رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

خيام الصيادين.. رجال اختاروا البحر واعتزلوا الأهل


خيام الصيادين في ساحل الوطية

على امتداد الشريط الساحلي المحاذي لبلدة الوطية، الواقعة قرب مدينة طانطان جنوبي المغرب، تنتصب خيام صغيرة تكسر وحشة أرض خلاء، يحدها البحر شمالا وتتوسطها طريق تتجه جنوبًا، على امتداد البصر.

علوها لا يكاد يتعدى المتر الواحد ومساحتها مترين مربعين تقريبا، ولولا الملابس التي علقت على تلك الخيام والأواني الموضوعة عند مداخلها، لما كان هناك شئ يدل على وجود بشري، في مكان لا ماء فيه ولا كهرباء.

ومع الاقتراب منها يتضح أن هناك أشخاصا داخل كل خيمة أو قريبًا منها. فما الذي أتى بهم إلى هنا؟ كيف يعيشون؟ ولماذا اختاروا العيش في أرض خلاء تفتقر لأبرز شروط الحياة؟ أسئلة من بين أخرى نقلتها "أصوات مغاربية" لـ"قرى الصيد" جنوبي المغرب.

إحدى خيام قرى الصيد جنوبي المغرب
إحدى خيام قرى الصيد جنوبي المغرب

من يرتبط بالبحر يعتزل الناس

كانت الساعة تقترب من 11 صباحا.. يجلس محمد القرفصاء وهو يهم بطهي قليل من المعجنات كوجبة للفطور والغداء معا. عمره تجاوز الثانية والستين واشتعل رأسه شيبا. أثاث خيمته غاية في البساطة: جهاز راديو، ملابس رثة، أفرشة، أوان تكفي لشخص واحد.

بادرته بالسؤال: ماذا تفعل هنا وحيدا؟ أليس لك أبناء ولا عائلة؟ نظراته توشي بأنه توقع سؤالي، فبدأ في سرد حكايته.. وُلد في درب السلطان بالدار البيضاء، عاش كأقرانه وتابع الدراسة إلى السادس ابتدائي، قبل أن تنتقل أسرته للعيش في مدينة الجديدة الساحلية، بعد أحداث 1965 التي شهدتها الدار البيضاء.

محمد.. يعيش على الصيد بعد سن الـ60
محمد.. يعيش على الصيد بعد سن الـ60

​"هناك بدأت علاقتي بالبحر تتوطد، لأننا أقمنا بالقرب منه. بعد ذلك في عام 1972 تقريبا، جئت إلى الجنوب، بعدما فقدت الأمل في إيجاد عمل في مدينتي. منذ ذلك الحين وأنا أعيش هنا، ولم أغادره إلى لزيارة والدتي من حين لآخر."

وردًا على سؤالي عن الأقارب، أكد لي محمد أنه لم يتزوج قط، وأن والدته التي توفيت قبل 5 أشهر كانت الرابط الوحيد بينه وبين عائلته.

"اخترت أن أعيش وحيدا هنا.. هذه حال من يرتبط بالبحر، سيعتزل البشر ويفضل الصمت على الحديث، وإن اشتاق للجماعة والحديث ما عليه إلا أن يحمل قصبته وينزل للبحر للقاء السمك"، يقول محمد في وصفه حالة العزلة التي يعيشها.

فرار من "بطش أرباب العمل"

على بعد أمتار قليلة عن خيمة هذا الكهل الستيني، جلس ثلاثة أشخاص يناقشون أفضل موعد لبدء الصيد.

"لماذا لا تدخلون الآن؟".. سارع أحدهم للتوضيح بأنهم ينتظرون "المعلم" أي الشخص الذي يشتري منهم ما اصطادوه من سمك، ويحمل لهم في المقابل بعضا من الخبز والماء والخضر. وعند مجيئه ينبغي أن يجدهم عند خيمهم وإلا غادر إلى الغد، لذلك وجب الانتظار.

عبد العزيز.. اختار الصيد هربا من بطش أرباب العمل
عبد العزيز.. اختار الصيد هربا من بطش أرباب العمل

بدا عبد العزيز متحمسا للحديث. كان كثير الحركة، وقد انتهى لتوه من بناء خزان تحت الأرض لحفظ السمك. "عمري 40 سنة، جربت العديد من المهن وفي مدن مختلفة، كنت أعمل أكثر من 14 ساعة يوميا مقابل 7 دولارات، كان واقعا مرا يجعلك تشعر بالذل والمهانة."

فر عبد العزيز من "بطش أرباب العمل"، واتخذ البحر رفيقا له، منذ حوالي 12 سنة. يزور عائلته في مرات نادرة، ويكتفي برسم ملامح من اشتاق لهم في مخيلته عندما يحدق في السماء، كما يقول. "لست متزوجا ولا أفكر في ذلك، لا مكان للحب عند من اختار العيش قرب البحر".

البساطة أبرز سمات العيش في قرى الصيادين
البساطة أبرز سمات العيش في قرى الصيادين

"القلب يجف مع ملوحة البحر"

عبارة الحب كانت كافية بانخراط شخص ثان في الحديث مع عبد العزيز. "البحر يعلمنا الصبر فقط ولا يعلمنا الحب".. جملة رددها محمد، ذي الـ64 عاما، مرات عديدة. ملامحه حادة وبشرته سمراء تكسوها لحية ابيضت مع مرور الزمن.

محمد وعبد العزيز.. ارتباط بالبحر وبعد عن الأهل
محمد وعبد العزيز.. ارتباط بالبحر وبعد عن الأهل

"البحر لا يعلمنا الحب، لأن القلب يجف مع ملوحة المياه وأحاسيس الدهشة والخوف، خاصة عندما يقف ملاك الموت أمامك وأنت في عرض البحر، تحاول الانعتاق من الغرق وحيدا.. هذا ما عشته مرات عديدة. في إحدى المرات عندما كان البحر يجرني لأعماقه، حزنت على نفسي كثيرا، ليس من أجلي، بل إشفاقا على ابني الذي سأخلفه ورائي، ظلت صورته عالقة في ذهني، فكرة أنه سيواجه الحياة وحيدا دون والده. ترك في المشهد أثرا غائرا، لكن الموت كان رحيما بي ورق لحالي بعدما بعث لي القدر بصيادين رموا لي بحبل ساعدوني على الخروج".

قرى الصيادين.. أوان بسيطة وزاد قليل
قرى الصيادين.. أوان بسيطة وزاد قليل

استبق محمد سؤالي عن ابنه واسترسل.. "دأبت على المجئ إلى هذا المكان بغرض الصيد من عام 1985. انتهى بي المطاف إلى الاستقرار هنا، وكنت أزور عائلتي وأبنائي الذين تركتهم في مدينة آسفي، بشكل مستمر. ومع تقدم الوقت، أصبحت زياراتي قليلة لأني لم أعد أتحمل عناء السفر المستمر."

"وما الذي يدفع شخصا في مثل سنك للعيش بعيدا عن عائلته؟" لم يفكر كثيرا قبل أن ينطق.. "أصبر على البحر إلى أن يجود علي بسمكة، كما أصبر على نفسي إلى يحن الله على حالها."


المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG