رابط إمكانية الوصول

logo-print

الكاتب العمومي.. يوميات 'كاتم أسرار' الجزائريين


الكتاب العموميون

التحق متأخرا، متأبطا حقيبة كبيرة، يحمل بيمينه كرسيه الخشبي، اتخذ مكانه المعتاد وسط زملائه، سحب آلته من الحقيبة ونصبها على طاولته، واستلّ قطعة قماش وشرع في تنظيفها من الغبار.

محمد (57 عاما) كاتب عمومي، على غرار زملائه، ممن يتخذون الممر الضيق بمحاذاة مؤسسة الضمان الاجتماعي، وسط العاصمة الجزائر مقرا لهم.

الكتاب العموميون
الكتاب العموميون

علبة سوداء

كانت أولى خيوط علاقته بهذه المهنة عام 1979، ومنذ ذلك الزمن، صار هذا النشاط مصدر رزق له، يعيل به عائلته المتشكلة من 4 أفراد.

قبلها، كان محمد موظفا صغيرا في مركز الصكوك البريدية، لكن وضعه الاجتماعي كان يتطلب منه، وفق قوله، البحث عن مهنة أخرى تكفي لتغطية مصاريفه، حيث وجد ضالته في وظيفة كاتب عمومى.

في تقديره، هذه المهنة همزة وصل بين الإدارة والمواطن، ناهيك عن ذلك، يعتبر نفسه "علبة سوداء" لأسرار الناس الذين يترددون عليه.

زبائنه ليسوا من الأميين فقط، فجزء ممن يترددون عليه يحملون شهادات عليا، يقصدونه، لضبط مضمون وشكل المراسلات الإدارية والقضائية.

الكاتب العمومي محمد
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:09 0:00

يشعر محمد بالفخر عندما يوفق في حل قضايا زبائنه، ويتصور في حديث لـ"أصوات مغاربية"، أن الجانب المادي لا يتصدر اهتمامه، على أهميته.

أغلب القضايا التي تشغل محمد اليوم، تتعلق بالطلاق ودعاوى الأحوال الشخصية والنزاعات الاجتماعية والعقارية، علاوة على المراسلات الإدارية.

لا يقتصر عمله على الكتابة والرقن، فأحيانا يؤدي محمد دور الناصح والمرشد القانوني والقضائي، انطلاقا من خبرته في التعامل مع مثل هذه القضايا.

لقمة عيش..

وراء طاولة محمد، يتخذ رجل، يقف في أعتاب الستين، مكانه وهو غارق في الحديث مع زبونه وأصابعه تتراقص دون النظر إلى لوحة المفاتيح، فقد ألف أماكن الحروف.

في حركة لا إرادية، يثبت العم رابح، الذي غزا الشيب رأسه، نظارته الطبية، مستفسرا في كل مرة الشخص الذي يقابله، ثم يعود للكتابة.

ارتبط العم رابح كما يحلو للجميع هنا مناداته، بالآلة الراقنة ارتباطا وثيقا، تكونت بينهما "علاقة عاطفية"، حتى صار لا يقدر على مفارقتها، مشبها العلاقة بينهما بعلاقته مع عائلته.

العم رابح
 الرجاء الإنتظار
Embed

No media source currently available

0:00 0:00:13 0:00

في يوم غير بعيد، قرر رابح قطع صلته بالإدارة العمومية، وخوض مغامرة جديدة مع مهنة الكاتب العمومي، وكان سر اختياره لها نابعا من ميول شخصي لهذه المهنة.

يقدر رابح في تصريح لـ"أصوات مغاربية" مداخيل هذه المهنة ما بين 9 دولارات إلى 27 دولارا يوميا، وهذا المبلغ، حسبه، كاف لإعالة أسرته.

مقارنة بعشر سنوات خلت، يعتقد رابح أن مداخيل هذه المهنة تراجعت نسبيا، بعدما سرقت مقاهي الإنترنت، المنتشرة بكثافة، زبائنه.

ينبغي أن تتوفر في الراغب في ممارسة مهنة كاتب عمومي،شروط رئيسية لا يمكن التنازل عنها، بالنسبة إلى العم رابح.

إحداها، امتلاك ثقافة عامة في جميع المجالات، خاصة بالقوانين والإجراءات الإدارية، والإلمام بالمراسيم والمقررات والمنشورات الرسمية.

فضلا عن ذلك، يرى رابح أنه على الشخص الذي يصبو إلى هذه المهنة أن يكتسب أسلوبا جميلا في الكتابة، يجمع بين التحرير الإداري الموجه للهيئات، والتحرير الإنشائي الموجه للأفراد.

كما يشترط أيضا إتقان اللغتين العربية والفرنسية، وأن يتوفر على رصيد لغوي ثري يؤهله لكتابة نصوص طويلة وبطريقة سلسة.

ملجأ المتقاعدين

هذه المهنة ليست خاصة برقن الرسائل والعرائض، فهناك فئة من ممارسيها يتراصون أمام مداخل شركات البريد والبنوك العمومية، يقدمون خدمات مختلفة.

العم أحمد
العم أحمد

في مدخل مركز بريد ببلدية حسين داي بالعاصمة، توجد طاولات خشبية صغيرة يجلس عليها شيوخ، كما هو الحال مع العم أحمد (72 عاما)، والذي قضى 40 سنة في العمل في شركة عمومية.

تحقيق مبالغ مالية ليس غاية العم أحمد من ممارسة هذه المهنة، فأجرة تقاعده تغنيه عن ذلك، بل لجأ إليها بهدف قتل وقت الفراغ.

منذ دخوله إلى عالم الكتاب العموميين سنة 2001، لا يتعدى دخل العم أحمد من ملء شيكات الزبائن وحوالات الأرصدة، 4 دولارات في اليوم.

مهنة مهددة بالاندثار

ويقول العم أحمد في حديث لـ"أصوات مغاربية"، إن عائدات هذه المهنة تناقصت بعد الشروع في العمل بالبطاقة الممغنطة في مراكز البريد.

ويتوقع أيضا أن يأتي يوم تندثر فيه هذه المهنة، بعد زوال جيل ثورة التحرير، وتراجع نسبة الأمية.

على جانب طاولة العم أحمد، رجل يرتدي قبعة أوروبية، غارق في كتابة أرقام على صدر شيك، ينقل نظره بشكل متناوب إلى بطاقة التعريف لامرأة متقدمة في السن.

محمد
محمد

محمد (56 سنة) حديث العهد بمهنة كاتب عمومي، التحق بها منذ سنة تقريبا، لأنها غير متعبة، على حد تعبيره، وذلك بعد قضائه 34 سنة في العمل ساعي بريد.

بحسب محمد ينتعش الطلب على الكتاب العموميين في الأيام التي يسحب فيها المتقاعدون رواتبهم، أما عدا تلك الأيام فيكون الإقبال ضعيفا.

ويشتكي محمد من وجود صعوبات في حصوله على الاعتماد ككاتب عمومي، كاشفا في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن أغلب زملائه لا يملكون بطاقة اعتماد، ويمارسون النشاط بطريقة غير قانونية.

والسبب، بحسب تصريحه راجع إلى "عراقيل بيروقراطية"، تفرضها الإدارة المخولة باستصدار الاعتمادات، إذ تطلب منهم هذه الهيئة، تكوين ملف إداري وانتظار تحقيقات المصالح الأمنية.

وتبقى أبرز المشاكل التي تعترض سبيل الكتاب العموميين، وفق حديثه، تلك الشروط المتعلقة بضرورة كراء محل لمزاولة النشاط، "فضآلة العائدات لا توفر ثمن تأجير المحل".

أسباب تدفع معظم ممارسي هذه المهنة، كما يقول محمد، إلى اتخاذ الأرصفة مقرات للعمل، آملا أن تسمح لهم السلطات بتخصيص فضاءات داخل مؤسسات البريد والبنوك.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG