رابط إمكانية الوصول

logo-print

لماذا يكره 'محطمو التماثيل' جسد المرأة؟


تمثال "المرأة العارية" في مدينة سطيف بعد تشويهه

صدمة كبيرة خلفها شريط مصور جرى تداوله بداية الأسبوع الجاري، يوثق لـواقعة هجوم شخص على تمثال "المرأة العارية" في مدينة سطيف شرق العاصمة الجزائر.

ردود فعل كثيرة أثارتها الواقعة في المنطقة المغاربية بحيث اعتبر البعض أنها تؤشر على انتشار الفكر المتشدد الذي يفرض "عدم التعايش" مع جسد المرأة وتشييئه باعتباره "أداة جنسية" لا أكثر، في الوقت الذي يرى الكثيرون أن المجتمع الجزائري والمجتمعات المغاربية عموما كانت في الماضي أكثر انفتاحا وإيمانا تحرر المرأة وجسدها.

الثورة الإيرانية ونقطة التحول

في حديثه عن هذا الموضوع، يعود، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع بجامعة مستغانم، الجزائري مصطفى راجعي، إلى الفترة التي تلت حصول البلدان المغاربية على الاستقلال.

وحسب المتحدث فإن المنطقة عرفت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي "موجة من الأفكار التحديثية في جميع الميادين ومنها الأفكار النسوية" كما كان "الشباب الجامعي والمثقف في طليعة المدافعين عن تحرر المرأة من القيود الموروثة" على حد تعبيره.

كل شيء سيتغير، حسب الباحث، مع الثورة الإيرانية عام 1979 وظهور الإسلام السياسي ووصوله إلى السلطة، بحيث "انطلقت القوى المحافظة من عقالها وظهرت النساء بالتشادور الإيراني وعادت الأفكار التقليدية عن الجنسين وعن العائلة إلى الواجهة، بعد أن كانت تحت السيطرة والمراقبة من قبل السلطة والقوى العصرانية التي كانت تتحكم في المؤسسات".

ويتابع راجعي موضحا أنه ومنذ تلك الثورة طفت على السطح في البلدان العربية أفكار الإسلام السياسي المحافظ وبدأ يظهر شباب جامعي محافظ دخل في صراع مع الشباب الجامعي اليساري.

ويلفت المتحدث هنا إلى نظرتين متناقضتين للمرأة وأدوارها، فمن جهة هناك "النظرة التقليدية" أو "العضوية التكاملية" التي ترى فيها "جزء من كل وتؤدي وظيفة في جماعة عضوية هي الجماعة الأسرية"، ومن جهة ثانية هناك "النظرة الميكانيكية والصراعية" التي تقوم على أن المرأة والرجل عنصران مستقلان عن بعضهما و"المرأة في صراع مع الرجل من أجل السيطرة على الحياة"

من ثمة وعلاقة بواقعة تحطيم تمثال المرأة العارية في مدينة سطيف، يقول المتحدث إن "العنف ضد التماثيل العارية أي ضد جسد المرأة قد يعبر عن نظرة تريد من المرأة أن تستجيب للتوقعات حولها بصفتها عضوا في جماعة أي فرد له أدوار تكاملية للحفاظ على الجماعة الأسرية".

العفة، الإثارة وتأخر الزواج

"هل الرجل المغاربي له خصوصية أم أن المسألة شاملة وتعني الرجال عامة؟" هذا هو السؤال الذي ينطلق منه الطبيب والباحث في القضايا النفسية والاجتماعية التونسي، أحمد الأبيض، صاحب مؤلف "فن حوار الأنوثة والذكورة"، والذي يشير إلى أن هناك عناصر يتشابه فيها الرجل المغاربي مع أي رجل آخر في العالم وعناصر أخرى قد يختص بها.

ويتابع المتحدث تصريحه لـ"أصوات مغاربية" موضحا أن هناك "فارق نوعي" بين الرجل والمرأة بشكل عام على مستوى اهتمام وانتظارات كل منهما من الآخر، حيث أن "اهتمام وانتظارات الذكورة من الأنوثة عالميا بنسبة كبيرة مرتبطة بالجسد"، في حين أن "انتظارات الأنوثة من الذكورة بنسبة كبيرة لا علاقة لها بالجسد".

وإذا كان المغاربي وأي رجل في العالم يشتركون على مستوى الاهتمام والانتظارات من المرأة، حسب الفكرة السالفة، فإن هناك أشياء يشير إليها المتحدث بوصفها "تعني المغاربي بشكل خاص".

"نحن من جهة ندعو إلى العفة وأن تلتزم المرأة لباسا محتشما ومن جهة ثانية فإن العلاقات في المجتمع بأقدار منها غير متسيبة ومن جهة ثالثة الزواج غير متيسر"، يقول الأبيض الذي يشير في السياق إلى أن معدل سن زواج الفتاة التونسية يفوق 30 سنة ومعدل سن زواج الرجل التونسي يفوق 33 وأحيانا 35 سنة.

هكذا تتظافر عوامل عديدة لتشكل نظرة معينة للمرأة تبعا للانتظارات السالفة، فمن جهة هناك إشكالية تأخر الزواج التي تعني أن "الجنس مؤجل" ومن جهة ثانية هناك "سيل من عوامل الإثارة" الذي يواجهه الشباب.

إلى جانب ما سبق، يشير المتحدث أيضا إلى الوضع السياسي في المنطقة، والدور الذي قد يلعبه في ذلك الإطار، بحيث يقول إنه "بقدر ما تغيب الحرية وبقدر ما يتراجع حضور الإنسان وفاعليته في مجتمعه بقدر ما يرتد على نفسه فلا يجد إلا غرائزه يتلهى بها" في المقابل "بقدر ما تتواجد حريات وبقدر ما يصبح الإنسان شريكا في الشأن العام بقدر ما تتراجع مشكلته الجنسية وتبقى عند حدها الأدنى".

تربية "الحشومة" و"العورة"

الأخصائي النفسي، والخبير والباحث في التحليل النفسي للمجتمع المغربي، جواد مبروكي، من جانبه يرى أن الطريقة التي يُنظر بها إلى جسد المرأة في المجتمع المغربي ترجع بالأساس إلى التربية التي يؤكد أنها تختلف بين الذكور والإناث.

"الاهتمام الذي يعطى لجسم الفتاة منذ صغرها أكثر من ذلك الذي يعطى لجسم الولد" يقول مبروكي في تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، مشيرا إلى أنه في الوقت الذي تكون للولد حرية ارتداء ما يشاء، تفرض قيود على الفتاة بدعوى "الحشومة".

ويتابع المتحدث موضحا أنه ومن خلال التربية يتم تحويل جسد الفتاة إلى عنصر "فتنة" يجب ستره، ومن ثمة "تترسخ في عقول البنات والأولاد منذ الصغر فكرة أن جسد المرأة فتنة وهذا هو المفهوم الخاطئ للعورة" يقول مبروكي مردفا أنه قد صار "يُنظر إلى المرأة كلها، من رأسها إلى أخمص قدميها كعورة".

عوامل كثيرة يرى المتحدث أنها أدت إلى تشكل تلك النظرة، من بينها "وسائل الإعلام والإشهار والأفلام الإباحية وغيرها التي توظف جسد المرأة"، بالإضافة إلى "الأفكار الدخيلة على المجتمع المغربي والتي جعلت من المرأة عورة".

"مثلا اللثام الذي كانت النساء ترتدينه في الماضي لم يكن يرتدينه من منطلق اعتبار جسد المرأة عورة بل لأنه كان رمزا اجتماعيا يعني أن المرأة التي ترتديه متزوجة"، يوضح مبروكي مردفا أنه حاليا "دخل المفهوم الديني" في تلك المسألة المرتبطة بتغطية الجسد.

ومن ثمة يشير الأخصائي المغربي إلى الأهمية المبالغ فيها التي أصبحت تعطى للباس المرأة، بحيث "لم يعد مجرد شيء تستعمله للحاجة بل أصبح أشبه بجلد ثان لها يغطي جسدها وتبعث من خلاله رسائل ورموز مفادها: "إنني أخفي شيئا لو ترونه ستنقضون علي.. وكأنها فريسة يجب أن تختبئ حتى لا تراها الحيوانات المفترسة".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG