أن "التوسع جغرافيا لم يكن هدفا للأمازيغ بقدر تمسكهم بالأرض والدفاع عنها باستماتة".

"لقد جُرّ الأمازيغ لحروب عديدة رغما عنهم، وحاربوا الوندال والبيزنطيين والعرب الأمويين لأزيد من 75 سنة، ليس حبا في الحرب بل استثناء حتميا"، يردف عصيد.

وفي سياق سرده التاريخي للحقبة الزمنية التي حكم فيها الأمازيغ شمال أفريقيا، يكشف عصيد أن الحضارة الأمازيغية قامت على مبدأ التشبث بالأرض ورفض الاحتلال، "بنزعة إنسية ترفض الأجنبي المحتل ولكن لا ترفض التبادل"، على حد تعبيره.

وفي الوقت الذي يؤكد المتحدث ما يسميه "النزعة الإنسانية للحضارة الأمازيغية"، يسوق واقعة يعتبرها استثنائية وتتعلق بما صنعه طارق ابن زياد القائد الأمازيغي المسلم، الذي "قاد 13 ألف أمازيغي، في إطار غزوته في اتجاه الأندلس، في سياق التوسع الإسلامي، وليس الأمازيغي"، على حد وصفه.

الحضارة.. التاريخ واللغة

يتابع عصيد تحليله بتقديم جملة مما سماها "عطاءات الأمازيغ للإنسانية"، إذ يرى أن الحضارة الأمازيغية قامت على تطوير التخمين والعلم، إذ اشتهر الكثير من الأمازيغ بالبحث في الثيولوجيا والفلك والفلسفة.

"ساهم الأمازيغ في تطور الإنسانية، وساهموا في بناء الحضارة الإسلامية، ومنحوا للتجربة الإنسانية عطاءات نسبت لآخرين"، يستطرد عصيد.

عصيد: ساهم الأمازيغ في تطور الإنسانية وبناء الحضارة الإسلامية، ومنحوا للتجربة الإنسانية عطاءات نسبت لآخرين

ويؤكد المتحدث ذاته أن دليل قوة الحضارة الأمازيغية تتمثل في الآثار المعمارية التي ظلت شامخة ضد التحريف، ويذكر هنا الطابع المعماري في بناء المساجد في الجزائر والمغرب، كمثال عن إسهامات الأمازيغ في العمارة الإسلامية.

"هندسة المساجد مستوحاة من الأضرحة الأمازيغية القديمة، فالشكل الهرمي الذي اشتهر به الفراعنة كذلك، استخدمه قدامى الأمازيغ في بناء الأضرحة"، يزيد الباحث والناشط الأمازيغي المغربي مستدلا على فكرته.

​كما يوضح عصيد أن بعض الكلمات الأمازيغية التي اختلطت بالعربية، بحكم الاحتكاك التاريخي مع الأمازيغ، دليل آخر على إسهامات الحضارة الأمازيغية في التجربة الإنسانية بشكل عام.

"حتى كلمة هرم مستوحاة من كلمة "أهرام" الأمازيغية، والتي تعني الحجر الذي يوضع فوق القبر عند اكتمال بنائه"، يقول عصيد، ثم يردف: "الكلمة انتقلت إلى المعجم العربي، واعتبرت عربية بالخطأ".

المرأة.. حق الوجود مكفول

الناشطة الأمازيغية التونسية مها الجويني تركز، من جانبها، على ما تقول إنه "إجحاف معرفي تعرضت له الحضارة الأمازيغية"، إذ ترى أنه، وفي مقابل غزارة الكتابات التاريخية التي تناولت بالدراسة والسرد حضارات الفراعنة والإغريق والرومان على سبيل المثال، تعتبر أن الحضارة الأمازيغية "هُمشت معرفيا أو بغير قصد".

الجويني: المرأة كانت عنصرا مركزيا في المجتمع الأمازيغي

"لم تكتب الحضارة الأمازيغية كباقي الحضارات الأفريقية، لأنها كانت حضارات للشعوب التي تتعرض للغزو والظلم"، توضح الجويني.

وفي معرض حديثها، فضلت الناشطة الأمازيغية التونسية التركيز على "النضج الفكري، الذي اتسمت به الحضارة الأمازيغية"، حسبها.

فهي ترى بأن المرأة كانت عنصرا مركزيا في المجتمع الأمازيغي، ما أعطى الحضارة الأمازيغية صبغة متطورة باحترامها للاختلاف الجنسي وتقسيم الأدوار بالمجتمع خلافا لما كان قائما في المجتمعات الأخرى.

"هذا الإرث جعل من نساء شمال أفريقيا قائدات، انطلاقا من مبدأ المساواة الجندرية التي يتحدث عنها المتنورون اليوم"، تقول الجويني قبل أن تردف: "الأمازيغ ديمقراطيون، وعرفوا المشاركة في الحكم والسلام، وكل القيم الإنسانية التي تناضل من أجلها اليوم نساء هذا القرن".

أما أستاذ التاريخ بجامعة جيجل (شرقي الجزائر)، موهوب ماحي، فيعتبر أن الحضارة الأمازيغية أعطت للإنسانية قيم التسامح مع الغير.

الأمازيغ رجال أحرار، قبلوا التاجر و استفادوا من خبراته، لكنهم حاربوا الغزاة بقوة

ويؤكد مناحي على ما عرف به سكان شمال أفريقيا من ميلهم للاحتكاك بالآخرين، بموازاة مع "استماتتهم في الذود عن تراب الأجداد"، على حد تعبيره.

"الأمازيغ رجال أحرار، قبلوا التاجر واستفادوا من خبراته، لكنهم حاربوا الغزاة بقوة حتى أضحت مقاوماتهم مضربا للمثل"، يضيف مناحي.

وفي رأي أستاذ التاريخ ذاته، فإن "نكران كيان الحضارة الأمازيغية، أو ما قدمته للإنسانية، امتداد للإجحاف الذي أصابها من كتـّاب التاريخ ممن حاولوا طمس الشخصية الأمازيغية المتفردة في قوالب غريبة عنها'.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG