رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

أطباق وموسيقى ولعب.. هكذا أحيى أمازيغ جنوب الجزائر 'يناير'


من احتفالات أمازيغ الجزائر برأس السنة الأمازيغة 2968

على سفوح جبال الأطلس الصحراوي، في الجهة الممتدة نحو الجنوب الغربي الجزائري، المعروفة محليا باسم "لْقصُور"، في خط التماس الفاصل بين الشمال والجنوب، تحيا مجموعة من الأمازيغ تعرف باسم "الشلوح".

وتطلق أيضا على هذه الفئة تسمية "لقْصُورية"، بسبب إقامتهم في قصور شيدوها من طين في عدة مناطق، منها "عسلة" و"تيوت" و"مغرار" و"بوسمغون" و"الشلالة"، وتمتد إلى غاية منطقة "فجيج" المغربية.

لم ينتظر سكان هذه المناطق قرار ترسيم "يناير" للاحتفال به، فهم دأبوا على هذه العادة السنوية منذ القدم وتوارثوا طقوسها عن أجدادهم، حفاظا على هذا الإرث الأمازيغي من الزوال.

'بوسمغون'.. معقل 'الشلوح'

للوقوف على هذه الاحتفالات، قامت "أصوات مغاربية" بجولة استطلاعية إلى منطقة "لْقصُور"، وكانت البداية من معقل "الشلوح" ببلدية "بوسمغون"، التابعة إداريا لولاية البيض، التي تبعد بـ700 كيلومتر عن العاصمة الجزائر، في اتجاه الغرب.

عند مدخل المدينة تشد انتباه الزائر قباب عبارة عن مقابر قديمة تقابلها إقامة رئاسية خاصة بضيوف "خلوة الولي الصالح أحمد التيجاني"، تتوسطها طريق مؤدية إلى "القصر الأسعد".

أمام مدخل هذا القصر القديم، الذي يفوق تاريخ بنائه 9 قرون، يُستقبل الزوار من عدة مناطق مجاورة لمشاركة أهالي المنطقة مناسَبة احتفالهم بـ"يناير" .

ويؤدي مدخل القصر، المتربع على مساحة تفوق 1500 متر مربع، والمتكون من أزقة متداخلة، إلى باحة القصر، حيث يلتقي الضيوف وسكان القصر للتجول في أزقته الضيقة.

وقبل الدخول إلى القصر، تكون العائلات قد أولمت ضيوفها بطبق "أوتشو أزوار"، وهو نوع من أنواع الكسكس المحلي، يُحضّر خصيصا لهذه المناسبة، فحتى الغائب من العائلة تكون ملعقته حاضرة، حسب ما يوضحه بشير زوجي، أحد أبناء المنطقة، لـ"أصوات مغاربية".

ويقول زوجي، وهو أحد أبناء المنطقة، إن نساء المدينة يغيّرن الموقد استعدادا للعام الجديد، ويفتلن كسكسا جديدا خاصا بالذكرى، تفاؤلا بالموسم الآتي.

ومن بين العادات التي بقيت متوارثة، تفادي استعمال "الفلفل" في الأكل في هذا اليوم، حتى لا يكون العام الجديد "حارا"، كما يقول السكان، كما تتزين النسوة بألبسة تقليدية ويخضبن أيديهن بالحناء.

لعبة تاشورت
لعبة تاشورت

وفيما يستمتع الزوار بالعروض المقدمة من طرف الفرق الموسيقية داخل باحة القصر، يفضل آخرون مشاهدة لعبة "تاشورت" داخل واحة النخيل المحيطة بالقصر.

في رحاب أمازيغ الشلالة

غير بعيد عن بوسمغون، تقع بلدية الشلالة الظهرانية، التي تعد، حسب سكانها الأمازيغ، "قبلة الأولياء الصالحين"، فحتى تسميتها ارتبطت بحادثة ولي يدعى "مولاي يوسف"، لدى عودته من الحج.

ضريح الولي سيدي محمد بن سليمان بالشلالة الظهرانية
ضريح الولي سيدي محمد بن سليمان بالشلالة الظهرانية

مع دخول هذه المدينة الصغيرة، يلوح ضريح الولي سيدي محمد بن سليمان بن بوسماحة، والد مؤسس الطريقة الصوفية الشيخية، المنتشرة في الجزائر والمغرب.

وعلى الجهة الأخرى من هذا التجمع السكني، يقع القصر العتيق، الذي يعود بناؤه، حسب شهادات تاريخية، إلى 16 قرنا خلت، من قبل الأمازيغ، غير أنه بات مهجورا من الساكنة.

داخل تلك المعالم التاريخية المتهالكة، كُسر الصمت الرهيب الذي ظل ملازما للقصر، عبر صخب احتفالية "يناير"، المقامة داخل باحته المسماة "تيشرافين"، والتي تنوعت بين العروض البهلوانية والنشاطات الفنية.

وفضّل أبناء المنطقة أن يكون الأطفال الفئة المستهدفة في هذه المناسبة، عبر نشاطات خاصة بهم، لغرس الموروث الأمازيغي في الجيل الجديد، مخافة أن يطاله النسيان بفعل عوامل الزمن، حسبهم.

أحد الضيوف يحضر جلسة الشاي
أحد الضيوف يحضر جلسة الشاي

ويقدم خلال هذا اليوم، المصطلح عليه بالأمازيغية المحلية بـ"إيخف ناسقاس"، طبق "توالي تاعرابت"، وهو عبارة عن نوع سميك الحجم من الكسكس مصحوب بالمرق المسمى محليا "آبلول"، كما يشرح ذلك مصطفى حمولية، وهو أيضا أحد أبناء المنطقة، لـ"أصوات مغاربية".

ويحتوي هذا الطبق الخاص، حسب مصطفى حمولية، على الخضر الموسمية واللحم المجففين، يقدم في "قصعة خشبية"، علاوة على وضع حبة تمر بنواتها داخله، لتكون فأل خير على من يعثر عليها.

ويشير حمولية إلى أن المناسبة تساهم في تعزيز أواصر الود والمحبة بين أفراد العائلة، من خلال السهرة التي يزينها إبريق الشاي و"المخلط" المتكون من أنواع المكسرات والحلوى.

عرب وأمازيغ.. تحت خيمة تيوت

بعد قطع 50 كيلومترا جنوب الشلالة، كانت الوجهة الأخيرة من هذه الجولة بلدية تيوت، وتحديدا منطقة "المعذر"، حيث ما زال يقيم عيسى عبيد الله، أحد سكان البادية، في خيمته.

انعقد مجلس بخيمة عبيد الله بدعوة من صاحب الوليمة، وجلس داخل خيمته عرب وأمازيغ، في عادة سنوية اعتادوا على إحيائها، بالتناوب بينهم أحيانا.

ولسكان البادية طقوس خاصة بهذا اليوم، إذ دأبوا على ذبح شاة إكراما للضيوف، وتقديمها على شكل طبق "مشوي" مصحوب بـ"الحريرة"، وتُختتم بالتمر واللبن.

ولا يخلو اللقاء من تدوير كؤوس الشاي والنكت والدعابات، إذ لا يكون الكرم، حسب سكان هذه المنطقة، مكتملا دون شاي، اعتقادا منهم أن كأسا منه يزيل مخلفات الدسم المتأتية من اللحوم.

وحسب أحد السكان، نبو لمنور، فإن الاحتفال برأس السنة عند البدو الرحل، يكون عادة بطبق "المردود"، ويؤكل باستعمال ملاعق خاصة تسمى "القرطيط"، يكون مقبضها صغيرا.

نبو لمنور
نبو لمنور

وفي معرض حديثه لـ"أصوات مغاربية"، يروي لمنور عادة متجذرة عند البدو، تفيد بأن أصحاب البادية يخرجون في منتصف ليلة رأس السنة إلى زريبة الماشية.

ويردف لمنور موضحا: "يترقب البدو صياح الماشية، فإذا صاحت النعاج سيكون العام مثمرا وناجحا، أما إذا صاحت الماعز فسيكون الموسم الجديد سيئا".

هذه المجالس لا يفارقها إلقاء شعر الملحون، الذي يفاخر بكرم وجود أهل المنطقة ويلامس، في الوقت نفسه، يوميات البدو الرحل المترعة بالفرح والترح معا.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG