رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

مقص في البطن ورضيع بلا عين.. أطباء في قفص الاتهام


عملية جراحية في مستشفى جزائري

فتحت الاحتجاجات المتواصلة التي يقودها الأطباء المقيمون منذ أشهر، نقاشا بشأن ملف الصحة في الجزائر، وكانت الأخطاء الطبية، واحدا من أهم محاور الاهتمام بنوعية الخدمات الطبية، التي تحولت إلى هاجس لدى المرضى وعائلاتهم في الجزائر، وأدت إلى إنشاء منظمة وطنية تدافع عن حقوق ضحايا تلك الأخطاء.

قصص تعكس خطورة الظاهرة، تنقل "أصوات مغاربية "، نماذج لها من عدة مستشفيات جزائرية، تسببت في معاناة وتشوهات للضحايا، فصارت مرضا مستعصيا.

وتعدّدت حالات ضحايا الأخطاء الطبية في الجزائر، من شتى الأعمار، ومن ذلك قصة محمد سايح.

هذا ما حدث له يوم ميلاده..

لم تكتمل فرحة عائلة سايح بمدينة ابن باديس، في ولاية سيدي بلعباس غرب الجزائر، بميلاد طفلها محمد يوم 13 يونيو 1998، عقب إصابته بحمى، بعد 3 أيام من مولده، سبّبها التهاب على مستوى السرّة، بعد قطع الحبل السري بآلة ملوّثة، أدت مضاعفاته إلى إصابة ابنهم بإعاقة شاملة.

محمد إعاقة كاملة مكتسبة بعد الولادة
محمد إعاقة كاملة مكتسبة بعد الولادة

"هو خطأ طبي أدى إلى إعاقته"، يقول فارس سايح والد الضحية، وهو يروي لـ"أصوات مغاربية"، تفاصيل إصابة ابنه ذي ال19 ربيعا، الذي يجلس على كرسي متحرك، ومظاهر الإعاقة بادية على كافة أجزاء جسمه، حيث مازال يحبو على الأرض كالرضيع، عاجزا عن النطق، فاقدا مهارة التحكم في أطرافه وأصابع يديه.

[abaroudi] شهادة فارس والد محمد
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:30 0:00

​يقول والده فارس، إن عزاءه في ما أصاب ابنه، هو "سلامة عقله"، إذ بمقدور محمد التمييز بين الأشياء، وكان ذلك دافعا للوالد للاتصال بمستشفى متخصص في مدينة إسطنبول التركية، حيث قدم له الأطباء تقريرا مفصلا، أكدوا فيه إمكانية علاجه، وتأهيله وفق برنامج طبي، يصل إلى شهرين، مقابل تكلفة مالية تقدّر بـ 34000 يورو، أي ما يعادل 41820 دولارا أميركيا، ورغم دخله المحدود، يعيش الوالد على أمل أن يستعيد ابنه عافيته، ويخرج من كابوس ما أصابه.

حسرة خضرة على عينها..

في حي شعبي فقير بمدينة ابن باديس دائما، تقطن عائلة خضرة بن حميدة، البالغة من العمر 43 سنة، تروي بحسرة وألم، والكبرياء يحبس دموعها، كيف فقدت بصر عينها اليمنى، بعد عملية جراحية فاشلة، أجرتها بمستشفى متخصص في طب العيون بوهران في يناير 2017.

خضرة فقدت البصر بعينها اليمنى
خضرة فقدت البصر بعينها اليمنى

وتضيف خضرة، أن "الطبيبة الجراحة حقنت عينها وتركتها لأطباء متربصين"، واصلوا إجراء العملية لتركيب عدسة، وكانت النتيجة فقدان البصر على إثر تعفّن عينها، ورغم بقائها 40 يوما تحت المتابعة الطبية إلا أن وضعها لم يتحسن.

قصة خضرة
 الرجاء الإنتظار
Embed

No media source currently available

0:00 0:00:23 0:00

وفي رحلة البحث عن العلاج، تنقلت خضرة إلى تونس، رغم الفقر الذي تعيشه عائلتها، لكن الأطباء أكدوا لها فوات الأوان، ولا يمكنها استعادة بصرها، وأن كل ما يمكن فعله، هو إجراء عملية تجميلية على واجهة عينها، بتكلفة 4400 دينار تونسي، أي ما يعادل 1841 دولارا أميركيا.

فرحة لم تكتمل..

عائلة بوزيدي في حي بوجميل بمدينة تلمسان غرب الجزائر، هي الأخرى واحدة من ضحايا الأخطاء الطبية، ففي الوقت الذي كانت تنتظر مولودها بفارغ الصبر، كانت صدمتها كبيرة يوم 11 ماي 2016، عندما اكتشفت أن ابنها أمين وُلد بدون عينه اليسرى، بسبب خطأ ارتكبته طبيبة مقيمة أثناء ولادته، ومنذ ذلك التاريخ، تصارع العائلة من أجل الحصول على تعويضات مادية لعلاج ابنها دون جدوى.

ويروي الحقوقي فالح حمودي من الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، بمكتب تلمسان لـ"أصوات مغاربية"، تفاصيل معاناة الوالدين من أجل حقوق الإبن، الذي فقد عينه، فقد تولى مكتب الرابطة بتلمسان المرافعة لأجله أمام السلطات الإدارية التابعة للصحة ومراسلتها، بعدما أودع والد الضحية شكوى يلتمس فيها تدخل المنظمة الحقوقية.

رابطة حقوق الانسان حالة الطفل أمين
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:43 0:00

وأضاف حمودي، أن عدة هيئات رسمية تعاطت بإيجابية مع الرابطة في هذه القضية، "لكن لحد الساعة لم تنفذ مديرية الصحة بتلمسان تعهداتها، وسنستأنف التواصل معها إلى غاية تكفلها بعلاج الضحية خارج الجزائر".

ورغم أن المحكمة أصدرت حكما يقضي بإدانة الطبيبة المقيمة بـ 6 أشهر حبسا غير نافذة ، فإن إجراءات التقاضي تتطلب الانتظار إلى غاية صدور الحكم النهائي من المحكمة العليا، وهو ما أخّر مصالح الصحّة عن التكفل بعلاج الرضيع خارج البلاد.

من الصراع مع السرطان إلى مقص في بطنها..

صراع المرضى مع الأخطاء الطبية، مسلسل بلا نهاية، لكنه في بعض الحالات قد ينتهي بوفاة الضحية، نتيجة المرض ومضاعفات الأخطاء، ومن ذلك قصة الراحلة شريفة بن داودي التي يروي تفاصيلها، ابنها محمد بوهراوة البالغ من العمر 47 عاما، متزوج وأب لطفلين.

لم يصدّق محمد أن مقصا استقر في بطن والدته بسبب خطأ طبي، حدث ذلك أثناء خضوعها لعملية جراحية لاستئصال سرطان الشرج بمستشفى تلمسان، آواخر شهر نوفمبر 2016.

محمد بوهراوة بيده صورة والدته المتوفاة رفقة حفيديها
محمد بوهراوة بيده صورة والدته المتوفاة رفقة حفيديها

وأكد التقرير الملحق بالأشعة التي أجريت للمريضة البالغة من العمر 65 سنة، بمركز مغنية غرب الجزائر، أن مقصا مازال في بطنها، وبموجب ذلك تم تحويلها على جناح السرعة إلى المستشفى الجامعي لمدينة تلمسان، حيث خضعت لعملية جراحية ثانية، لاستخراج المقص، في ال 9 من يناير 2017.

[abaroudi] ضحية أخطاء طبية الشريفة المواقع
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:38 0:00

يروي ابنها محمد بحسرة، ليالي المعاناة التي ألمّت بوالدته، و"ما عاشته من ألم طيلة 50 ليلة، بعد العملية الجراحية الثانية، إلى أن توفيت يوم 28 مارس 2017، بمستشفى مدينة الرمشي شمال تلمسان".

تقرير طبي يؤكد أن المقص في بطن شريفة
تقرير طبي يؤكد أن المقص في بطن شريفة

ورغم ذلك تنازلت العائلة عن المطالبة بالتحقيق في القضية، ورفض والدهم الدخول في متاهات المحاكم.

1500 شكوى ضد وزارة الصحة..

وكشف رئيس المنظمة الجزائرية للدفاع عن ضحايا الأخطاء الطبية، أبو بكر الصديق محيي الدين لـ"أصوات مغاربية"، أن المنظمة تسلمت 1500 شكوى ضد مصالح وزارة الصحة، تتعلق بأخطاء طبية، من مختلف ولايات البلاد، لم يتلق أصحابها أي تعويضات عن الضرر الذي لحق بهم.

و يؤكد محيي الدين، أن 40 بالمئة فقط من ضحايا الأخطاء الطبية، يلجؤون إلى العدالة، بينما يفضل الباقي طي الملف، تفاديا للإجراءات المعقدة، مشيرا إلى أن إعداد خريطة دقيقة للضحايا، يتطلب تعاونا بين وزارات الصحة والعدل والتضامن، لأن عدد الضحايا يُعد بالآلاف، على حد قوله.

وأوضح المتحدث ذاته أن وزارة العدل، يمكنها الكشف عن الأرقام الحقيقية للضحايا الذين رفعوا دعاوى ضد المستشفيات، بينما وزارة التضامن هي المسؤولة عن إصدار بطاقات الإعاقة للضحايا الذين تضرروا من الأخطاء الطبية، وظلوا على قيد الحياة.

الولادة.. مصلحة الأخطاء

و قال المتحدث إن مصلحة الولادة في المستشفيات الجزائرية، هي أكثر المصالح الطبية تسجيلا للأخطاء، تليها مصلحة طب العيون، في مقابل غياب أية مساع للتكفل بالضحايا.

ويوضّح رئيس المنظمة الجزائرية لضحايا الأخطاء الطبية، في حديثه لـ "أصوات مغاربية"، أن الخطأ الطبي يحتمل الوفاة، أو الإعاقة، أو العاهة، ورغم ذلك ترفض وزارة الصحة الاعتراف بحقوق هؤلاء، مؤكدا أن المنظمة شاركت في إثراء مشروع قانون الصحة الجديد، نهاية سنة 2017، أمام اللجنة البرلمانية للصحة، والذي لم يصادق عليه البرلمان بعد، غير أن المشروع لم يحمل أي إشارة إلى حقوق ضحايا هذه الأخطاء.

وانتقد الناشط الحقوقي غياب نص قانوني، يسمح بتكفل وزارة الصحة بضحايا الأخطاء الطبية، معتبرا ذلك تراجعا عن الإصلاح الحقيقي للمنظومة الصحية في الجزائر.

المستشفى يؤمن الحماية للأطباء..

من جهة أخرى، يرى مدير مستشفى سبدو بتلمسان غرب الجزائر، فضيل بوشعور، أن الأخطاء الطبية تعالج ضمن قانون الصحة 85/ 05، الذي أعطى حماية كاملة للممارسين الطبيين داخل أماكن عملهم، مؤكدا لـ"أصوات مغاربية"، أن الممارسة الطبية ميدان حيوي، وأن القضاء وحده يملك صلاحيات التحقيق.

وأوضح المسؤول الصحي أن إدارة المستشفيات تقدم للمرضى كافة المعلومات والتقارير الضرورية، التي تساعد على تحديد طبيعة الخطأ، المقصود أو غير المقصود، ونسبة الضرر المحتملة.

فضيل بوشعور مدير مستشفى سبدو تلمسان غرب الجزائر
فضيل بوشعور مدير مستشفى سبدو تلمسان غرب الجزائر

و أضاف بوشعور، أن المؤسسة الاستشفائية تعين محاميا للدفاع عن الطبيب أو الممرض في حالة تلقيه اتهاما رسميا، وهي "تقوم سنويا بتأمين جميع المستخدمين الطبيين وشبه الطبيين داخل المؤسسة، حيث تعوض شركات التأمين نسبة الضرر لفائدة المريض المتضرر، بعد إثبات وقوع الضرر وتحديد نسبته".

ويؤكد ذات المتحدّث، أن مصطلح الخطأ الطبي تثبته تقارير الخبرة الطبية، إن كان نتيجة الإهمال، وإلا يعتبر خطأ غير مقصود.

الخطأ الطبي وقانون العقوبات في الجزائر..

ومن جانبه، يؤكد المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، عبد القادر بومدان، أن مسؤولية الطبيب حسب المشرع الجزائري، "تقصيرية وجزائية"، وهذا معناه، حسب المحامي بومدان، أن الطبيب إذا ارتكب خطأ جزائيا ، "يترتب عليه مسؤولية تقصيرية أيضا"، أي دفع تعويض مالي للمريض.

بينما يتحمّل المسؤولية الجزائية، وفق مفهوم قانون العقوبات وتحديدا "المادتين 288 و 289، اللتين حددتا 5 حالات للخطأ، تتمثل في الإهمال، والرعونة، وعدم الانتباه، وعدم احترام اللوائح والتنظيمات، وعدم الاحتياط"، وفي هذه الحالة يعاقب الطبيب بالحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات، وغرامة مالية من 1000دج إلى 20.000 دج، أي ما يعادل 9 دولارات إلى 175 دولارا.

المحامي عبد القادر بومدان في مكتبه
المحامي عبد القادر بومدان في مكتبه

ويضيف المتحدّث، موضّحا لـ"أصوات مغاربية"، أن الاحتكام إلى المادتين 288 و289 في الأخطاء الطبية، جاء بناء على الإحالة التي تشير إليها المادة 239 من قانون الصحة الجزائري.

المحاكم الإدارية هي الأجدى..

ويشير المحامي بومدان إلى جزئية قانونية في التشريع الجزائري، حيث يؤكد أن لجوء الضحايا إلى المحاكم الإدارية للحصول على التعويض يكون أجدى، ذلك أن "المستشفى أو الطبيب هو المطالب بإثبات عدم ارتكاب خطأ في حق المريض"، بينما يحدث العكس أمام المحاكم العادية، إذ أن "الضحية هو المطالب بإثبات وجود خطأ طبي في حقه".

المحامي عبد القادر بومدان في مكتبه
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:41 0:00

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG