رابط إمكانية الوصول

logo-print

تشير الساعة إلى السادسة صباحا. حركة كثيفة تشهدها الأسواق الشعبية التونسية، استعدادا للاحتفال بعيد رأس السنة الجديدة 2018، التي تحل بعد ساعات.

أكثر المحلات التي تشهد إقبالا، تلك المختصة في بيع الدجاج ومحلات المرطبات أيضا، فالتونسيون يلجؤون إلى هاتين المادتين بشكل مكثف في مثل هذه المناسبات.

إقبال واسع على الدواجن

تتزين محلات بيع الدجاج، قبل حلول هذه المناسبة، بمعلقات وشرائط ملونة، ويحرص أصحابها على عرض منتجاتهم بأفضل الطرق لإغراء الزبائن.

بأزياء موحدة للباعة، وابتسامات لا تفارق محياهم، يستقبل محل علاء للدواجن، في السوق الشعبية "سيدي البحري" بالعاصمة تونس، زبائنه.

يختص علاء في بيع اللحوم البيضاء بأنواعها، كما يقدم لزبائنه مشتقات عدة كالشرائح واللحم المطحون والكبد وغيرها.

"رغم التراجع الطفيف لاستهلاك الدجاج بسبب تدهور القدرة الشرائية، فإن التونسيين ما زالوا يتمسكون بعادة شراء الدجاج لاستقبال العام الجديد "، يقول البائع علاء لـ"أصوات مغاربية".

وتمثل هذه المناسبة واحدة من الفصول التي تنتعش فيها تجارة الدجاج في البلاد. يقول علاء: "اعتدنا أن تتضاعف في السنوات الماضية مبيعاتنا إلى نحو 4 مرات، لذلك نتفاءل خيرا في نهاية كل عام ونعوّل على هذه المناسبة لتحسين أوضاعنا".

غير بعيد عن محل علاء، يقف مواطنون في صف منتظرين دورهم لشراء الدجاج المشوي.

عائشة، عجوز ستينية تقف في طابور طويل، تنظر بسعادة إلى الدجاج المشوي على الفحم، وتقول: "أحرص سنويا على اقتناء كميات كبيرة لأحفادي من هذا المحل، وهو تقليد توارثناه عن آبائنا الذين تعودوا على شراء الدجاج لتجتمع حوله العائلة الموسعة على مائدة العشاء".

يختص محل هادي في بيع الدواجن المشوية والمطهية، ويحرص العاملون في هذا المتجر على إضافة البهارات للوصول إلى مذاق مميز.

"أكثر البهارات استخداما لدينا هي الإكليل والزعتر وهي أعشاب جبلية، إضافة إلى الملح وتوابل أخرى" يقول هادي المسؤول بهذا المحل، قبل أن يردف "توضع الدجاجة في فرن تصل حرارته إلى 180 درجة".

ويحرص هذا المحل على شواء الدواجن على الفحم في الهواء الطلق، بسبب رائحته القوية والجاذبة للزبائن.

وبحركة تبدو أن أصابعه تعودتها، يقلب هادي الدجاجة المشوية على جوانبها الأربعة. يتأكد من وصول النيران إلى جميع أجزائها، قبل أن يخرجها ويضيف إليها بعضا من الملح وقليلا من الليمون ثم يلفها في وعاء ورقي، ويسلمها إلى الزبون مع ابتسامة خفيفة تصحبها عبارة "بالشفاء وعام مبروك".

يتصبب العرق من جُبن العاملين في هذا المحل على الرغم من برودة طقس ديسمبر في تونس، بسبب بقائهم المستمر قرب آلات الطهي عالية الحرارة، غير أن علامات الفرح تبدو ظاهرة في وجوههم بسبب "ارتفاع المبيعات والأرباح، وقدوم العام الجديد" يقول هادي.

وتعد محلات بيع الدواجن بالمئات في العاصمة تونس، غير أن محلا تجاريا معروفا في نهج ابن خلدون، المتفرع عن شارع الحبيب بورقيبة الشارع الرئيسي للعاصمة تونس، يبقى واحدا من أهم المحلات المختصة في هذه التجارة.

ويشتغل في هذا المحل 20 عاملا، يقول صاحبه فيصل لـ"أصوات مغاربية" إنه توارث هذا المحل عن أجداده الذين افتتحوه عام 1892، فيما يؤكد أن "الخلطة التي يعدها في منزله عبر مساعدة والدته هي السر الذي يقف وراء الإقبال الكبير على بضاعته من قبل مختلف شرائح المجتمع من بينهم مثقفون وفنانون".

وتتنوع أساليب إعداد الدجاج في المطبخ التونسي، وتقول ربة البيت فاطمة، إن طهي الدواجن ينقسم إلى أكثر من طريقة، "إما إعداده في الفرن بعد مزجه بخلطة من البهارات أو بحشوه بلحوم أخرى أو فواكه وما شابهها أو الاكتفاء بطهيه مع العجين والكسكسي وسائر الأكلات الشعبية".

دعوات المقاطعة

لئن يعتبر استهلاك الدجاج والإقبال عليه بشكل لافت بتونس في رأس السنة الميلادية عادة غذائية تعود عليها التونسيون، فإنها تواجه هذا العام دعوات للتخلي عنها بسبب ارتفاع أسعار الدواجن، واستغلال الباعة لمثل هذه المناسبات لمضاعفة أرباحهم.

ويقول رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إن الأسعار "زادت في الأيام الأخيرة إلى أكثر من دينارين، بسبب جشع التجار وعمليات الاحتكار التي يقدم عليها الوسطاء".

ويؤكد الرياحي أن منظمته شنت حملة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف مقاطعة المحلات التي تعمد إلى رفع الأسعار، ما تسبب في خسائر فادحة دفعها إلى مراجعة الأثمان لتستقر عند مستويات معقولة.

وبحسب أرقام اتحاد الفلاحين، يستهلك التونسيون ما يناهز 11 ألف طن من لحوم الدواجن بشكل شهري. وشهد الرقم ارتفاعا بعد الثورة، وفقا لغرافي، نتيجة لعزوف المستهلكين عن شراء اللحوم الحمراء.

عادة اجتماعية

لماذا يقبل التونسيون على استهلاك الدجاج دون غيره في هذه المناسبة، يفسر الباحث في علم الاجتماع، سامي بن نصر، هذا السؤال بأسباب اجتماعية واقتصادية، بالإضافة إلى العامل التاريخي.

وربط بن نصر، في تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، حضور مادة الدجاج بأنواعه على موائد رأس السنة بنزوع التونسيين في معظم الأعياد الدينية إلى "الإكثار من الأكل والتفنن في إعداده".

ويقول إن مناسبات كعاشوراء وعيد الأضحى ورأس السنة ترتبط في المخيال الشعبي بأكلات بعينها يكون فيها الطبق الرئيسي اللحوم بأنواعها.

​كما يشير إلى وجود عوامل تاريخية تعود إلى فترة الاستعمار، "إذ نقل الفرنسيون الذين كانوا يقيمون في البلاد هذه العادة إلى التونسيين لتتحول إلى شكل من أشكال المحاكاة والتقليد، وهو ما يفسر غياب الظاهرة في الأرياف التي لم يكن فيها احتكاك مكثف بين المستعمر والأهالي على عكس ما حصل في المدن".

ويرجع الباحث أيضا إقبال التونسيين على شراء الدواجن إلى تدهور القدرة الشرائية لدى المواطنين الذين يلجؤون إلى هذه المادة بالنظر إلى تدني أسعارها بالمقارنة مع غيرها من اللحوم.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG