رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

أوجاع يضاعفها الانتظار.. معاناة التونسيين في المستشفيات


مستعجلات مستشفى شارل نيكول في تونس

تشق بصوتها الجهوري المثخن بالمرارة جدران المكان، تنتقد سوء الخدمات، نادبة حظها الذي أتى بها إلى هنا.

تدخل في تلاسن شديد، مع حارس قوي البنية، صارم التعابير، كاد يصل الى حد التشابك، يستجيب لها فاتحا الباب تحت تأثير صراخها الشديد وتعاطف الحضور.

يراقب الجميع المشهد، قبل أن يقطع تركيزهم صراخ شابة أخرى لم تعد تتحمل أوجاعها.

هي مشاهد متكررة، ألفها كل من زار يوما أقسام الطب الاستعجالي بتونس، يعيش فيها معركة شد وجذب، بين الكادر الطبي والمرضى.

آلام وانتظار

مظاهر المعاناة في هذا المرفق الطبي، تتجلى عندما تتفحص وجوه المرضى الذين أنهك أجسادهم المرض وزادها الانتظار.

شابة تعرج بشدّة، تروي لمحدثتها في الهاتف عن سقوطها في حصة الرّياضة، شيخ أخر يتألّم بصمت وكبرياء، ممسكا بطنه بكلتا يديه ، متكورا من شدة الوجع، وهذه عجوز تطلق عقيرتها للصراخ،.

خارج القاعة تحل للتو سيارة إسعاف ينزل منها المسعفون شابا، معصوب الرأس في غيبوبة كأنما استسلم لقدره.

يسرع المسعفون بإدخاله إلى القاعة، ونظرات الحاضرين تلاحقه وعلى وجوههم أمارات ملل الانتظار.

غياب التجهيزات الطبية

يتنحى محمد علي، الرجل الخمسيني جانبا، ينظر إلى ساعته اليدوية بامتعاض، مراقبا حركة عقاربها البطيئة.

"داهمتني ليلة البارحة، أوجاع شديدة على مستوى الصدر، دفعتني إلى السفر إلى هنا، من منطقة بوعرادة التابعة لمحافظة سليانة في الشمال الغربي إلى استعجالي شارل نيكول لمقابلة الطبيب"، يقول محمد لـ"أصوات مغاربية".

محمد علي
محمد علي

لا تتوفر مستشفيات بوعرادة وسليانة، حسب ما يقول الرجل، على أجهزة طبية تسمح بمعاينة حالته، على غرار جهاز الكشف بالأشعة "السكانير"، ما يدفع مرضى منطقته إلى تكبّد معاناة السفر إلى مستشفيات العاصمة.

"تطلّبت مني مقابلة الطبيب، أكثر من ثلاث ساعات من الانتظار المملّ، قبل أن يفحصني الطبيب كما يتعيّن علي الصبر لساعات أخرى الآن في انتظار نتائج التحليل الطبي الذي أجريته"، يسترسل الرجل.

عناء السفر ومواعيد متأخرة

بوشاح أبيض تتسلل منه شعيرات بيضاء غمرها الشيب، وجدت التجاعيد طريقا إلى وجهها، تغمغم العمة عزيزة بكلمات مبهمة تريد من وراءها الحصول على تاكسي، ينهي معاناتها الطويلة في قسم الكلى بالمستشفى.

"قدمت من ريف مدينة الفحص التابعة لمحافظة زغوان، بهدف مزاولة حصص تفتيت حجر الكلى، ما يحزّ في نفسي هو المواعيد البعيدة التي أحصل عليها لمقابلة الطبيب، ما يعمّق مخاوفي من تتضاعف أوجاعي قبل حلول موعد الطبيب المقبل".

تتجشم العمة عزيزة عناء السفر لكيلومترات طويلة، تستقل فيها وسائل نقل شتى، قبل الوصول إلى المستشفى للقاء طبيبها.

العمة عزيزة
العمة عزيزة

وتشتكي العمة عزيزة غياب الأدوية في المستشفيات العمومية قائلة "يحدث في أحيان كثيرة، أن لا أشتري الأدوية التي تساعدني على تفتيت الحجر في الكلى، لضيق ذات اليد خاصة في ظل الارتفاع الجنوني لأسعارها".

تتشابه المواقف وتصب جميعها في معاناة متزايدة للمريض التونسي في المستشفيات الحكومية، يقول الستيني عثمان، إن "رعشة أصابت يده ما دفعه لزيارة قسم الأعصاب، المزدحم بسبب عدم اشتغاله بطاقته القصوى، الأمر الذي يسهم في إطالة المواعيد الآنية، وتأخير موعد الكشف المقبل".

ضعف الاعتمادات المالية

ندرة الأدوية في المستشفيات الحكومية تُرجعها الطبيبة نسرين بلحاج دحمان، إلى إفلاس الصناديق الاجتماعية، وتراكم ديونها ما يحد من قدرة المؤسسات الطبية العمومية على توفير الأدوية الضرورية.

وتقر دحمان بأن المستشفيات العمومية تشكو نقصا حادا في التجهيزات الطبية، بسبب تقليص الحكومات المتعاقبة لميزانية وزارة الصحة، تحت وطأة الأزمة الاقتصادية.

نقابة الأطباء الاستشفائيين الجامعيين، عقدت في الآونة الأخيرة، وفقا لمحدثتنا، جلسات تفاوضية مع الحكومة، لضخ مزيد من المخصصات المالية لفائدة المستشفيات، لاقتناء التجهيزات الطبية وصيانة المعدات التي تقادمت.

وتطالب بلحاج بضرورة إعادة النظر في أسعار الخدمات الطبية التي يدفعها المريض التونسي،لتمكين المستشفيات من توفير المزيد من الاعتمادات المالية.

ومن منظور دحمان، فإن المعاناة لا تقتصر على المرضى فحسب، إذ يشتغل الكادر الطبي وشبه الطبي في ظروف صعبة، تجعله في مواجهة تحديات كبرى في سبيل إنقاذ الأرواح ومعالجة المرضى.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG