رابط إمكانية الوصول

logo-print

بعد 55 عاما على استقلال الجزائر.. ضحايا الألغام: هؤلاء ظلمونا


جندي جزائري أثناء عملية تفكيك الألغام

اختفت الأسلاك الشائكة التي وضعتها سلطات الاستعمار الفرنسي ضمن خطي موريس وشال على طول الحدود الغربية للجزائر مع المغرب، لكن آلام ما كانت تخفيه تلك الأسلاك من موت ملفوف في 9 ملايين لغم مضاد للأشخاص، لم تختف رغم مرور 55 سنة على الاستقلال.

وبعد سنوات طويلة من معاناة ساكنة الحدود الشرقية والغربية للجزائر، والضحايا الذين ظل عددهم في ارتفاع متزايد من سنة لأخرى، بسبب الألغام التي زرعها الجيش الفرنسي، وخلّفت في حصيلتها النهائية 7300 ضحية، أُسدل الستار عن مرحلة قاسية من مخلفات الاستعمار بتأمين وتفجير كافة ألغام الحقبة الاستعمارية، لكن الضحايا المعطوبين ما زالوا يحتفظون بذاكرة قوية، تسرد لحظات الانفجار التي فقدوا خلالها أجزاء منهم، أضحت مدفونة تحت الأرض، فصاروا أنصاف أحياء.

"اعتقدت أن اللّغم لعبة فحملته بين يدي"

بوسطلة تواتي
بوسطلة تواتي

"ظلمتنا الحكومة الفرنسية، لم تهتم للمآسي التي خلفتها من ورائها، أنا عاجز عن الحركة بفعل الإعاقة التي سببها لي انفجار لغم"، يصرّح بوسطلة تواتي البالغ من العمر 70 سنة، أحد ضحايا الألغام الفرنسية بالحدود الغربية للجزائر.

"متحسرا على بُنيته وصحّته، يروي تفاصيل انفجار اللّغم الذي حمله بين يديه، مثل لعبة يلهو بها بينما كان يرعى قطيعا من الماشية.. "انفجر اللُّغم بين يدي، كان ذلك عام 1964، كنت لا أزال فتى، وكنت أعتقد أن ذلك الشيء الذي بين يدي يمكن أن أجعل منه لعبة ألهو بها، لم أكن أعتقد أنه لغم سينفجر بينما أنا ألعب به".

واجه الحياة بأصابع ويد مبتورة وساق مريضة

"بعد الانفجار الذي دوى في المنطقة، حملوني إلى المستشفى، وعندما استيقظت من الغيبوبة، وجدت نفسي ملقى داخل جناح طبي، لا أتذكّر شيئا من لحظة الانفجار إلى أن وجدت نفسي في المستشفى، كانت لحظات قاسية جدا"، يردف بوسطلة الذي تمكن "من مواجهة مصاعب الحياة"، بعدما بتروا يده اليمنى وأجزاء من أصابع يده اليسرى، وخضعت رجله اليسرى لعملية جراحية ما زال يعاني من انعكاساتها إلى غاية اليوم.

"رغم الإعاقة تمكنت من بناء أسرة وإنجاب أبناء وبنات، لكن تقدمي في السن جعلني لا أقوى على مواصلة عملي كبناء، وقتها كنت أستخدم صدري وما تبقى من يدي اليسرى في الأشغال، أمّا الآن فأنا عاجز تماما عن العمل"، يقول بوسطلة الذي أنهى العقد السابع من العمر.

منحة بـ 110 دولار شهريا

وعن التعويضات التي تلقاها بعد إصابته جراء انفجار لغم مضاد للأشخاص من مخلفات فترة الاستعمار الفرنسي قرب الحدود الغربية، يرد المتحدث بنبرة من الحسرة والأسف "هل تعتقد أن 13000 دينار (ما يعادل 110 دولار) شهريا مصدر رزق محترم؟"

قبل أن يضيف "طرقنا كل الأبواب وأكّدت لنا السلطات أنها عملت ما في وسعها من أجل مساعدتنا، لقد تحصلت على عطب بنسبة 75 بالمائة، بينما يفترض حسب التقرير الطبي لأحد الخواص أن تكون النسبة 100 بالمائة".

يستعيد بوسطلة أنفاسه، وكأنه يستعد لخوض مرافعة طويلة، يختتم بها حديثه عن قصّة الإصابة وآلامها، "أقول للفرنسيين نحن ضحايا مخلفاتكم، وحربكم التي دامت 40 سنة ضدنا، بواسطة الألغام بعد الاستقلال، من حقنا التعويض عما أصابنا من عطب وإعاقة وآلام.."

لم تكن تدري أن ساقها اليسرى قد بُترت..

فاطمة قدراوي
فاطمة قدراوي

فقدَت ساقها اليسرى في انفجار لغم عام 1962، بعد الاستقلال مباشرة، تروي بحسرة كيف تحسّست ساقها بعد تحويلها إلى المستشفى، لكنها لم تجد سوى ضمادات طبية تلف مكان الإصابة عقب بترها.

هي قصّة فاطمة قدراوي البالغة من العمر 72 سنة، تروي لـ"أصوات مغاربية" تفاصيل انفجار لغم مضاد للأشخاص.. "بعد الاستقلال مباشرة عدنا من المغرب إلى الحدود سنة 1962، أتذكّر أنني كنت أرعى الغنم رفقة قريبة لي، مشيت في رواق من الأسلاك الشائكة، ولم أنتبه إلى أنني وضعت قدمي فوق اللّغم إلا بعد أن حدث الانفجار".

تتذكر فاطمة تفاصيل الانفجار الذي وقع في ذلك "اليوم الحزين، تلقفني أقاربي، وفي غياب وسائل النقل في ذلك الوقت، تنقل شقيقي إلى بلدة قريبة على متن دراجة هوائية، أخبرهم أن لغما انفجر عليّ، فقدمت سيارة الإسعاف التي نقلتني على مسافة 90 كلم إلى المستشفى الكبير لمدينة تلمسان".

"استيقظت صباحا على وقع زيارة أقاربي، الذين سألوني عما حدث لساقي، قلت لهم وأنا أحاول تحسسها، بأن كل شيء بخير لأكتشف أن ساقي مبتورة بسبب الانفجار".

"لم أستوعب فقدان ساقي"

وخلال الأيام الأولى التي تلت حادث الانفجار، تروي فاطمة كيف كانت تتجه إلى ربوة مطلة على قريتها الصغيرة، وتجلس باكية ما وقع لها، "كان الحادث قاسيا، ولم أستوعب فقدان ساقي سريعا، كانت الدموع تسبق رغبتي في البكاء".

تزوجت فاطمة قدراوي وأنجبت ولدا هو اليوم رب عائلة يتولى رعايتها. لكن "انعدام التعويض المادي من طرف الدولة الفرنسية التي خلفت هذه الألغام عقّد من حالتي الاجتماعية، فالحكومة وحدها من تدفع لي منحة شهرية لا تتجاوز 10000 دينار (ما يعادل 90 دولارا)".

تعاني فاطمة قدراوي من العجز عن التكفل باحتياجاتها الخاصة، نظرا لتقدمها في السن، ومضاعفات الإصابة التي لا تزال تشكو منها.. لكن "هذا هو القدر"، تقول وهي تتذكر كيف فقدت جزءا منها إلى الأبد.

ذهب ليجمع الحطب فقد يده وبصره..

محمد فخيخر
محمد فخيخر

يروي محمد فخيخر الذي قارب الثمانين من العمر، تفاصيل حادثة انفجار لغم في منطقة جبلية قرب الحدود الجزائرية المغربية، وتسبب ذلك الانفجار في بتر يده اليمنى وفقدانه البصر. كان ذلك في شهر أكتوبر 1963، أفقدته الإصابة طعم الحياة وهو ما يزال شابا يافعا.

"كنت أجمع الحطب، عندما هوى لغم من حزمة الحطب التي حملتها فانفجر"، بعدها "اكتشفت أنني فقدت البصر واليد، بينما أصبت في ساقي إصابة بليغة، أعاني اليوم من مضاعفاتها".

ويضيف محمد، بألم وسخط كبيرين "لقد تسببت الألغام في مآس ما زلنا نعاني منها، فقد قضيت بعد ذلك حياتي كلها في معاناة صحية واجتماعية، بسبب تعدّد الإصابات، ورغم كل هذا فإنني أتقاضى منحة بسيطة لا ترقى لسد أبسط احتياجاتي اليومية، طرقت أبواب الإدارة لكن لا حياة لمن تنادي".

قصص عديدة يرويها ضحايا حقول الألغام المحفوفة بالأسلاك الشائكة التي خلفها الاستعمار الفرنسي على مقربة من الحدود الغربية للجزائر، والتي تلخّص السياسة الفرنسية في الجزائر المستعمرة آنذاك من معاناة على المدنيين بالدرجة الأولى.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG