رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

قرية 'العابد' الجزائرية.. حياة بين جروح 'سنوات الرصاص'


أطلال بئر منجمي بقرية العابد

قرية تنام فوق منجم، وتستيقظ على فراغ الفقر والركود. هكذا يصف سكان بلدة العابد الجزائرية، التابعة لبلدية البويهي الحدودية، قريتهم.

تقع القرية على بعد 620 كيلومتر غرب الجزائر العاصمة، محاذية لمدينة جرادة المغربية الحدودية، التي تعيش احتجاجات عارمة.

عاشت بلدة العابد لعقود طويلة أيام رغد ورفاهية. وفد إليها المهندسون من دول عدة بينها أميركا، لاستخراج أطنان الزنك والرصاص التي كانت تصدّر لعدة بلدان أجنبية، من سنة 1949 إلى غاية 2003، تاريخ غلق المنجم رسميا.

أكثر من 40 ضحية ..

يتجاوز عدد العمال الذين لقوا مصرعهم بسبب الانهيارات في منجم بلدة العابد 40 عاملا، منذ الاستقلال إلى غاية غلق المنجم.

ويروي أبناء الضحايا والعمال السابقين تفاصيل مريعة لتلك الحوادث المأساوية، التي كانت تقع من حين لآخر، مخلّفة الحزن بين مئات العمال وعائلاتهم، في قرية العابد الحدودية.

ولجأت إدارة المنجم إلى وضع نصب تذكاري لـ30 عاملا قضوا أعماقه التي تتجاوز 600 متر. وما زال أبناء وأحفاد الضحايا يزورون، من حين إلى آخر، النصب الذي يخلّد ذكرى هؤلاء، ويؤرّخ لجانب إنساني من الحياة القاسية لعمال المنجم.

نصب تذكاري لبعض ضحايا المنجم
نصب تذكاري لبعض ضحايا المنجم

يستعيد الجيلالي يوسفي، البالغ من العمر 46 سنة، حادثة وفاة والده، موزع المتفجرات المستعملة في استخراج الزنك والرصاص، تحت أنفاق المنجم.

لم يكن يوم 19 أبريل 1973 كسائر الأيام التي مرت بها عائلة يوسفي، فقد نزل عليهم خبر مقتل الأب كالصاعقة.

في تلك الأثناء لف الحزن المنطقة برمتها، فقد لقي محمد مصرعه رفقة 4 من زملائه، بينما كانوا يحاولون الاستراحة لهنيهة من عناء العمل تحت الأرض، لكن تفاجؤوا بانهيار سقف المكان الذي جلسوا فيه يستريحون.

يقول الجيلالي يوسفي: "كنت في السابعة عشر من العمر عندما رحل عنا الوالد، وهو في السادسة والثلاثين من العمر. لم يكن لعائلتنا، المتكونة من 7 أفراد، مورد آخر. لذلك التحقت بالتكوين المهني، ثم توظّفت بالمنجم".

الجيلالي يوسفي
الجيلالي يوسفي

"الوضع مختلف اليوم عما كنا عليه من قبل"، يقول الجيلالي مرجعا السبب إلى انتشار البطالة.

"رغم محاولة التكفّل بالعدد القليل من العمال الذين تبقوا بعد غلق المنجم، قام الوزير الأسبق شكيب خليل بفتح مدرسة لتكوين الأطر المنجمية في العابد، لكن هذا لم يقض على البطالة"، يردف الجيلالي يوسفي.

موت تحت الأنقاض

ما زال يحيى بن عيسى، البالغ من العمر 45 سنة، والمتزوج والأب لخمسة أطفال، يستحضر تفاصيل يوم وفاة والده، الحاج بن عيسى، بالمنجم.

بن عيسى أن والده اشترى حلويات، صباح يوم 20 ماي 1973، ووزّعها على زملائه في المنجم، طالبا منهم الدعاء بأن يرزقه الله ولدا، لأن زوجته، التي أنجبت 4 بنات، كانت حاملا.

بعد ساعة من العمل في أنفاق المنجم، سمع العمال دوي انهيار، وما هي إلا دقائق، حتى اكتشفوا أن زميلهم الذي طلب منهم الدعاء بأن يُرزق بولد، هو الضحية هذه المرة.

يحيى بن عيسى
يحيى بن عيسى

كان يحيى، الذي روى قصة مصرع والده الحاج، جنينا لم يتعد عمره 6 أشهر، لكن والده قضى قبل أن يشهد فرحة أمنيته التي تحقّقت بعد وفاته.

توفي والد يحيى بن عيسى تحت الأنقاض عقب انهيار جزء من نفق المنجم الواقع تحت الأرض بمئات الأمتار.

كانت الدموع تسبق كلمات يحيى، وهو يستعيد ذكريات الطفولة المريرة، رفقة والدته التي كانت تتقاضى منحة زهيدة جدا، لإعالته وشقيقاته الأربعة.

"ساعدنا عمي كثيرا على اجتياز تلك المرحلة، لكن المعاناة كبرت مع بلوغي سن العمل. اشتغلت في رعي الغنم، وتحملت مشقة العمل في كل ما يساعدني على حفظ كرامة والدتي وشقيقتي"، هكذا يروي يحيى تلك الفترة التي وصفها بالشاقة حتى وهو يستعيد أجزاء منها.

بالنسبة إليه، فلا شييء تغيّر. صحيح أن القرية كانت تمر بفترة رفاهية، لكن حالة عائلته الاجتماعية صارت مزرية، منذ أن غادرها والده الذي توفي قبل 3 أشهر من مولده. يقول يحيى: "إلى غاية الآن، ما زلت أتقاضى منحة التشغيل الشهرية التي لا تتجاوز 12000 دينار (ما يعادل 100 دولار)".

معاناة الرحيل

"قال لوالدتي، أنا ذاهب لكن لن أعود"، هكذا بدأ محمد لزعر، البالغ من العمر 38 سنة، قصة وفاة والده، إثر انهيار صخري داخل المنجم، صباح يوم 22 سبتمبر 1997. كان يوما لا يُنسى بالنسبة لعائلة وأقارب لزعر.

محمد لزعر
محمد لزعر

ترك محمد مقاعد الدراسة بعد الحادث الذي أودى بحياة والده. أبوه كان يشتغل في نقل المتفجرات. تولى هو بعده زمام مسؤولية العائلة.

اشتغل في مهن عدة، من بينها التهريب، وبعد سنوات تمكن من الحصول على وظيفة في منجم العابد، أما المنحة العائلية فلم تتحصّل عليها والدته إلا بعد سنوات من المعاناة.

الوضع بالنسبة لمحمد مختلف تماما اليوم، وقرية العابد تعاني تبعات غلق منجمها، الذي كان يُشغّل قرابة ألف عامل منجمي.

قصة لزعر شابهت عشرات القصص الأخرى لعائلات كابدت مرارة فراق الأب، يرويها سكان القرية، بينها قصة بوسماحة الميلود، الذي توفي تحت أنقاض انهيار صخري في أنفاق المنجم يوم 16 يناير 1974.

محمد بوسماحة
محمد بوسماحة

يحكي ابنه محمد بوسماحة، البالغ من العمر 46 سنة، تفاصيل الواقعة. يقول إن الثلوج كانت تحاصر المنطقة، عندما تلقت العائلة خبر فاجعة وفاة الأب في أنفاق المنجم.

بكت القرية أحد رجالها الذين غادروها، ولم تبق في بلدة العابد، حسب سكانها، سوى معالم عزلة على غير ما اعتادت في السنين الماضية.​

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG