رابط إمكانية الوصول

logo-print

لماذا لم يُؤثر العثمانيون في أمازيغ الجزائر؟


نساء من القبايل (أرشيف)

إذا سبق لك أن زرت الجزائر، فمن المؤكد أنك سمعت كلمات لم تفهمها، لأنها، في واقع الأمر، كلمات تركية ما زالت متداولة.

يمكنك كذلك التعرف على بعض الشواهد المعمارية الموثِّقة لمرور العثمانيين بالجزائر، مثل قصبة الجزائر، ومسجد كتشاوة وسط العاصمة، أو بنايات عثمانية بمدينة قسنطينة.

المُلفت أن هذه الصورة تختفي إذا بلغتَ منطقة القبائل وأغلب المناطق الأمازيغية، مثل الأوراس وجنوب الصحراء.

حكاية القبائل المستقلة

كان المجتمع الجزائري، خلال الوجود العثماني، مكونا من مجموعة من القبائل، يقسمها مؤرخون إلى أربع مجموعات، تضم الأولى قبائل "المخزن"، والتي كانت تعمل لدى السلطة العثمانية، وقبائل "البايلك"، والتي كانت تسكن بجوار المدن الكبرى، إضافة إلى قبائل "الأحلاف"، التي كانت متحالفة مع السلطة.

أما المجموعة الرابعة فكانت تسمى "القبائل المستقلة"، وهي التي تسكن أعالي الجبال والصحراء، وكانت ذات أغلبية أمازيغية.

ويشير القنصل الأميركي في الجزائر، وليام شالر، والذي عاش في البلاد ما بين 1816 و1824 ودوَّن تجربته هاته في مذكرات، إلى أن القبائل الأمازيغية لم تكن على توافق مع السلطة العثمانية منذ دخولها الأراضي الجزائرية.

ملاحظة شالر تدعم ما ذهب إليه المؤرخون الذين أكدوا بأن القبائل الأمازيغية، أو ما صار يُعرف لاحقا بالقبائل المستقلة، كانت رافضة لسياسة العثمانيين، ولم تستسغ يوما طريقة تسيير شؤون الدولة وعلاقاتها بالدول الأخرى.

لكن الكاتب وأستاذ التاريخ بجامعة أدرار، دحمان تواتي، لا يوافق هذا الرأي، ويرى أن العثمانيين جاؤوا إلى الجزائر ومكثوا فيها قرابة ثلاثة قرون، بطلب من الجزائريين أنفسهم، وحظوا باحترام أغلب الجزائريين بمن فيهم الأمازيغ، حسبه.

غير أنه في مُقابل نفي تواتي لفكرة أن الأمازيغ كانوا رافضين للوجود العثماني، فإن أستاذ التاريخ بالجامعة الواقعة بجنوب الجزائر يوضح أن أمازيغ البلاد كانوا محافظين على إرثهم الثقافي، وهو ما يفسر، حسبه، عدم تأثرهم مجتمعيا ولا ثقافيا بالعثمانيين.

ويتابع المتحدث نفسه، في حديث لـ"أصوات مغاربية"، قائلا: "لما انتفض جزائريون ضد السلطة العثمانية في خريف وجودها بالجزائر، كان الأمازيغ ضمن الحراك، ولم يكونوا أول من بادر به".

باحث: الأمازيغ لم يرفضوا الوجود العثماني، بل كانوا حريصين على ثقافتهم فقط

ويفسر الباحث ذاته ما يعتبره عدم تأثر لأمازيغ الجزائر بالثقافة والإرث العثمانيين، بسببين رئيسيين حسبه، الأول يتجلى في عدم وجود العثمانيين في الجزائر بأعداد كبيرة، إذ كانوا لا يتعدون، وِفقه، 12 ألف شخص.

أما السبب الثاني فيعود إلى درجة تمسك الأمازيغ بإرث أجدادهم، كما يفعلون إلى غاية اليوم.

"لم يرفضوا الوجود العثماني، كانوا حريصين على ثقافتهم فقط"، يشدد أستاذ التاريخ، دحمان تواتي.

عامل الجغرافيا

الناشط في الحركة الأمازيغية بالجزائر، اعمر آث واعلي، يؤكد، من جهته، أن الأمازيغ "لا يرفضون الاحتكاك بالحضارات الأخرى، وهو سر تمسكهم بالإسلام، لكنهم لا يستسيغون من يُحاول طمس هويتهم".

​وفي حديث له مع "أصوات مغاربية"، يبرز آث واعلي أن "احتكاك الأتراك ببعض سكان بجاية، شرق الجزائر، جعلهم يتبنون بعض الكلمات التركية التي لا تزال تُستخدم في الحديث العام بمنطقة القبائل".

ويعطي المتحدث ذاته أمثلة عن بعض الكلمات التي يستخدمها القبائل بمنطقة بجاية، مثل "سانجاق"، أو "الراية"، و"خيش"، والتي تعني "توقف" أو "يكفي"، ولكن هؤلاء الأمازيغ "لم ينصهروا في ثقافتهم، ولم ينتج عن ذلك الاحتكاك إلا الحديث ببعض كلماتهم"، وفق آث واعلي.

كما يؤكد الناشط الأمازيغي ذاته أن العثمانيين لم يحتكوا أبدا بأمازيغ الصحراء، مثل الميزابيين أو الطوارق، حتى يُؤثروا فيهم.

"لا بد من التأكيد على أن الأمازيغ عموما لم يتأثروا بالعثمانيين لعوامل جغرافية كذلك"، يوضح اعمر آث واعلي.

ناشط أمازيغي: العثمانيون لم يحتكوا أبدا بأمازيغ الصحراء

أما الباحث في المجال الاجتماعي، نجاح مبارك، فيرد عدم تأثر الأمازيغ بالوجود العثماني، رغم دوامه قرابة ثلاثة قرون، إلى طبيعة الأمازيغ الذين توارثوا الذود عن خصوصياتهم وثقافتهم جيلا بعد جيل، حسبه.

وفي معرض حديثه، يشير مبارك إلى أن أغلب الأمازيغ يوجدون بأعالي الجبال وأقصى مناطق الصحراء، وهي مناطق لم تعرف وجودا كبيرا للعثمانيين، وفقه.

"لا بد من الإشارة إلى أن العثمانيين كانوا مهتمين بالمدن الكبرى، وهو ما جعل احتكاكهم بالقبائل، مثلا، غير كبير"، يردف مبارك.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG