رابط إمكانية الوصول

logo-print

هنا هزم الأمازيغ الفراعنة.. أسرار جبل فرعون بالجزائر


مشهد عام لجبل فرعون

منذ 950 سنة قبل الميلاد، نشبت معركة بين القائد الأمازيغي شيشنق، وجيش الفراعنة، انتصر فيها الأمازيغ، الذين لجؤوا إلى إطلاق الأسود المُروّضة على خصومهم.

هذه المعركة حدثت هنا، في جبل فرعون، كما يؤكد الباحث في التاريخ الأمازيغي، محمد سريج، وتحديدا بقرية بني عشير، المتربعة فوق سلسلة بجبال تلمسان بغرب الجزائر.

وادي تافنة.. نقطة الانطلاق

جبل فرعون إذن، هو المكان الذي جرت فيه المعركة التي تحولت إلى انتصار أمازيغي صار موضع احتفاء يُؤرخ فيه لتاريخ الأمازيغ، وتستمر أفراح الاحتفال في بني سنوس تحديدا، لمدة 3 أيام، تكريما لـ"آيراد"؛ الأسد الذي حارب إلى جانب السكان.

في أعلى قمم السلسلة الجبلية لعاصمة الزيانيين، تلمسان، تنتشر قرى منطقة بني سنوس المعروفة بـ"القبايل". هذه القرى التي ما زالت تحتفظ بلمسة أمازيغية واضحة.

أوّل محطة توقفت فيها رحلة "أصوات مغاربية" كانت منبع وادي تافنة، الكائن قرب قرية "الخرايصة". على ضفاف هذا الوادي، الممتد على طول عشرات الكيلومترات، شيّد أمازيغ بني سنوس، قراهم ومدنهم، حسب ما يشرحه، الباحث في الأنثربولوجيا، محمد سريج، الذي صاحبنا في هذه الرحلة.

سريج هو خريج جامعة "نيس" الفرنسية، وقد ألّف عدة كتب حول تاريخ الأمازيغ، وتركز اهتمامه على احتفالات رأس السنة الأمازيغية، واستمد شغفه البحثي بالمنطقة من انتمائه إليها.

محمد سريج
محمد سريج

لا تختلف جغرافيا وتضاريس بني سنوس عن باقي مناطق أمازيغ الجزائر، في تيزي وزو وبجاية مثلا، بينما تغطي أشجار الزيتون جنبات وادي تافنة إلى غاية قرية بني عشير، التي كانت في السابق عبارة عن كهوف ومغارات يحتمي بها السكان من الأعداء.

وعن علاقة وادي تافنة، بقبائل الأمازيغ في بني سنوس، يقول الباحث محمد سريج إن كل القرى المنتشرة في المنطقة كانت بقرب الوادي الذي يعتبرونه إلى غاية الآن مصدر رزقهم، كما أن جل المعارك التي خاضها الأمازيغ كانت على ضفافه.

ويضيف سريج أن تاريخ المنطقة يعود إلى 5000 سنة قبل الميلاد، حسب مؤرخي تلك الفترة، نظرا لوجود شواهد وأدلة مادية مثل المغارات والكهوف والقرى القديمة.

تافسرة.. من الأمازيغ إلى الرومان

كانت هذه القرية تسمى "إيستازيل"، حسب ابن خلدون ورونبي باسي والمؤرخ الإسباني مارمول، وعرفت ببلدة الحديد لإنتاجها وسائل الحرب، والآلات التقليدية للفلاحة، كما تشتهر بإنتاج زيت الزيتون.

أقام في تافسرة القائد الأمازيغي شروان، حسب ما يؤكده باحث الأنثربولوجيا، محمد سريج، قبل أن يحوّلها الرومان إلى حامية لهم، أقاموا فيها معبدا رومانيا تحوّل فيما بعد إلى مسجد سمي مسجد عبد الله بن جعفر، وهو ما زال يحمل الرسومات والأوسمة الرومانية.

الطريق إلى بلدة تافسرة
الطريق إلى بلدة تافسرة

"توجد بمحاذاة تافسرة قرية أخرى بجوار وادي تافنة تسمى التلاثا، إضافة إلى قرية الزهراء، التي سماها الأمازيغ بعد عودتهم من الحروب التي خاضوها في الأندلس، نسبة إلى قصر الزهراء بمدينة قرطبة الإسبانية الذي كان مقرا لاستقبال الوفود الأجنبية"، يردف الباحث الأنثروبولوجي ذاته.

نظام إنذار أمازيغي

دفعت الغارات والمعارك، التي كانت تنشب من حين لآخر، بأمازيغ بني سنوس إلى إقامة نظام إنذار عسكري تقليدي لتنبيه الجنود إلى قدوم العدو.

ويسهب محمد سريج في شرح ذلك ميدانيا، إذ يوضح أن الأمازيغ أقاموا أول نقطة حراسة بجبل "قرن زهرا" حاليا، لحراسة منطقة العزايل.

المراقبة تبدأ، حسب سريج، بإشارة إلى حارس يوجد بجبل "قرن الطبل" حاليا، حيث يقرع الحارس هناك الطبل، لتنبيه الجنود المرابطين بجبل قرن "باقوير"، الذين يُنبهون باقي الجنود وسكان القرى للدفاع عن ممتلكاتهم وأراضيهم.

هذا النظام التقليدي ظل معمولا به لدى أمازيغ بني سنوس، يؤكّد سريج، الذي يشرح كيف ساهم ذلك في تصدّي القائد شيشنق لزحف جيش الفراعنة، والالتحام في معركة بالجبل المسمى جبل فرعون حاليا، بقرية بني عشير المحاطة بسلسلة من الجبال والتضاريس الصعبة.

شيشنق والأسود المروّضة..

تحت سفح جبل فرعون، وقف الباحث محمد سريج، عند بوابة بلدة بني عشير تحديدا، للحديث عن معركة شيشنق.

"هناك من يصنّفها ضمن الأساطير الأمازيغية، وهناك من يرى أنها غير مؤكدة، وأنا أعتبرها حادثة تاريخية مؤكدة"، يقول سريج مستدلا على ذلك بـ"وجود الشواهد التي تستدعي البحث الدقيق في أعلى الجبل، حيث يتطلب الأمر حفريات وأبحاث معمقة للكشف عن حقيقة بقايا المعسكر الذي تمركز فيه جيش القائد شيشنق".

كان ذلك منذ 950 سنة قبل الميلاد، عندما أراد الفراعنة ضم شمال أفريقيا والاستحواذ على طرق التجارة وثروات المنطقة، حسب المتحدث ذاته الذي يوضح أن جيش الفراعنة أغار على أمازيغ بني سنوس.

لكن الإنذار الحربي "مكّن شيشناق من الاستعداد جيّدا للمعركة التي استعمل فيها الأسود المروّضة، فنجح في دحر الغزاة، وهذا ما يُفسّر تمسك السكان، لغاية الآن، باحتفالية آيراد، التي تعني الأسد، ضمن الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية"، يستطرد الباحث ذاته.

كرنفال "آيراد"

يقول رئيس جمعية "تراث بني سنوس"، عبد المجيد جبور، متحدّثا لـ"أصوات مغاربية"، وهو يشير إلى ما نسجته أنامل نسوة المنطقة من زرابي وأفرشة، أن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في بني سنوس، يتميّز بكرنفال "آيراد"، الذي يقام ليلا، بمشاركة شباب يرتدون أقنعة الأسود، تخليدا لمعركة شيشنق.

رئيس جمعية "تراث بني سنوس"، عبد المجيد جبور
رئيس جمعية "تراث بني سنوس"، عبد المجيد جبور

ويسير الشباب المتخفون في هيئة أسود مع فرقة فلكلورية محلية، في أزقّة البلدة، لجمع الهدايا والأطباق والفواكه الطازجة والجافة والبقوليات، لإعادة توزيعها على العائلات الفقيرة، حسب جبور.

أما يمينة، رئيسة جمعية المحافظة على التراث يمينة، فتشير إلى أن هذا التقليد يعبّر عن تمسك سكان بني سنوس بجذورهم وانتمائهم الأمازيغي.

بينما يتحدّث أستاذ التاريخ في مدرسة ثانوية، وعضو بالمجلس البلدي المحلي لبني سنوس، نبيل زهواني، بإسهاب عن احتفالات "آيراد"، إذ يرى أن بني سنوس لها بعد تاريخي يعود إلى ما قبل الميلاد.

نبيل زهواني
نبيل زهواني

"ما زالت بني سنون تحافظ على الطابع الأمازيغي والنظام القبلي الذي كان سائدا إبان الفترة الأمازيغية، كما أنها ظلت تحتفظ بمعالم الأمازيغ من خلال العادات والتقاليد"، يؤكد زهواني.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG