رابط إمكانية الوصول

logo-print

هل تُوسع سياسة الحكومة الهوة بين أغنياء الجزائر وفقرائها؟


متسولات في أحد شوارع العاصمة الجزائر (أرشيف)

تحرص الحكومة الجزائرية على تسويق خطاب رسمي، يعلن في محتواه تمسك الحكومة بخيار تحقيق العدالة الاجتماعية في سياساتها.

وتُعزز الحكومة خطابها هذا بأرقام تقول إنها تثبت صحة كلامها، غير أن هذه الأرقام تقابلها معطيات توردها المنظمات الحقوقية في تقاريرها الدورية، فضلا عن قراءات الخبراء، التي تعتبر أنه ليس كل الجزائريين متساوون.

بين الأرقام والواقع

الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان هي إحدى المنظمات الحقوقية التي تعتبر أن على الحكومة "التحرك الجدي والعاجل، من أجل تحصين البلاد، من خلال إعادة النظر في السياسة الاقتصادية، منها التوزيع العادل للثروات".

هذا ما أوردته الرابطة في بيان لها، صدر بمناسبة اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، الذي احتفى به العالم يوم الثلاثاء، وقالت فيه إنه لا يمكن تصور عدالة اجتماعية بدون عدالة ضريبية، على اعتبار أن الموظفين والفقراء يسددون فاتورة الطبقة الغنية، بسبب التهرب الضريبي لرجال الأعمال، حسبها.

وجاء في البيان، الذي تحوز "أصوات مغاربية" نسخة منه، أن المكتب الوطني للرابطة "حذر من انهيار القدرة الشرائية والسياسات الشعبوية، التي تنذر بكارثة اجتماعية".

وتؤكد الرابطة الحقوقية أن العدالة الاجتماعية التي ترسي دعائم الدول وتضمن استقرار المجتمعات، "لا تزال مغيّبة في الجزائر"، مضيفة: "يكفي التأمل في كيفية توزيع مناصب العمل والسكنات والاختلال في التنمية بين جهات الوطن".

هذا الوضع أفرز، بحسب الرابطة، "تفاقم الاحتقان الشعبي وكثرة الاحتجاجات وقطع الطرقات، إلى أن بلغ 13 ألف احتجاج في السنة الواحدة".

في المقابل، كان الوزير الأول، أحمد أويحي، قد أوضح بأن للجزائر "سياسة اجتماعية ثابتة قائمة على العدالة الاجتماعية والتضامن الوطني".

وأثناء حديثه أيضا عن دور سياسة الدعم الاجتماعي أمام نواب البرلمان، أكد وزير المالية، عبد الرحمن راية، أن "الدعم مستمر، ولا رجعة عنه، إلى حين إيجاد الآليات الكفيلة بتحقيق الانتقائية"، مؤكدا بأن هذه السياسة "هي صورة من صور العدالة الاجتماعية".

وبحسب راوية، فإن 65 في المئة من حجم التحويلات الاجتماعية وجهت لدعم الأسر والسكن والصحة، وهذا ما يترجم، حسبه، "جهود الحكومة في تحسين الظروف المعيشية للمواطن".

فاتورة السلم

وفي كل مناسبة، تؤكد الحكومة الجزائرية أنها ماضية في تنفيذ سياستها الرامية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، بشكل سينعكس إيجابا على ظروف المواطنين، فهل هذا صحيح؟

أستاذ العلوم السياسية، عادل أورابح، يوضح أن هناك جوانب إيجابية في سياسات الحكومة الطامحة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، باعتبارها شكلاً من أشكال التضامن الاجتماعي وحماية الفئات الهشة والمحرومة.

غير أن هذه السياسات لا تمثل في جوهرها، بحسب تصريح أورابح لـ"أصوات مغاربية"، سوى الوسيلة الأبرز لشراء السلم الاجتماعي، منتقدا ما يسميه "نمط التوزيع الفض للثروة"، كونه ينطوي على تناقضات كبيرة.

وفي معرض حديثه عن الدعم الاجتماعي في الجزائر، يقسم أورابح هذا الدعم إلى نوعين؛ الأول، في اعتقاده، ذو مصدر مالي ومنصوص عليه في الموازنات، أما الثاني، فيراه نتاج سياسة تسعير المنتوجات والخدمات.

ومن هذا المنطلق، فإن استمرار سياسات الدعم بشكلها الحالي، وفق تصور أرابح، هو "استمرار للتوزيع الشعبوي للريع بعيدًا عن أية عقلانية اقتصادية، واستمرار أيضًا لتوسع الفوارق الاجتماعية".

الميزان الاجتماعي

أما مدير معهد "هايك" للتفكير الاقتصادي، مصطفى راجعي، فيعتقد أنه يراد من سياسة العدالة الاجتماعية في الجزائر "تحقيق غايتين متناقضين".

ويشرح راجعي وجهة نظرته قائلا إن العدالة الاجتماعية بمعناها التوزيعي تؤدي إلى ارتكاب الظلم الاجتماعي من خلال ظلم الأغنياء ومنح الفقراء، فهي تهدف، حسبه، إلى إنصاف الفقراء وإعطائهم حقوق مادية منزوعة من حقوق الأغنياء.

"وحتى في حالة تمويل الحكومة للبرامج الاجتماعية، فإن العدالة الاجتماعية المتخيلة لن تتحقق، لأن تقديم السلع والخدمات مجانا أو بأسعار منخفضة لن يحقق العدالة المرجوة، بل يساهم في الإحساس بالظلم"، يُردف راجعي.

ويقول راجعي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن دعم أسعار السلع والخدمات، يجعل الطلب عليها مرتفعا، وتنتج عنه زيادة في الاستهلاك، مما يؤدي إلى الندرة، ولن يستفيد الفقراء بفعل نفاذ المنتوجات وكثرة الطلب.

وما يزيد الإحساس بغياب العدل، في نظر راجعي، هو أن الأغنياء كذلك يستفيدون من السلع المدعومة والخدمات المجانية، مستدلا على ذلك بالخدمات المجانية كالصحة والتعليم مثلا.

وعليه، يقدر الباحث ذاته أن برامج الدعم الحكومي للوصول إلى السلع والخدمات مجانا لا يفيد الفقراء كثيرا، بل يستفيد منه الأغنياء.

"هكذا نصل إلى مفارقة العدالة الاجتماعية التي يؤدي تطبيقها إلى إحداث الظلم الاجتماعي والإحساس بعدم المساواة، ومن هنا الشعور بالإحباط و الظلم، وهي أرضية الاحتجاجات والثورات"، يقول مدير معهد "هايك" للتفكير الاقتصادي.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG