رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

'الغناء حرام والمصورون في النار'.. لماذا يكره المتشددون الفن؟


متشددان ينتميان إلى داعش يحطمان تماثيل تاريخية بمتحف بالعراق (2015)

جل المتشددين يحملون عداء للفن، وتختلف درجات تحريهم له حسب درجات التشدد أيضا، إلا أن كثيرا منهم يحرمون الأعمال الفنية جملة وتفصيلا مستندين على فتاوى دينية متشددة.

فما سر هذا العداء الذي يكنه المتشددون للفن؟ ولماذا أُزهقت أرواح فنانين باسم الدين و"محاربة الرذيلة"؟ وهل ثمة في الدين نفسه ما يجردم الفن ويحرض على قتل الفنانين؟

إرث أولين وتشدد معاصرين

يستند المتشددون على آراء فقهية تجرم الفن، وتعتبر الموسيقى، على سبيل المقال، حراما إذا ما تجاوزت استعمال الطبول فقط.

ويستدل دعاة تحريم الموسيقى بآية قرآنية وردت في سورة "لقمان" تقول: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا"، معتبرين، انطلاقا من تفسير متقدمين، أن المقصود بـ"لهو الحديث" هنا هو الغناء.

التصوير كذلك محرم عند المتشددين، منطلقين فيه من ما يعتبرونه حديثا للرسول يتوعد المصورين بالنار، ويشمل ذلك، وفق آراء فقهية لمعاصرين، الفنانون التشكيليون. فما صحة كل هذه التأويلات؟ وهل تغذي فعلا تصورا معاديا للفن؟

اقرأ أيضا: ليست 'المرأة العارية' وحدها.. تماثيل دمرها متشددون

الباحث في الدراسات الإسلامية، محمد عبد الوهاب رفيقي، يرى بأن الخصومة بين الفقه والفن قديمة، قدم الدين والفن، بالرغم من أن عددا من المسلمين ساهموا، حسبه، في إثراء الموسيقى العالمية مثل زرياب، "الذي ما زالت أعماله الفنية تدل على حسه الفني الراقي وهو الذي كبر في محيط مجتمعي يدين بالإسلام".

وفي حديث لـ"أصوات مغاربية"، يوضح رفيقي أنه، وبالموازاة مع تصاعد أهميّة الفن، والموسيقى على وجه التحديد، عند جموع المسلمين "نصّب الفقه عداوة بينه وبين مختلف الفنون كالغناء والرسم والنحت".

ولا يجد المتحدث نفسه أية مرجعية واقعية لتحريم الفن، معتبرا وقوف الفقه موقف السلب من الفن ليس له أي أساس، بل إن رفيقي يرى أن موقف الفقهاء يتناقض تماما مع واقع المسلمين في العهد الأول.

"لا توجد نصوص نبوية صريحة وقطعية تحرم الفن، بل هناك مواقف عديدة تجيزه"، يؤكد الباحث المغربي عبد الوهاب رفيقي.

وخلال تحليله لظاهرة ارتباط التشدد بتجريم الفن، يكشف الباحث في الدراسات الإسلامية أن الواقع السياسي والاجتماعي الذي غذى عداوة الفقه للفن، أضحى أرضية ينطلق منها الإسلاميون اليوم.

"ما لا يعيه الفقهاء ولا الإسلاميون هو أن الفن يسير بموازاة الفقه ولا علاقة بينهما"، يقول رفيقي ثم يردف في الصدد: "لا ينبغي أن يُربط الفن بالدين، لأن مرجع الفن هو الفن ذاته".

وعكس ما يتبناه متشددون، لا يرى محمد عبد الوهاب رفيقي في الفن أية مشكلة من الناحية الفقهية، منطلقا من كون الفن "يغذي الوجدان، خلافا لما يُتداول في أوساط بعض الفقهاء والإسلاميين"

"الفن هو أحد مغذيات الوجدان، وهو يتفق مع الدين في هذه الحيثية"، يوضح رفيقي ثم يمضي مؤكدا: "الدليل على ما أقول هو علاقة الأديان الأخرى بالموسيقى".

وفي السياق نفسه، يؤكد رفيقي أن الدين كان يتماشى مع الفن، وأن العلاقة بينهما كانت تكاملية، بل تنافسية، لما كان لهما من هدف واحد وهو تغذية النفوس.

"المسيحيون يستأنسون بالموسيقى وهم يقرؤون الكتاب المقدس"، يقول رفيقي مستدلا على طرحه.

من التحريض إلى القتل

في الجزائر، كان واقع معاداة الفن باسم الدين مختلفا، إذ انتقلت كراهية متشددين لفنانين من التعبير عن مواقفه متشددة باللسان إلى تنفيذها باليد.

أيادي المتطرفين حصدت أرواح الكثير من الفنانين بالجزائر، سنوات التسعينات، خلال "العشرية السوداء".

اقرأ أيضا: سياسيان وفنانان مغاربيان اغتالهم المتشددون.. تعرف عليهم

ففي بداية التسعينات، وإثر فوز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات بالجزائر، دخل الفنانون، على وجه التحديد، في صراع بقاء ضد المنتخبين الجدد من الحزب الإسلامي الذي فاز بأغلبية المجالس البلدية، إذ عمد بعض رؤساء البلديات إلى غلق دور السنيما، والمسارح.

وبعد توقيف المسار الانتخابي سنة 1991، ودخول الجزائر دوامة العنف لأكثر من 10 سنوات، دفع الفنانون فاتورة غالية، إذ اغتالت الجماعات المسلحة عددا منهم، بل مثلت بجثث البعض وقطعت حتى ألسنة المغنين.

الفيديو يرصد اجتماعا لبعض الفنانين بمنتخبي 'الفيس' ببرج بوعريريج ومطالبتهم برفع أيديهم عن دور السينما التي أغلقوها بدعوى أنها حرام.

وقد اغتال المتشددون مغنين مثل الشاب حسني والشاب عزيز ومعطوب لوناس، فضلا عن المسرحيان عز الدين مجوبي وعبد القادر علولة، إلى جانب المدير الأسبق للمدرسة العليا للفنون الجميلة، أحمد عسلة، الذي اغتيل رفقة ابنه سليم.

اقرأ أيضا: الشاب حسني.. "مَلِك" اغتاله المتشددون

كما اقتحم شباب متطرفون أمسيات ثقافية وحطموا جميع الآلات الموسيقية خلالها، فهل كان ذلك باسم الدين أم السياسة؟ وما الذي يبرر انتقال موقف الكراهية من مجرد التعبير إلى الإرهاب الفعلي؟

المتخصص في الدين وإمام مسجد عمر ابن الخطاب بالعاصمة الجزائرية، منصور جيلالي، يحمل المسؤولية كاملة هنا لتسييس الدين وليس للدين في حد ذاته.

"الإسلام بريء مما ينسب إليه من أفعال تتم لأغراض سياسية أو فكرية أو غير ذلك، خصوصا وأن التحريم والتحليل من صلاحيات جهات دور الإفتاء"، يؤكد جيلالي.

وفي حديث لـ"أصوات مغاربية"، يوضح رجل الدين الجزائري أن الغرض من تحريم الإسلاميين للفن وحمل العداء للفنانين هو "سياسي، ويستجيب لمصالح غير دينية".

ويضيف المتحدث ذاته: "الأصل في الشرع الإباحة، وبالتالي فيمكن القول إن الفن مباح ما دام لم يرد تحريمه بنص شرعي قطعي الثبوت والدلالة".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG