رابط إمكانية الوصول

logo-print

بجشّته المبحوحة، يملأ صوته المكان، صارخا في وجوه العمال ممن لا يمتثلون لأوامره، ويراقب تحركاتهم، ويمكنه حتى إحصاء الحاضرين والغائبين منهم.

مع كل يوم جديد، يرتدي جلابته السوداء وقبعته الزرقاء، دون أن ينسى تلميع حذائه، يقصد مقر المجلس الشعبي البلدي، متخذا مكانه أمام الباب، يتفحص وجوه الوافدين إلى مصلحة الحالة المدنية بالبلدية.

بنوع من التعالي، يخاطب المواطنين بنبرة حادة وكلام غير مفهوم غالبا، تتخلله تأتأة في الحديث. لا يستقر في المكان نفسه، بل يجوب مختلف المكاتب في دورية مراقبة، ومن خلال هذه العملية يمكنه إحصاء أي تصرفات تبدو له أنها تتعارض مع اللباقة.

قد تكون محظوظا لو يمد يده للمصافحة، وإن بادرت بالتحية، قد لا يتفاعل معك ويترك يدك مبسوطة، ويرمقك بنصف نظرة يقيس بها طول جسدك.

ليس من خصاله التكبر، بل يطغى عليه هذا المزاج المتقلب في تعامله مع الآخرين، فهو لا يفرق بين الناس بحسب مكانتهم أو أعمارهم، فقد يستجيب للأطفال ولا يستجيب لغيرهم.

رغم غرابة تصرفاته، غير أن العمال والمواطنين على حد سواء، يعاملونه بلطف مغلّف بالشفقة، ويتحاشون في الكثير من الأحيان الدخول معه في جدال.

لم يستمد الهيبة التي يحظى بها من أصوات الشعب عبر صناديق الانتخاب، بل تكونت هذه الحظوة مع مرور الزمن انطلاقا من اعتقاد سائد، "لا تغضبه فإنه درويش".

سلطة الدرويش

بوعمامة الزرف، شاب في منتصف الأربعين من العمر، ولد يقول البعض "متأخر ذهنيا"، لكنه يحوز على احترام سكان منطقة عين الصفراء، الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري.

يتصرف بوعمامة كرئيس بلدية في يده سلطة، ويحاول تقليد شخصية المسؤول المترفع والصارم في تعاملاته مع الشعب، وحتى مع بعض المؤسسات المكلفة بإنجاز المشاريع.

ففي مناسبات متفرقة، يباغتهم بزيارات ميدانية لأوراش الأشغال التابعة للبلدية لمراقبة تقدم نسبة إنجاز المشاريع، متنقلا بينها على قدميه بهرولة المختال الفخور.

صورة الدرويش بوعمامة الزرف
صورة الدرويش بوعمامة الزرف

عين الصفراء.. قبلة الدراويش

كثيرا ما يشاع عن الدراويش أمثال بوعمامة، في المناطق الداخلية بالجزائر، أن لهم كرامات وبركات كغيرهم من الأولياء الصالحين، كما هو شائع في منطقة عين الصفراء.

ومن أجل ملامسة هذا الواقع عن قرب، قامت "أصوات مغاربية" بجولة استطلاعية بهذه المدينة التي تبعد عن العاصمة الجزائر بحوالي 700 كيلومتر.

تزخر هذه المدينة التي تنام بين ثلاث جبال "مكثر، مرغاد، عيسى"، بموروث ثقافي وتاريخي، فهي إحدى قلاع الثورات الشعبية والثورة التحريرية.

الطريق الى عين الصفراء
الطريق الى عين الصفراء

فضلا عن ارتباط اسمها بالصحافية السويسرية "إيزابيل ابرهارت"، المتوفاة بالمنطقة، والتي تحولت فيما بعد إلى درويش بات ينادونه بـ"السي محمود"، بحسب شهادات متطابقة من سكان المدينة.

ويتداول سكان المنطقة روايات شفوية عن كرامات الدراويش، التي تتطابق كلها حول أن هذه الفئة هي من "تدفع البلاء عن المنطقة وأهلها".

وعلى هذا الأساس، يعامَلون معاملة خاصة بنوع من التقديس أحيانا، مع وجوب إكرامهم في المناسبات والتصديق عليهم بالملابس والنقود.

هذه المعاملة الخاصة مع هذه الفئة توارثها السكان، وحافظوا عليها وتورعوا عن إغضابهم، "لأن دعاءهم مستجاب وليس بينه وبين الله حجاب"، على حد تعبير عبد الصمد مسقم.

ويقول عبد الصمد وهو أحد شباب المنطقة، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، إنهم فتحوا أعينهم على احترام هذه الفئة كونهم "أناس قريبون من الله"، انسجاما مع الاعتقاد السائد.

وبمجرد جولة قصيرة في وسط هذه المدينة، يمكنك مصادفة العديد من الدراويش، فهم يقضون اليوم كاملا في التجوّل في الأزقة ويتخذون بعض الأماكن مستقرا لهم.

الدرويش محمد ديواني
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:31 0:00

السبعينات.. درويش سياسي

وتختلف طبائعهم من درويش إلى آخر، فهناك من هو مهووس بالسياسة والحديث عن الأوضاع السياسية في البلد، ناهيك عن القضايا التي تشغل الرأي العام المحلي.

ومثال ذلك، محمد ديواني المعروف في الوسط الشعبي باسم "السبعينات"، فلا يخلو كلامه من السياسة أو توجيه انتقادات لاذعة لأحد الدراويش الآخرين.

بعد جولة خفيفة بوسط المدينة، يتوقف "السبعينات" عند مقهى "سينما أمزي"، لارتشاف قهوة تقدم له مجانا دون أن يكلف نفسه طلبها من النادل.

بمجرد جلوسه في المقهى، يشرع في الحديث عن أحوال السياسة في الجزائر، بدءا من الرئيس بوتفليقة إلى الوزراء والولاة وصولا إلى رئيس البلدية.

كما يقدم أيضا تحليلات سياسية عن الأوضاع وتوجيه اللوم إلى أسماء سياسية بعينها، مسترجعا بذلك كل ما التقطته ذاكرته من حديث الناس، بحسب تأكيد ابن اخيه يونس.

ويكشف يونس، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن عمّه لا يتابع الأخبار على التلفاز لأنه لا يستوعبها، لكنه يردد ما يسمعه من أحاديث المواطنين عن السياسة.

وخلال حديثك معه، قد يكلفك "السبعينات" بنقل رسالته إلى المسؤول الأول في البلاد بكلمات أغلبها غير مفهوم، لكن مقصدها يدعو إلى الالتفات إلى حال الفقراء في المنطقة.

الشيخ.. درويش عصري

ويبدو أن الصورة النمطية التي تشكلت عن الدراويش بأنهم أصحاب لحى كثة مغبّرة ويرتدون ملابس ممزقة ورثة، لا تنسحب على دراويش مدينة عين الصفراء.

الدرويش الشيخ مزراق
الدرويش الشيخ مزراق

كما هو الحال مع الدرويش "الشيخ مزراق"، الذي يرتدي ملابس عصرية ويحرص على حلق ذقنه وكذا نظافة مظهره منذ صغره، وفقا لشهادة جيرانه.

يؤكد محمد، صاحب محل مواد غذائية وأحد جيرانه، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، أن الشيخ يرتدي بدلات رسمية عندما يكون مدعوا لحضور حفل زفاف.

ولا يخفي الشيخ هوسه بمتابعة كرة القدم، إذ يداوم على حضور مباراة الفريق المحلي، فضلا عن الدورات الرياضية ما بين الأحياء.

كما يبدي ولعَه بمشاهدة البطولات الأوروبية، وبخاصة فريقه المفضل نادي برشلونة ولاعبه "ميسي"، وعند نهاية المباراة يتندر مع خصوم فريقه المفضل.

ويشارك الشيخ في كل محطة انتخابية في أجواء الحملة، إذ يعلن ولاءه لأحد الأحزاب السياسية، ويشرع في الدعاية لها عبر الملصقات كما يشهد بذلك جيرانه.

مطعم معيطة.. مقر الدراويش

ومن السمات الغريبة، التي يشتهر بها دراويش المدينة، أنهم يلتقون بشكل دوري في مطعم "الحاج معيطة"، لتناول وجبة الغذاء.

سليمان صاحب مطعم الحاج معيطة
سليمان صاحب مطعم الحاج معيطة

وفي منتصف النهار، يجتمع حوالي 30 نفرا منهم، متخذين أماكنهم في قاعة مخصصة لهم داخل المطعم، مجهزة بطاولات وكراسي وشاشة تلفاز.

ودأب هؤلاء الدراويش على وجبة ساخنة عند صاحب المطعم "المرحوم الحاج عبد القادر معيطة"، الذي ورّث هذه العادة لأبنائه.

ولا يُعد هذا المطعم خاصا بالدراويش لوحدهم، بل هو مطعم مفتوح أمام الجميع، ويخصص صاحبه نصيبا من أطباق اليوم لإطعام هذه الفئة.

ويساهم مرتادو المطعم وسكان المنطقة بشكل غير مباشر في تعويض تكلفة وجبات الدراويش، من خلال تقديم تبرعات أو ترك إكراميات بعد الدفع.

ويقول سليمان صاحب المطعم، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إنه يسير على خطى والده الذي تشكلت خيوط علاقته بالدراويش منذ الستينات من القرن الماضي.

وبحسب سليمان، بات المطعم مقرا للدراويش، فكل شخص وجبت عليه "كفارة إطعام المساكين" يدفع مقابل ذلك مالا، وبه يتم إعداد وليمة لهم.

ويتمسك صاحب المطعم بهذه العادة، تقديرا منه لوصية والده، واتقاء "لسُخط" الدراويش و"ابتغاء لرضاهم الذي يدفع البلاء ويجلب الخير"، يقول سليمان.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG