رابط إمكانية الوصول

logo-print

'زازة اليهود'.. جرح في ذاكرة التعايش بالمغرب


صورة من حي 'الملاح' بمراكش ـ 1946

"زازة اليهود"، عبارة تحيل على حدث مؤلم وجرح غائر في ذاكرة التعايش الذي طبع لقرون الحياة المشتركة لليهود والمسلمين المغاربة.

فالعبارة تُستعمل للإشارة إلى حدث مؤلم شهدته مدينتا جرادة ووجدة، شرقي المغرب، أواخر أربعينات القرن الماضي، وتحديدا في شهر يونيو من عام 1948.

فما هي تفاصيل هذا الحدث؟ وما علاقته بأول حركة نقابية شهدتها مدينة جرادة التي ارتبطت باحتجاجات العمال المنجميين؟

من وجدة إلى جرادة

"في صباح يوم 7 يونيو 1948، طعن يهودي بالسكين مسلما عقب اصطدام"، يروي الكاتب والمؤرخ المغربي اليهودي، روبير أصراف، في كتابه "محمد الخامس واليهود المغاربة"، مردفا أنه "وفي غياب تام لقوات الأمن، تحول الحادث إلى مذبحة".

حسب المؤرخ نفسه، فإن تلك الأحداث خلفت مقتل خمسة يهود وجرح العديد، إلى جانب نهب ممتلكاتهم، و"الغريب في الأمر"، حسب تعبير أصراف، فإنه أثناء تلك الأحداث، كان ممثل السلطات الفرنسية، جان برونيل، الذي يصفه بكونه كان "معاديا معروفا لليهود"، غير موجود في المدينة "بحجة أنه كان مدعوا لحفل زفاف".

اقرأ أيضا: هكذا أنقذ سلطان مغاربي اليهود من النازية

في سياق سرده لكرونولوجيا تلك الوقائع، يربط روبير أصراف ما جرى في وجدة، وبعدها جرادة، بإعلان قيام إسرائيل والتوتر السائد حينها. وأشار في هذا الصدد، إلى النداء الذي وجهه السلطان محمد بن يوسف إلى جميع المغاربة، والذي "ساهم في تهدئة الأوضاع بعض الشيء"، على حد تعبيره. (وللإشارة فإن النداء تحدث عن اليهود باعتبارهم رعايا مغاربة ودعا الجميع إلى احترام النظام العام)​.

انتقلت أخبار ما جرى في وجدة إلى جرادة، التي يقول أصراف إنها "كانت تعيش على وقع إضراب تم قمعه بقوة"، لافتا الانتباه إلى أن أي شيء "مهما كان تافها" كان كفيلا بأن يثير مشادات بين المسلمين واليهود في المدينة.

وكما أشار سلفا إلى غياب ممثل السلطات الفرنسية، جان برونيل، أثناء الأحداث التي شهدتها وجدة، يلمح المؤرخ المغربي اليهودي هنا أيضا إلى عدم تحمس سلطات شرطة الحماية الفرنسية لحماية اليهود، بل إنها "استغلت هذه المأساة لإلقاء القبض على الزعماء النقابيين"، بحسب رأيه.

ويشير أصراف إلى أن هناك "عددا من الملاحظين الموثوق بهم"، على حد تعبيره، "اعتقدوا أن هناك مؤامرة بوليسية فرنسية تهدف إلى إظهار السلطات عاجزة عن حماية سلامة الطائفة، كما ترمي في الوقت نفسه إلى تجريد التيارات القومية للحركة الوطنية من كل مصداقية".

ويضيف أصراف أن تلك الأحداث التي شهدتها كل من وجدة وجرادة لم تستمر، إذ "تمت الاستجابة، في جميع أنحاء البلاد، باستثناء حادث صغير بمراكش، لنداء السلطان، الذي أقلقه كثيرا هذا الإفراط في الكراهية".

يهود مغاربة ـ أرشيف
يهود مغاربة ـ أرشيف

​لكن ما علاقة النقابيين بالمواجهات بين مسلمين ويهود في وجدة وجرادة؟ وكيف استغلت سلطات الحماية هذه الواقعة لمواجهة الحركة النقابية؟

"مكيدة" سلطات الحماية

الإشارة التي يوردها أصراف في كتابه عن استغلال شرطة سلطات الحماية لتلك الأحداث من أجل إلقاء القبض على الزعماء النقابيين، يتعمق فيها أكثر الفاعل الجمعوي بجرادة والنقابي السابق، لحسن الغالي، الذي يعتبر، ضمن تصريحه لـ"أصوات مغاربية"، أن تلك الأحداث كانت نتيجة "مؤامرة دبرتها سلطات الحماية الفرنسية".

وقبل التطرق إلى الأحداث الدموية التي شهدتها المدينة عام 1948، يشير المتحدث إلى سياقات معينة يرى أنها مرتبطة بما وقع، ويتعلق الأمر بانطلاق "أول حركة نقابية في جرادة عام 1947".

اقرأ أيضا: يهود المغرب.. ماذا تبقى من 2500 عام من التاريخ؟

وحسب الغالي، الذي اشتغل في المجال النقابي بجرادة لسنوات وتعقب تفاصيل ما حدث، فإن انطلاق تلك الحركة النقابية في المدينة جاء نتيجة "الميز العنصري الذي كان يمارس ضد العمال المغاربة لصالح نظرائهم الفرنسيين الذين كانوا يستفيدون من العديد من الامتيازات خلافا للعمال المغاربة".

ويضيف المتحدث ذاته قائلا إن هذا الأمر أدى إلى التفكير في تأسيس نقابة "يدافعون من خلالها عن حقوقهم"، وأيضا "للنضال من أجل استقلال المغرب".

ويتابع الفاعل النقابي موضحا أنه تم، في ذلك الإطار، تنظيم عدد من "التجمعات السرية" تمهيدا لتأسيس النقابة، وهي التجمعات التي عرفت حضورا متزايدا للعمال المغاربة، قبل أن يصل الأمر إلى "المخبرين الفرنسيين" ومنهم إلى رئيس الأمن في المنطقة، الذي يوضح الغالي أنه وجه رسالة مكتوبة إلى المقيم العام الفرنسي حينها، أوغستان غيوم، يخبره بتلك الاجتماعات وينبهه إلى أنها "ستكون شرارة للمطالبة بالاستقلال".

ويشير المتحدث إلى أن الجنرال غيوم قام بعدها بزيارة جرادة انتهت بتقديم وعود للعمال بتمكينهم من حقوقهم، وقد تلا ذلك تأسيس النقابة.

سنة تقريبا بعد ذلك، "جاءت أحداث 1948، والتي أدت إلى عدة مظاهرات على الصعيد العالمي"، يقول الغالي، مشيرا إلى أنه في ظل تلك الأجواء وقعت الأحداث "المؤلمة والمؤسفة" في وجدة، والتي يشير إلى وفاة شخصين خلالها.

اليهود المغاربيون
اليهود المغاربيون

"بعدها انتقلت الشرارة إلى جرادة"، يقول الغالي الذي يشير إلى أن هناك من "استغل الاحتجاجات بالمنطقة وقتل شخصا يهوديا صاحب سيرك معروف يحمل اسمه هو سيرك عمار".

وهنا تلتقي شهادة الغالي مع ملاحظة أشار إليها أصراف في كتابه، إذ يقول إن "الشرطة أخلت المكان بدل أن تتدخل لوضع حد للفتنة"، وهكذا "توسعت شرارة الأحداث وتوفي حوالي 51 شخصا من بينهم فرنسي".

اقرأ أيضا: سيرج بيرديغو: هكذا تعيش الطائفة اليهودية بالمغرب

ويشدد المتحدث على أن ما كان ملفتا للانتباه هو أن السلطات الفرنسية "استغلت تلك الأحداث واعتقلت عددا من النقابيين الذين اتهمتهم بالوقوف وراءها، وهو غير صحيح" يقول الغالي.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG