رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

تشتكي المرأة في الجزائر، على غرار نساء في مجتمعات عدة، وضعها في المشهد الخلفي من صورة المجتمع، وراء الرجل، في ظل مجتمع ذكوري، ميزته التمييز بين الذكر والأنثى على نطاق واسع.

بيد أن منطقة القبائل، إلى جانب الطوارق، وحتى منطقة الأوراس، تشكل، إلى جانب مناطق أخرى بالجزائر، الاستثناء، إذ "تحظى المرأة بدور ريادي ضمن السيرورة المجتمعية، بالموازاة مع ما يجري بكامل الجزائر"، على حد تقدير الباحث في علم الاجتماع الهادي عبد اللاوي.

دور محوري

يصف الكاتب الأمازيغي المعروف، مولود فرعون، في روايته التوثيقية للمجتمع القبائلي "ابن الفقير"، والصادرة سنة 1950، المرأة بأنها كائن ضعيف في أسرتها، خصوصا خلال الحقبة الاستعمارية، إذ كانت تتجرع ألم فراق الأهل دونما إبداء أي رأي بخصوص النضال ضد المستعمر الفرنسي.

لكن الكاتب ذاته يقر بعلو شأنها، بمجرد زواجها وإنجابها لأطفال، إذ تضحى المسؤول الأول عن استمرار البيت، حتى سميت في الإرث الأمازيغي بـ"آشغ آلمّاس"، أي العمود الأوسط الذي يشد أساس البيت.

لذلك، يشدد الباحث في علم الاجتماع، الهادي عبد اللاوي، على أن المرأة القبائلية اضطلعت بالأدوار الريادية في المجتمع منذ القديم. "فهي التي تقرر بداية المنطقة التي ترفع فيها أسس البيت"، يقول المتحدث مضيفا: "وهذا سر تسميتها بعمود البيت المحوري أو الأوسط".

ومن بين أهم الأدوار التي تقوم بها المرأة، حسب المتحدث نفسه، القيام بنسج جميع أفرشة البيت بمجرد خطبتها، سواء لوحدها أو بمساعدة نساء القرية أو القريبات.

كما يبرز الباحث في علم الاجتماع ذاته دور المرأة القبائلية في التأمين الغذائي للعائلة، إذ تساهم المرأة بمنطقة القبائل بقسط كبير في عملية التموين طيلة موسمي الحرث والجني، وهو الدور الذي تقاسم الرجل فيه، رغم مهامها داخل البيت التي تتمثل في الأعمال التي تقوم بها أية امرأة أخرى.

وبالنسبة لرئيسة جمعية "إيثران" (نجوم)، تاكليث آث واعمر، فإن "البيت الأمازيغي يقوم على صبر المرأة وجلدها الذي لا يفارقها حتى وفاتها".

وتؤكد المسؤولة عن جمعية "إيثران"، التي تعنى بترقية المرأة القبائلية وتكوينها، أن المرأة، وإن كانت متزوجة ولها من يعولها، لا تتكل على أحد، والدليل "تشميرها سواعدها على الدوام"، كما تقول المتحدث.

"الهيئة التي نرى بها المرأة القبائلية هي بالفعل استعداد دائم للاشتغال"، تضيف تاكليث آث واعمر.

اقرأ أيضا: نسومر الجزائرية.. قاهرة جنرالات فرنسا

وتشير تاكليث آث واعمر أيضا إلى أن المرأة القبائلية تبدأ يومها بجلب الماء من "ثالا" (الينبوع)، ثم بطحن القمح لصنع الخبز، فتنظيف البيت وطهي الأكل والعناية بأولياء الزوج والأطفال، إلى حين وصوله من الخارج.

"مهامها تبدأ من الفجر إلى المغرب، فهي أول من يستيقظ وآخر من ينام في البيت، ناهيك عن جني الزيتون المضني"، تردف الفاعلة الجمعوية نفسها.

المرأة وصراع الهوية

بالنسبة للأستاذ بكلية الآداب بجامعة مولود معمري بتيزي وزو، الياس نوبلي، فإن المرأة القبائلية أسست لـ"مجتمع أميسي" (وصف للمجتمع الذي يتأسس على دور المرأة أكثر من الرجل).

وذلك أعطت المرأة القبائلية، حسب الأستاذ الجامعي ذاته، صورة مخالفة للمجتمع الذكوري الذي اتسمت به أغلبية مناطق الجزائر، "مع بعض الاستثناءات"، يستدرك المتحدث.

ويؤكد الياس نوبلي بأن المرأة الأمازيغية القبائلية على وجه التحديد، برزت من خلال مشاركتها، جنبا إلى جنب مع الرجل، خلال مسيرة المطالبة بالاعتراف بالتراث الأمازيغي.

"المُشاهد لصور المسيرات التي نظمت بالجزائر منذ الثمانينات، يلاحظ وجودا نسائيا معتبرا، وهو دليل توثيقي لدورها الدائم في رحلة النضال الذي قادها أمازيغ منطقة القبائل"، يؤكد المتحدث ذاته.

وفي سياق تأكيد مكانتها داخل المجتمع القبائلي، يستدل الياس نوبلي بالهيبة التي تطبع المرأة القبائلية داخل مجتمعها، والذي لا يحتم عليها تغطية رأسها للخروج وأداء مهامها، لأنه يعتبرها كائنا قائما بذاته ولا يحتاج من ينور له طريقه، على حد قول الباحث الجامعي.

"تُستشار المرأة القبائلية في كل صغيرة وكبيرة تخص البيت والمجتمع أو 'الدشرة' على وجه عام"، على حد وصف المتحدث ذاته.

ولإثبات المكانة الاجتماعية الخاصة والاحترام الذي تحظى به المرأة في المجتمع القبائلي، يُذَكر المتدخل بوجوب تحية المرأة الكبيرة في السن عند لقائها بالقول "عالسلامة آثامغارث".

هذه العبارة لا تعني بالضرورة، حسب المتحدث، "أهلا أيتها العجوز"، بالنظر لسنها، بل للإشارة إلى علو قدرها وسمو شأنها في المجتمع، يردف الياس نوبلي.

من جهة أخرى، يبرز المتحدث التقاسم العادل للمهام بين الرجل والمرأة في السياق القبائلي. "فالرجل هو الذي يحتطب وهي تحمل الحطب للبيت للطهي"، ثم يختم: "المجتمع القبائلي برأيي مجتمع عادل ومنصف للمرأة".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG