رابط إمكانية الوصول

logo-print

النحّاسون في تونس.. مطرقة شَغوفة تصارع الماكينة!


نحاس تونسي

أتت بي والدتي قبل ستة عقود من الآن إلى هذا السوق، تركتني هنا لتعود أدراجها إلى البيت"، يُطرق الشيخ محمد البوسالمي (69 عاما)، لوهلة مستجمعا شتات ذاكرة غزتها أحداث متسارعة، طوال سنين قضاها الرجل كنحّاس.

دكّان العم محمد، كما يناديه الجميع هنا، يتوسط سوق النحاسين بالمدينة العتيقة في العاصمة تونس.

يتداخل صوت طرق النحاس مع صوت أغنية للفنانة التونسية صليحة، منبعث من مذياع قديم، قدم هذه المهنة، معلّق على جدار ورشته.

يبدو أن يد الشيخ الستيني، الذي اشتعل رأسه شيبا، ألفت مقبض المطرقة، فهو يهوي بها في حركة روتينية على قطعة نحاسية حمراء، في مواضع يختارها بعناية، مشكلة تحفة جميلة.

دكان لبيع الأواني النحاسية
دكان لبيع الأواني النحاسية

من النحاس إلى الفضّة

كانت بداية تجربة العم محمد مع هذه المهنة هواية، لم يقبض حينها مليما واحدا، طيلة سنتين من عمره، تعلم خلالها فنون النقش على النحاس وتطويع الأثاث والديكور.

"عام 1961، نلت أول أجرة أسبوعية تقدّر بمائة مليم، عدت على إثرها إلى منزل عائلتي كبطل مظفّر ربح حربا، حيث تقاسمنا الغنيمة"، يروي العم محمّد بدايته مع عالم النحاس لـ"أصوات مغاربية".

في مرحلة لاحقة، تحسنت الوضعية المالية، للعم محمّد بالتوازي مع تطوّر مهاراته، إذ مكنته هذه القدرات من افتتاح ورشته الخاصة، التي يعيل بها أسرته.

"في يوم من أيام عام 1989، كنت منهمكا في طرق النحاس وتطويعه بغية تحويله إلى أواني للديكور، تفطنت إلى شيخ أجنبي يراقب طريقة عملي بشغف شديد، إلى أن بادرني برغبته في نقلي إلى إيطاليا للعمل في ورشته المختصة في النقش على الفضة".

العم محمد
العم محمد

استثمر العم محمّد تجربته في عالم النحاس، ليبدع هناك في تشكيل قطع فضية نالت إعجاب كل من وقعت أمام عينه في إيطاليا، أمضى في ذلك البلد ما يزيد عن ربع القرن، قبل أن يحال على التقاعد.

"ما الحب إلا للحبيب الأول"، بهذه الطريقة، يفسّر العم محمد عودته من جديد إلى سوق النحاسّين في تونس بعد مسيرته في أوروبا، فبالنسبة لشيخ مثله يقول" إنه من الصعب الركون إلى الراحة، لذلك أجّرت هذا المحل الصغير، فيه ألتقي من تبقى من أصدقائي القدامى، فضلا عن ممارسة هذه المهنة التي منحتني الكثير".

أواني نحاسية
أواني نحاسية

حرفة تقاوم الاندثار

في قلب المدينة العتيقة، بين الأزقة الضيقة وغير بعيد عن مقرّات سيادية، يقع سوق النحاسين، أحد أقدم الأسواق بالعاصمة.

تتناهى إلى مسامعك قبل ولوج هذا السوق، طرقات النحاسين، فيما يشبه معزوفة موسيقية ضيّع فيها قائد الأوركسترا تركيزه.

وعلى قارعتي الزقاق الضيّق، تتراص التحف الفنية والأواني النحاسية والأطباق المزركشة، تخطف الأبصار تحت انعكاس أشعة الشمس.

تقاوم حرفة النحاسين الاندثار، تحت زحف السلع الأجنبية، فقبل ما يزيد عن ثلاثة عقود "بالكاد كان في استطاعة الزوار المرور من سوق النحاسين، لكثرة الطرق وجلبة الحرفيين.. فيما انحسرت أعدادهم في الوقت الراهن إلى ما لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة" يؤكد الحرفي نور الدين العيّاري (54 سنة)، لـ"أصوات مغاربية".

النحّاس نور الدين
النحّاس نور الدين

"تضاعف أسعار النحاس كمادة أولية، عزوف السيّاح، تهاوي قيمة العملة المحلية، وهجرة الجيل الجديد لهذه الحرفة" عوامل تهدد سوق النحاسين بالاندثار، يقول محدثنا.

لم تعد هذه المهنة مجزية، بحسب العيّاري، ما اضطره إلى البحث عن مورد رزق آخر، إذ قادته خبرته كنحّاس إلى عالم السينما، حيث اشتغل صانعا للخوذات العسكرية والدروع الحربية، في عدد من الأفلام الإيطالية التي تروي تاريخ الرومان.

يشكو نور الدين، زحف السلع الأجنبية والآلات العصرية على سوق النحاسين، لكنه رغم ذلك يرفض مكننة حرفته عبر إدخال تقنيات حديثة، قائلا إن" الصناعة اليدوية مميزة، لها هواتها وزبائنها، خاصة أواني الديكور التي تلقى رواجا في الخارج".

معدّاته في العمل على غاية من البساطة: مطرقة حديدية وسندان بينهما، تتلقى قطعة النحاس ضربات معدودات، تتحول إثرها إلى شكل أريد لها أن تكون عليه.

تنتقل تلك القطعة الجديدة، بعد ذلك إلى مرحلة لاحقة، يتم فيها نقش زخارف متعددة الأشكال بين نقوش عربية وأمازيغية، وصور لجمال وشموس ورموز للثقافة والتاريخ التونسيين.

طرق النحاس
 الرجاء الإنتظار
Embed

No media source currently available

0:00 0:00:14 0:00

تجارة رائجة

رغم تراجع أعداد الحرفيين في سوق النحاسين، فإن محلات بيع الأواني وأثاث الديكور النحاسي لا تزال موجودة بوفرة.

وفي نظر البائع منجي العلوي (65 عاما)، فإن النحاس لا يزال سلعة رائجة لدى العائلات التونسية، خصوصا للمقبلين حديثا على الزواج، إذ تعتبره الفتيات عنصرا لا غنى عنه ضمن أثاث بيوتهن.

منجي تاجر النحاس
منجي تاجر النحاس

"أواني القهوة والشاي وصحون الحلويات، ومهاريس النحاس وفوانيس رمضان"، هي الأكثر رواجا لدى الزبائن والسواد الأعظم منهم تونسيون.

كان الحديث مع منجي متقطعا، إذ لم يستطع الاسترسال في شرح موقفه لكثرة الزبائن وإلحاحهم في السؤال عن أثمان المعروضات ونجاعة استعمالاتها.

لباقة في التعامل مع زوّار المحل، وكلمات مختارة بعناية فائقة، وابتسامة لا تفارق محيّاه، أسلوب دعائي دأب منجي على اعتماده في سبيل إقناع المشترين وسط تزايد ملحوظ في المنافسة بين التجّار.

جيل جديد

يسيطر على تجارة النحاس في هذا السوق، شيوخ بلغوا من العمر عتيا، وهذا لا يعني أنها حرفة حكر عليهم، بل يوجد في صفوفهم شباب، تعلّقوا بها ولازموا أعيانها لينهلوا من خبراتهم ويتسلموا منهم مشعلها.

"يوفا مال الجدّين وما توفاش صنعة اليدين (تنقضي ثروة الأجداد، ولا تنتهي حرفة اليدين)، بهذا المثل الشعبي الرائج بين التونسيين، يبرر كريم بلاّح (31 سنة)، امتهانه لتجارة النحاس.

يدير كريم، متجرا في سوق النحاسين، ببصمة عصرية معتمدا فيها على تخصصه الجامعي في مجال التسويق.

الشاب الثلاثيني لم يختر هذه المهنة لهدف مادي كما يقول، فدافعه الشغف وحب هذا المجال.

يجمع كريم بين إتقان الحرفة التي تعلمها عن والده، وقدرته على توظيف مهارات البيع وعقد الصفقات، وهو الذي نشأ في محلّ في ملك عائلته، بين الأواني النحاسية وكبار التجّار.

النحّاس كريم
 الرجاء الإنتظار
Embed

No media source currently available

0:00 0:00:40 0:00

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG