رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

لماذا لم تنجح الجزائر في تعريب منطقة القبائل؟


مظاهرات مطالبة بدعم الأمازيغية

كانت أولى قرارات السلطة الجزائرية بُعيد استقلال البلاد عن فرنسا، تعريب المدرسة والإدارة تدريجيا "لإعادة الجزائر لحضن الوطن العربي"، على حد وصف الرئيس الأسبق أحمد بن بلة.

واعتبر بن بلة، خلال خطابه في الخامس من يوليو 1962، بأن "التعريب ضروري لأنه لا اشتراكية بلا تعريب ولا مستقبل لهذا البلد دون التعريب"، وكانت تلك بداية رحلة التعريب التي أثارت تفاعل حركات الدفاع عن الهوية الأمازيغية.

وكبحت تحركات منطقة القبائل من أجل الاعتراف بالهوية الأمازيغية للجزائر، مسار التعريب، رغم إصرار الحكومات المتعاقبة عليه.

فلماذا لم تنجح سياسة التعريب بمنطقة القبائل؟ وهل لذلك علاقة بتشبث أمازيغ الجزائر بهويتهم الحقيقية؟

كرونولوجيا الصراع

مباشرة بعد انقلابه على بن بلة سنة 1965، وقع الرئيس الجزائري الأسبق، هواري بومدين، مرسوما بتاريخ 26 أبريل 1968 يلزم كل الموظفين الجزائريين أن يكونوا على "معرفة كافية باللغة الوطنية (العربية) عند توظيفهم".

كما منعت السلطات الجزائرية في عهد بومدين، بين سنتي 1974 و1975، التسمي بأسماء غير عربية.

وحاول بومدين، في سياق سياسة تعريب المجتمع الجزائري، التركيز على منطقة القبائل بحكم مقاومتها للتعريب، ولم يسلم حتى النادي الرياضي لمنطقة القبائل من موجة التعريب.

فقد أُجبر النادي على تغيير تسميته من شبيبة القبائل إلى فريق إلكترونيك تيزي وزو، ردا من بومدين على مناصري الفريق الذين رفعوا في وجهه رايات رياضية في أحد الملاعب مفادها أن "اللغة الأمازيغية ستعيش".

وشهدت نداءات الاعتراف باللغة الأمازيغية لغةً وطنية ورسمية، مقاومة من الرؤساء الذين تعاقبوا على الجزائر، من بلة إلى بوتفليقة. هذا الأخير كان قد أكد، في تصريح سابق، بأن "الأمازيغية، وإن اعتمدت كلغة وطنية عبر استفتاء شعبي، لن تكون أبدا رسمية"

بالمقابل، قاوم المدافعون عن الأمازيغية، أمثال مولود معمري ومعطوب لوناس، عناد الحكومات المتعاقبة وتمسكها بسياسة التعريب بالرفض القاطع، وهو ما جعل منطقة القبائل على هامش سياسة التعريب تلك.

ويقول معطوب نفسه في إحدى أعماله الفنية ما مفاده: "ما دامت السلطة تبتغي للغتنا الأصلية الزوال، لن أتحدث العربية أبدا، إلا إذا رأيناكم تتحدثون الأمازيغية على وسائل إعلامكم التي تبسطون يد التحكم عليها".

خلفيات مقاومة لغوية

بالنسبة لمدير الدراسات السابق بجامعة وهران غرب الجزائر، نجاح مبارك، فإن طبيعة منطقة القبائل المتمردة، جعلت من برنامج التعريب الذي أصرت عليه الحكومات المتعاقبة "يسقط في مستنقع المواجهة العقيمة بين مشروعين مجتمعيين مختلفين تمام الاختلاف".

ويبرر مبارك عدم نجاح سياسة التعريب بمنطقة القبائل، بالعزلة التي وجدت المنطقة نفسها فيها.

ويرى الإطار الجامعي ذاته أن السلطة اليوم تواجه نتائج عكسية تماما لسياستها بالجزائر عموما ومنطقة القبائل على وجه الخصوص.

"يصر القبائل على الأمازيغية ويرفضون العربية لأنها جاءت في سياق الإجبار عوض التحبيب أو الاختيار"، يؤكد مبارك.

ومن جملة الأمثلة التي تؤكد ما ذهب إليه، يدرج مبارك مثالا عمّا سماه "الرفض المستميت" لشباب منطقة القبائل للتعريب عبر تغيير واجهات المحلات من العربية إلى الفرنسية والأمازيغية، وشمل ذلك مختلف اللافتات.

"يمكن أن ترى كيف يحاول شباب القبائل محو كل ما هو عربي من اللافتات، وهو رد فعل عكسي تماما لسياسة التعريب ودليل على فشلها بالقبائل"، يردف نجاح مبارك.

محند آعراب من أعضاء الحركة الأمازيغية منذ السبعينيات، وناشط سابق في صفوف حزب جبهة القوى الاشتراكية، الذي أسسه الراحل حسين آيت أحمد، المعارض لسياسة بن بلة، ثم بعد ذلك بومدين والشاذلي بن جديد.

يرى آعراب بأن "سياسة التعريب بالقبائل لن يكتب لها النجاح مهما طال الزمن، لأن سكان المنطقة يرون فيها سياسة استعمارية".

وبحسب آعراب، فإن النية المبيتة في تعريب الأمازيغ، تكمن في إخضاعهم سياسيا إلى الأبد، "وهو ما لا يمكن أن يتحقق"، يردف المتحدث.

وبحسب الناشط الأمازيغي فإنه "لو أصرت الحكومات المتتالية لقرون أخرى على سياستها اللغوية بالمنطقة، فلن تعرب القبائل"

مسح العربية من لافتات بمنطقة القبائل بالجزائر
مسح العربية من لافتات بمنطقة القبائل بالجزائر

ليست القبائل فقط

أما أستاذ الإعلام بكلية العلوم السياسية والإعلام بجامعة الجزائر، محمد لعقاب، فيرى أن سياسة التعريب لم تنجح في الجزائر ككل وليس في منطقة القبائل فحسب.

ومرد الفشل الذي تكللت به سياسية التعريب، حسب تعبير لعقاب، هو "غياب رؤية واضحة لسياسة اللغة".

فحسب أستاذ الإعلام بجامعة الجزائر، فإن الجزائر تتجه نحو مجتمع لا لغة له، "بسبب الديماغوجية التي تعاملت بها السلطات المتعاقبة مع ملف اللغة"، على حد تعبيره مضيفا: "خريجو الجامعة لا يتقنون لا العربية ولا الفرنسية، وهذا إثبات لفشل سياسات التعريب بالجزائر ككل".

أما بخصوص منطقة القبائل، فيرى المتحدث أن طابعها المتمرد حال دون نجاح سياسة التعريب هناك.

وخلال حديثه، يوضح لعقاب أن دليل تمرد منطقة القبائل هو "تجاوزها القصدي لقوانين التعريب التي تحتم تدريس العلوم الإنسانية بالعربية".

"جامعة مولود معمري تدرس العلوم الإنسانية بالفرنسية، وهو دليل فشل قوانين التعريب المتعاقبة"، يستطرد المتحدث نفسه.

أسباب الفشل تلك، يحصرها لعقاب، في الخصوصية الأمازيغية للمنطقة، والعلاقات المتشنجة بينها وبين السلطة، إضافة إلى ضعف رؤية واضحة للسلطة لملف اللغة في الجزائر، وفق قوله.

"الدولة الجزائرية تسير ملف اللغة كما تسير أسعار الزيت والسكر"، يختم لعقاب حديثه لـ"أصوات مغاربية".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG