رابط إمكانية الوصول

logo-print

'جبل الملح'.. جزائريون يبحثون عن لقمة العيش بين الحجارة


مبروك، أحد المشتغلين بجبل "كراكدة" بحثا عن الملح

جزء من عمامته الرمادية ملفوف على رأسه والجزء الآخر يتلثم به. تختلط على جبينه الأسمر ذرات الغبار وقطرات العرق، وحاجباه الكثيفان شابهما البياض.

يرفع مطرقته الكبيرة، في حركة متكررة، يهوي بها على الصخرة، حتى تنفلج، ليصدر صوت يكسر صمت المكان، ثم يستجمع أجزاء الصخرة المتناثرة.

مبروك يكسر أحجار الملح
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:31 0:00

وبعدما ينال منه التعب، يستلقي على الأرض ليبُلّ ريقه بشربة ماء، ويتناول غذائه المتمثل في قطعة خبز مع كأس شاي، يسدّ به رمقه طوال اليوم.

فلقد دأب على أن يبدأ يومه مع مطلع الشمس من كل يوم، يقضي منه 15 ساعة في استخراج الملح من قعر الجبل، وفي نهاية العمل يصطحب معه الغروب.

بهذا الروتين، مضت 9 سنوات من حياة مبروك متنقلا من مقر سكناه ببلدية "كراكدة"، في ولاية البيض، وسط البلاد، إلى الجبل.

فصول حياته بدت كأنها نسخ متطابقة، ولم يلجمه عن العمل طوال هذه المدة سوى المرض أو الأعياد الدينية.

اختار مبروك مهنة الحفر بحثا عن الملح هاته ليس حبا فيها، كما يقول، بل كان مكرها. فهو، كما يوضح في حديثه مع "أصوات مغاربية"، لم يجد أية وظيفة أخرى تمكنه من إعالة أسرته وأولاده، وفي حال ما عثر على فرصة عمل مستقبلا، سيتركها دون ندم، كما يؤكد.

مبروك يتحدث عن انشغالات بلدية كراكدة
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:23 0:00

فضلا عن مشقة المهنة، يشير مبروك إلى أنه يقطع يوميا مسافة 4 كيلومترات، ذهابا وإيابا، من مقر سكناه ببلدية "كراكدة" إلى الجبل حيث يعمل في البحث عن الملح بين الحجارة.

'كراكدة'.. بلدة فوق الملح

المسافة بين ولاية البيض وبلدية "كراكدة"، التابعة إداريا لدائرة بريزينة، لا تتجاوز 70 كيلومترا، لكن السيارة تقطعها في مدة تتجاوز الساعتين، ذلك أن الطريق الوحيدة المؤدية إليها مهترئة.

ورغم أنها تتربع على مساحة تفوق 800 كيلومترا مربعا، بتعداد سكاني يقارب 3 آلاف نسمة، إلا أن بلدة "كراكدة" ظلت منطقة معزولة عن باقي المناطق.

مدخل بلدية "كراكدة"
مدخل بلدية "كراكدة"

ويشترك السكان هذه البلدة في مظاهر الفقر البادية على أغلبهم، بفعل انعدام أغلب ضروريات الحياة، كما يقولون، فلا وجود للمقاهي أو المخابز أو محلات الخضر أو هيئات عمومية.

ولم يكن الفقر وحده السمة المشتركة بينهم، فعدد كبير منهم أيضا يشتغل في مهنة استخراج الملح من الجبل القريب من المنطقة.

في ذلك اليوم، كان سكان البلدية يستعدون لنقل حمولة "الملح الحي"، كما يصطلح على تسميته عندهم، لتسويقها في اليوم الموالي لسوق المواشي الأسبوعي بولاية البيض.

للوصول إلى جبل الملح ينبغي قطع كيلومترين عبر مسلك ترابي عبدته الدواب والسيارات.

مروان طالبي
مروان طالبي

يختلف جبل الملح عن باقي الجبال المحيطة به، فهو مخضب بألوان تتدرج من الأخضر إلى البنفسجي، تتخلله خيوط ملح بيضاء ذابت بفعل الأمطار.

بينما كان مبروك غارقا في العمل، كان مروان طالبي، الذي تظهر على ملامح وجهه تجاعيد الكبر والتعب بعد قضاء ساعات من العمل، يستعد للعودة إلى بيته.

بحسب مروان، البالغ من العمر 60 سنة، فإن نصف حياته قضاها في هذا الجبل باحثا، بين مسالكه الوعرة، عن لقمة عيش أسرته المتكونة من 9 أفراد.

وبما أن موعد السوق هو في اليوم الموالي، جمّع مروان أحجار الملح المصقولة بجنب المسلك الترابي، حتى يسهل على صاحب الشاحنة، التي استأجرها لنقل بضاعته للسوق، شحنها.

جبل الملح ببلدة كراكدة
جبل الملح ببلدة كراكدة

ويقول مروان طالبي، في حديث مع "أصوات مغاربية"، إنه أحيانا لا يوفق في بيع بضاعته بالثمن الذي يرضيه، مما يضطره إلى بيعها بثمن أقل أو إرجاعها.

هذه المهنة، التي يصفها مروان بالمُهلكة، ورثها عن والده، وحافظ على هذا العهد من خلال توريثها لأبنائه، ليس لأنها تذر عليهم أموالا، بل لأنه لا بديل لهم عنها في هذه المنطقة، كما يقول.

كهول وشباب

قصص العاملين في جبل الملح تختلف من شخص لآخر، فكل واحد منهم يحتفظ بذكريات المعاناة والشقاء طيلة مزاولتهم لهذه المهنة التي مارسوها مجبرين درءا للجوع، كما يقولون.

بين هؤلاء بشير طاهري، الذي كان يشتغل في البداية في مجال البناء، لمدة سنوات، غير أنه، قبل عام، دخل عالم مهنة استخراج الملح.

بشير طاهري
بشير طاهري

غادر بشير، الذي يقف في أعتاب الأربعين، ورشات البناء، بعدما تقطعت به السبل، مع تضاؤل فرص العمل وانعدامها في المنطقة.

وكحال المهن الأخرى، على الوافد الجديد على هذا العمل أن يبدأ مساعدا في عملية التنقيب على الملح باستعمال أدوات تقليدية على غرار المطرقة والإزميل.

هذا ما يشرحه بشير الذي يوضح، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، تقنيات استخراج الملح، التي تتطلب مهارة، حسبه، في إزالة الأتربة التي تغطي أحجار الملح حتى تسهل عملية الاستخراج.

ومن التقنيات التي يذكرها بشير وضع الإزميل بين شقوق الأحجار حتى يكون تكسيرها سلسا، ومن تم مُباشرةُ عملية الصقل والتنظيف باستعمال الأدوات نفسها.

ويستخدم بشير وزملاؤه الحمير لنقل أحجار الملح المستخرجة من أعلى الجبل إلى سفحه، وذلك بعد تجميعها وتكديسها على شكل أهرام، ثم تغطيتها بالبلاستيك تفاديا لذوبان الملح إن سقطت الأمطار.

لا يقتصر العمل في ميدان استخراج الملح على الشيوخ والشباب فقط، فحتى القاصرون دفعتهم الظروف المعيشية لدخول هذا العالم، كما هو الحال محمد فلاحي.

محمد فلاحي
محمد فلاحي

ترك محمد، البالغ من العمر 16 سنة، مقاعد الدراسة قبل عامين، وتوقف عند مستوى "الثالثة متوسط"، بسبب كثرة الغيابات، ليتم توجيهه إلى حياة العمل.

وفي حديثه لـ"أصوات مغاربية"، يعزو محمد سبب انقطاعه عن الدراسة إلى مشكل النقل الذي أرّقه كثيرا، فقبل عامين، لم تكن البلدية تتوفر على مؤسسة تعليمية في مستوى المتوسط، كما يقول.

وكان أطفال المنطقة يدرسون في متوسطة بولاية البيض ويقيمون في الداخلية، لكن ظروف الإقامة والنقل انعكست سلبا على أدائهم الدراسي والتعليمي، كما يشرح محمد فلاحي.

لم يستسلم محمد للفشل الدراسي، إذ التحق بمؤسسة التكوين المهني ببلدية بريزينة، لتلقي تكوين في فنون الطبخ، غير أن وضعه الاجتماعي لم يسمح له بإتمام التكوين كما يوضح.

هذا الإخفاق الدراسي دفع محمد إلى دخول عالم الشغل مبكرا، رغم صغر سنه، فتسلم مشعل مسؤولية البيت من والده الذي خلد إلى البطالة وارتكن في إحدى زوايا المنزل، كما يشرح محمد.

يبلغ دخل محمد حوالي 3 دولارات في اليوم، وما يجنيه من هذه المهنة الثقيلة على جسمه النحيل، ينفقه على العائلة، إذ لم يدخر أي شيء منه.

المصدر: أصوات مغاربية​

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG