رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

تبلغ 60 مليون دولار في السنة.. أين تذهب أموال أضرحة الجزائر؟


داخل ضريح بالجزائر (أرشيف)

ما زال سكان حي سيدي يحي، وسط العاصمة الجزائر، يتذكرون حادثة اقتحام ضريح الولي، المدعو "سيدي يحي الطيار"، من قبل جماعات متشددة سنوات العشرية السوداء التي مرت بها البلاد.

واستولى المتشددون على محتوى صندوق تبرعات زوار الضريح، ممن يقصدون الولي، بغرض طلب الشفاء والتبرك، وفقا لاعتقادات سائدة في المجتمع الجزائري.

صندوق الولي

يتذكر "العم علي"، الذي يشتغل حفار قبور بمقبرة سيدي يحي، حيث يوجد الضريح، وقائع الحادثة بتفاصيلها ويؤكدها لـ"أصوات مغاربية".

عقب هذه الحادثة، يقول "العم علي"، البالغ من العمر 60 سنة، إن السلطات المحلية اضطرت، وقتها، إلى غلق الضريح وتشميعه إلى غاية عودة الأمن.

ومع مطلع الألفية الجديدة، استرجع مقام هذا الولي زواره، وتعاقب على تسييره وخدمته "مُقدَّمون" معيّنون من طرف وزارة الشؤون الدينية.

العم علي، حفار القبور بمقبرة سيدي يحي
العم علي، حفار القبور بمقبرة سيدي يحي

عند زيارتنا للضريح، وجدناه مقفلا بباب حديدي جديد، على جداره فتحة صغيرة من نافذة يظهر منها قبر الولي، بجنبه شموع خمدت شعلتها وقطع نقدية رماها الزائرون عبر الفجوة.

بالعاصمة أيضا مزار ولي آخر يدعى "سيدي عبد الرحمن الثعالبي". على عكس ضريح سيدي يحي، الذي كان موصدا بقرار من السلطات، عج مزار سيدي عبد الرحمان بالزوار، خاصة النساء والأطفال.

عند مدخل الضريح، يجلس مُقدّم المزار متكئا على صندوق جمع التبرعات، يتلقى صدقات وإكراميات من قبل مرتادي هذا الضريح، مقابل ذلك، يقدم لهم قطعا صغيرة من القماش يُتبعها بابتهال يسميه دعاء "تبليغ الغاية".

ضريح الولي عبد الرحمن الثعالبي بالجزائر العاصمة
ضريح الولي عبد الرحمن الثعالبي بالجزائر العاصمة

يقابل المقدم باب قاعة تمتد على مساحة 30 مترا مربعا، يتوسطها قبر الولي مغطى بقماش أخضر، يتحلق حوله ما يقارب 20 شخصا من نساء ورجال.

امتنع خادم هذا الضريح عن الكشف عن مصير الأموال التي يتبرع بها زوار الضريح، مكتفيا بالقول إن الهبات المقدمة "تذهب إلى الفقراء والمساكين".

أما محتويات الصندوق فقد اعتبرها المقدم شأنا لا يعنيه، بل "يعود إلى مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية الجزائر".

لمن أراد التبرع بمال للضريح، فإن الأمر يتم هكذا: لا يوضع المبلغ المالي داخل الصندوق، بل في يد خادم الضريح الذي يستلم المبلغ ويدسه في جيبه، متعهدا بوضعه في الصندوق، مرددا: "الله يتقبل الزيارة".

أرقام صادمة

في دراسة مسحية غير منشورة، أعدها الباحث في مجال "المقدس الشعبي والأنساب"، الدكتور عمر بن عيشة، في الفترة الممتدة ما بين 2004 و2018، تظهر تفاصيل تتعلق بالأضرحة بالجزائر، مداخليها وكيفية تدبيرها أيضا.

الباحث في المقدس الشعبي والأنساب الدكتور عمر بن عيشة
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:21 0:00

خلص بن عيشة في دراسته إلى وجود أكثر من 75 ألف ضريح ومزار عبر أرجاء البلاد، منها 6 آلاف ضريح تقام لها، كل سنة، طقوس تُسمى "الطعم" أو "الوعدة".

ويناقش الباحث في دراسته المعنونة بـ"دور الأضرحة في المجتمع الجزائري"، الجانب الاجتماعي والمادي لهذه الأضرحة والمزارات.

هذا الجانب يكشف عنه بن عيشة، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، قائلا إن مداخيل هذه الأضرحة "تقدر بما بين 600 إلى 700 مليار سنتيم (52 إلى 60 مليون دولار) سنويا".

ويقدِّر الباحث أن مجموع ما يدخل صناديق 10 أضرحة فقط يفوق 80 مليار سنتيم (6 ملايير دولار) سنويا، بينها 4 ملايير سنتيم (350 ألف دولار) عائدات ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي سنويا.

وينتهي عمر بن عيشة إلى أن عدد الزوار، الذين يقصدون الأضرحة يتراوح ما بين 30 إلى 50 يوميا، بينما يزداد عددهم في مواسم وطقوس مخصوصة، إذ يفوق 30 ألف زائر في أيام "الاحتفالية" أو "الطعم".

ويشير الباحث إلى أن دراسته ركزت على مداخيل الصناديق الموجودة داخل الأضرحة، دون احتساب ما يقدم إلى مقدّمي الأضرحة والمشرفين عليها من صدقات وهبات بشكل مباشر.

قانون.. ولكن..

من خلال ما سبق، قادنا تقصينا في وضعية الأضرحة وما تدخلها من أموال إلى البحث عن القوانين التي تنظم عمليات جمع هذه الأموال الموضوعة داخل صناديقها.

تتمثل هذه القوانين في مناشير وزارية مشتركة ومراسيم، مثل المرسوم التنفيذي رقم 03-51 المؤرخ سنة 2003، الذي يحدد كيفيات تطبيق القانون المتعلق بالأوقاف.

وجاء في المادة 2 من هذا القانون أن "المصالح المختصة بالأوقاف تُعد عملية جرد أموال الأملاك الوقفية، المنقولة النقدية وغير النقدية، الموضوعة في الأماكن المزارة كالأضرحة والمقابر".

كما يوجد قرار وزاري مشترك مؤرخ سنة 1999، يتضمن إنشاء صندوق مركزي للأملاك الوقفية يحتوي بدوره على حسابين، الأول خاص بالأملاك الوقفية والثاني خاص بالأضرحة والهبات.

ضريح بالجزائر (أرشيف)
ضريح بالجزائر (أرشيف)

ويعد الضريح ملكا وقفيا يفترض أن يعيّن له، حسب القرار، ناظر مكلف بتحصيل حسابات ريع المِلك الوقفي، وتصب المبالغ المحصلة في حساب الأملاك الوقفية للولاية، ثم تحول إلى حساب الأضرحة والهبات تحت رقم معين وارد في النص القانوني.

غير أنه كان لافتا عدم وجود نص قانوني يضبط أموال الأضرحة قبل سنة 1999، فأين كانت تذهب تلك الأموال؟ وكيف كان يجري ضبطها، خصوصا في فترة "العشرية السوداء" التي شهدت تكثف حركة جماعات متشددة في البلاد؟

عن هذا، يقول مسؤول الاتصال السابق بوزارة الشؤون الدينية، عدة فلاحي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن الفراغ القانوني الموجود في التسعينيات "أعطى الفرصة لتنقل الأموال من جهة إلى أخرى، سواء داخل البلاد أو خارجها".

ويستند فلاحي في كلامه إلى تقارير أمنية، وطنية وخارجية، قائلا إن وكالة استخبارات دولية "تحدثت عن تحويل هذه الأموال، في ظل فراغ قانوني في الجزائر، نحو الجماعات الإرهابية المسلحة في التسعينيات".

ويكشف المستشار السابق بوزارة الشؤون الدينية أنه بعد مجيء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999، عُين عبد الله غلام الله وزيرا للشؤون الدينية، وعندما فقط تمّ التفكير في إنشاء صناديق خاصة بالأوقاف والأضرحة.

جاء هذا الإجراء، حسب المتحدث ذاته، "لتدارك الفراغ، حتى لا يتم التصرف في هذه الأموال بشكل مستباح لتوظيفها في دعم لوجيستيكي للإرهابيين".

ورغم إنشاء هذا الصندوق، إلا أن الفراغ ما زال قائما، وفق تصور فلاحي، ذلك أنه "لم يكن هناك التزام صارم وشفافية خلال تقييد هذه الأموال، من حيث عددها وكيفية صرفها والجهة المخولة قانونا بجمعها".

أموال الأضرحة والإرهاب

يُفهم من كلام الإطار السابق بوزارة الشؤون الدينية أن أموال الأضرحة لم تكن تخضع للرقابة، وما زالت على هذه الحال إلى حد الساعة.

غياب الرقابة على هذه الأموال، يحتمل أن تكون توجيهها نحو وجهة أخرى أمرا سهلا، مثلما وقع سنوات" العشرية السوداء"، حسب المحامي والخبير القانوني، عمار خبابة.

عمار خبابة محامي وقانوني
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:22 0:00

ويؤكد خبابة، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن هذه الأموال "يمكن أن تأخذ هذه الوجهة (يقصد تمويل الإرهاب) ووجهات أخرى، ولذلك يتعين ضبط هذه المسائل وعدم تركها للفوضى".

ويصنف المحامي الجزائري الأموال الموجودة في الأضرحة ضمن خانة التبرعات، مشيرا إلى وجود أمر بمثابة قانون، وهو الأمر 77-03 المؤرخ في سنة 1977، الذي ينظم عملية التبرعات.

ويُفترض، حسب خبابة، أن تكون هناك جمعيات معتمدة تفتح الصناديق وتعدها وتُقيدها في محضر قبل وضعها في الحساب، حتى تُصرف بطريقة شفافة.

"نجد مساجد تتكفل جمعيات دينية بجمع التبرعات الموجهة إليها بترخيص من السلطات، في حين نجد أضرحة ومزارات توضع فيها صناديق لجمع التبرعات دون أي ضابط أو أي رخصة"، يردف الخبير القانوني ذاته.

وانطلاقا من هذا، يقول خبابة: "إن المشرع الجزائري وضع أحكاما تعاقب جمع التبرعات خارج أحكام الأمر المذكور، عبر عقوبات بالحبس والغرامة".

تتمة الصورة

التشكيك في وجهة أموال الأضرحة والالتباس الحاصل في طريقة تدبيرها، دفعنا للبحث عن بقية معالم الصورة بالجهة المُدبرة لهذه الأضرحة؛ وزارة الشؤون الدينية.

وعن مصير هذه الأموال، يقول جلول قسول، وهو إمام يشغل منصبا ساميا بوزارة الشؤون الدينية، إن هذه الصناديق "لها أهلها، يقومون بفتحها وعدّها وتوجيهها وصرفها في الأمور الخيرية".

ويوضح قسول: "القاصد لزيارة هذه الأماكن يبتغي مرضاة ربه، وعليه تنفق صدقاته فيما وضعت من أجله".

ويكشف قسول، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، عن "وجود لجنة تجمع أموال الصناديق وتوجهها في منافع الخير، تحت مسؤولية مدير الشؤون الدينية".

ويبين المتحدث ذاته أيضا أنه لا ينبغي للمقدّم المشرف على الضريح أن يأخذ من هذه الأموال، "لأنه يعتبر موظفا لدى قطاع الشؤون الدينية، وعادة ما يكون المقدم برتبة إمام أو مؤذن أو قيم".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG