رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

الدروس الخصوصية في الجزائر.. استثناء صار قاعدة


تلاميذ جزائريون

لم تعد الدروس الخصوصية مجرد حصص دعم يلجأ إليها تلاميذ جزائريون في ظروف استثنائية، بل صارت عامة، وفق ما تكشفه أرقام حول الظاهرة.

تشير دراسة أنجزها مجموعة من الباحثين الجزائريين إلى أن 67 في المئة من عينة تلاميذ خضعت لبحث واستطلاع رأي يستفيدون من دروس خصوصية.

ولفتت الدراسة الانتباه إلى أن أكثر من نصف التلاميذ الذين يتلقون دروسا خصوصية يشرف عليهم أساتذة مدرستهم، في حين يتابع البقية دروسهم الخصوصية عند أساتذة من خارج المدرسة.

وتوصلت الدراسة إلى أن 81 في المئة من التلاميذ يقصدون هذه الدروس لعدم استيعابهم للدروس المقدمة في القسم بشكل جيد

ومن بين النقط التي خلص إليها البحث، أن "المدرسة لا تؤدي دورها بالشكل الذي يضمن استيعاب التلاميذ، بفعل الاكتظاظ وصعوبة المتابعة في القسم".

مبررات متباينة

يلجأ الكثير من أولياء التلاميذ لهذا النوع من الدروس، لمساعدة أبنائهم على تعويض النقص في استيعاب مواد دراسية.

ومثال ذلك، محمد حداد الذي سجل ابنته، التي تدرس في السنة الثانية متوسط، في برنامج الدروس الخصوصية بإحدى المدارس الخاصة.

ويشير محمد، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إلى أن الهدف من تسجيل ابنته هو تطوير مستواها المعرفي.

محمد حداد
محمد حداد

واهتدى محمد إلى هذا القرار، بعد تدني نتائج ابنته، البالغة من العمر 12 سنة، في مادتي الرياضيات والفيزياء، رغم حصولها على معدل عام فصلي وصل إلى 13 نقطة من أصل 20.

ولاحظ محمد هذا التراجع بعد انتهاء الفصل الأول من السنة الدراسية الجارية، بعدما كانت نتائج ابنته مرضية في المادتين المذكورتين خلال السنوات الفارطة.

ويرتبط محمد حداد سبب تراجع المستوى الدراسي لابنته بالبرنامج الدراسي المكثف الذي يُفرض على التلاميذ، حسبه، كما أن وضعه العائلي لا يسمح له بمراقبة دروس ابنته ومساعدتها.

ويدفع محمد حوالي 4 آلاف دينار شهريا للمدرسة الخاصة التي تشرف على إعطاء ابنته دروس دعم في مادتين فقط.

ويحرص بعض الأولياء على توجيه أبنائهم لدروس الدعم في فترة العطل، قصد تحسين مستواهم، وحرمانهم من التمتع بها.

غير أن أسباب لجوء ابنة محمد حداد إلى الدروس الخصوصية لم تكن حاضرة في حالة التلميذة أناييس دحماني​، التي ترفض تلقي دروس الدعم، موضحة أنها تكتفي بما يقدم لها في البرنامج الدراسي العادي.​

التلميذة أناييس دحماني
التلميذة أناييس دحماني

ورغم محاولات والديها إقناعها بضرورة الانخراط ضمن مجموعات التلاميذ الذين يتلقون دروسا تدعيمية في مواد مختلفة، إلا أنها ترفض ذلك.

وتقول أناييس، في حديث مع "أصوات مغاربية"، إنها تعتمد أحيانا على مساعدة والدها في استدراك النقص المسجل عندها في بعض المواد.

وتعترف أناييس بأن لديها نوعا من العجز في مادة اللغة العربية، وهو ما توضحه نتائجها المسجلة في هذه المادة، حسبها.

غير أن هذه التلميذة تصر على الاعتماد على نفسها في تدارك هذا النقص، عبر تكثيف المطالعة ومراجعة الدروس خلال فترة العطلة الشتوية.

وحصلت أناييس، التي تدرس في السنة الثالثة متوسط، بمدرسة خاصة، خلال الفصل الأول من السنة الدراسية، على معدل 15 نقطة من أصل 20.

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه هذه التلميذة أن نقطها في مادة اللغة العربية ضعيفة، قالت إن السبب راجع للبيئة العائلية التي تعيش فيها، ذلك أن والداها يستعملان اللغتين الأمازيغية والفرنسية في الحياة اليومية، كما تقول.

أساتذة مختلفون

يستغل بعض الأساتذة فرصة العطل الأسبوعية والسنوية لتقديم دروس خصوصية بالتعاقد مع مؤسسة خاصة توفر لهم الفضاء، مع تقاسم المداخيل.

ويميل الأستاذة إلى هذا النوع من الدروس، بغية تنويع مصادر الدخل، حسب ما يؤكده الأستاذ المتقاعد، عرباوي المجذوب، في حديثه لـ"أصوات مغاربية".

الأستاذ عرباوي المجذوب
الأستاذ عرباوي المجذوب

ويقول عرباوي إن هذه الدروس تعود على الأساتذة بمنافع مالية يدعمون بها رواتبهم أمام مصاعب الحياة .

"تعود هذه الدروس أيضا بالفائدة على التلاميذ، من خلال تقوية المفاهيم لديهم، ويتغلبون من خلالها على صعوبات المواد التي يعانون منها"، يردف الأستاذ المتقاعد ذاته.

غير أن عرباوي المجذوب يعتبر أن هنالك جانبا سلبيا للدروس الخصوصية، ويتجلى ذلك، حسبه، في "غلاء الدروس الخصوصية بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود".

بيد أنه على خلاف ما يشير إليه عرباوي المجذوب، يستعرض الأستاذ عبد السلام مفتاح، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، تحفظات أكثر على الظاهرة التي أخذت في الانتشار، حسبه.

ومن بين التحفظات، يذكر عبد السلام أن مثل هذه الدروس "ترهق التلميذ وتفقده توازنه المعرفي والنفسي، مما يصنع منه طفلا مرتبكا في حياته"، على حد تعبيره.

ويعتبر عبد السلام مفتاح أن هذه الدروس الخصوصية تكون على حساب عطل التلاميذ في نهاية الأسبوع أو خلال العطل السنوية، "وهو اعتداء على حق التلميذ في الراحة"، كما يقول.

الأستاذ عبد السلام مفتاح رفقة تلامذته
الأستاذ عبد السلام مفتاح رفقة تلامذته

ويعتقد الأستاذ ذاته أن نجاح التلميذ من عدمه مرتبط بأستاذه المباشر ومحيطه المدرسي والعائلي، وليس له علاقة ببرنامج الدعم.

"أسر جزائرية صارت تعيش هاجس نجاح أبنائها، حتى ولو كان هذا يرهق ميزانيتها الشهرية"، يردف الأستاذ عبد السلام.

الأسباب بأعين باحثين

إذا كانت آراء التلاميذ وأوليائهم وأساتذتهم متباينة بشأن الدروس الخصوصية، فإن آراء باحثين أيضا تختلف في تفسير انتشار الظاهرة الدروس الخصوصية في المجتمع الجزائري.

فالبنسبة للباحث في علم الاجتماع، رشيد بن يامين، فإن انتشار الدروس الخصوصية مرتبط "بتخبط وتغيير المناهج التربوية، منذ بداية سنة 2000"، إلى جانب "عدم وجود وقت كاف لتحضير الأساتذة وتكوينهم".

هذا الوضع، يضيف بن يامين، حد من قدرة من الأساتذة على التكيف وفهم سبب اضطرار التلميذ إلى البحث عن بدائل أخرى.

ويزيد الباحث في علم الاجتماع على هذه الأسباب عوامل أخرى بينها "ارتباط بعض التخصصات بالتوظيف، والذي يجبر العائلات إلى اللجوء إلى هذه الدروس للرفع من مستوى أبنائهم لضمان مستقبلهم بالدخول للمدارس العليا مثل مدارس الطب والصيدلة وغيرها".

ويحمل بن يامين، في حديث مع "أصوات مغاربية"، الأسرة مسؤولية ما يحصل، حسبه، معتبرها أنها "تخلت عن دورها وعوضته بفاعلين آخرين".

أما الباحثة في علم اجتماع الأسرة، فريدة مشري، فإنها تعتبر انتشار الدروس الخصوصية "ظاهرة التربوية".

وتعلل مشري منظورها بالقول إن هذه الدروس أصبحت مطلوبة حتى في المستويات الأولى من التعليم، بعدما كانت مقتصرة على المستوى الثانوي.

هذا التحول، ترجعه فريدة مشري، في حديثها لـ"أصوات مغاربية"، إلى ترسخ قناعة عند أولياء التلاميذ بأن المدرسة لم تعد قادرة على متابعة أبنائهم.

وتنتهى الباحثة ذاتها إلى خلاصة مفادها أن الدروس الخصوصية باتت بمثابة مدرسة موازية، انطلاقا من مقولة متداولة بين الجزائريين وهي "ما بقاش تعليم في الجزاير" (أي لم يعد في الجزائر تعليم).

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG