رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

'الصاروخ' و'الطاكسي'.. حبوب تتحكم في حياة مليون جزائري


يجلس القرفصاء وظهره مسنود إلى حائط زاوية عمارة تقشر طلاؤها بفعل الزمن، متعقبا المارة بنظراته حادة مشبوبة بتوجس.

كلما دنا منه شخص ينتصب واقفا لاستقباله. يُدخل يده في جيب معطفه ويضع شيئا في يد ضيفه. يتسلم منه نقودا ويشرع في عدّها.

يميل بوجهه يمنة ويسرة، ثم يصرف عينيه إلى نهاية الشارع كأنما يترقب خطرا قادما. يُشعل سيجارة يبدو سمكها وشكلها مختلفا عن السجائر العادية.

على قدر من الحذر، يستفسر ثلة من شباب الحي عن سيارة الشرطة. يوصيهم بكلام مغلف بالحرص: "بالاكم، اليوم قادرة طيح علينا الدولة".

اسمه يوسف، وهو شاب في منتصف الثلاثينات من العمر. يلقبه أبناء حي "ليطوال"، في العاصمة الجزائر، بـ"الروجي"، بسبب لون بشرته المُشرب بنمش وشعره الأحمر.

لم تكن حياة يوسف عادية مثل بقية أقرانه، فقد قضى ما يقارب نصف عمره في عالم المخدرات، ثم تحول، قبل سنتين، إلى تاجر في الحبوب المهلوسة.

من الإدمان إلى الاتجار

أول مرة تناول فيها يوسف قرصا مهلوسا كان قبل 18 سنة، عندما استجاب لحث صديقه له على ابتلاع "كبسولة" حتى تنسيه همومه الاجتماعية، كما أوهمه.

يقول يوسف، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، إنه ترك مقاعد الدراسة في الطور الابتدائي، بعد رسوبه في الصف الرابع لعامين متتالين، ليجد نفسه بعدها للشارع.

احتضن الشارع يوسف وكان ملاذه هروبا من معاملة والده القاسية، التي كانت تصل أحيانا إلى حد تكبيله بسلك حديدي، عقابا له على مخالطة رفاق السوء، كما يقول.

"الصاروخ".. أكثر أنواع الحبوب المهلوسة طلبا حاليا
"الصاروخ".. أكثر أنواع الحبوب المهلوسة طلبا حاليا

وجد يوسف ضالته في المخدرات، خاصة حبوب الهلوسة التي يرى أنها "كانت تُذهب عنه الخجل والحياء، وتحل عقدة لسانه وتحوله إلى شخص غير عادي".

ويؤكد يوسف أن الطلب على حبوب الهلوسة تزايد في السنوات الأخيرة، خصوصا نوعا يسمى "الصاروخ"، وهي دواء يدعى "ليريكا"، مصنع أساسا لمعالجة الآلام.

"الصاروخ ينقسم إلى الحبوب الحمراء، ويطلق اسم 'السياربي'، أما الحبوب الصفراء فتسمى بـ'الطاكسي'، فيما يطلق اسم 'ماروخا' على الحبوب بنية اللون"، يقول يوسف شارحا.

يكشف يوسف أن الشباب باتوا يستهلكون، بصفة كبيرة، حبوب "الإكستازي"، والتي تسمى محليا بـ"الحلوة".

وقبل ظهور الصاروخ، يوضح يوسف، كانت الحبوب الأكثر رواجا هي حبوب "فوترين" المسماة بـ"الحمرا"، وحبوب "ديازي بوم"، التي كانت تعرف باسم "الزرقا".

وتذر هذه التجارة على يوسف أرباحت كبيرة، وفق شهادته، إذ يؤكد أنه يحصل على ربح يقدر بـ170 دولار عن العلبة الواحدة، علما أن العلبة تحوي 60 حبة.

أرقام مرعبة

مثل كثير من الشباب المغاربي، يدمن الشباب الجزائري على تعاطي المخدرات بكل أنواعها، وهذا ما يؤكده رئيس المنظمة الوطنية لرعاية الشباب، عبد الكريم عبيدات، في حديثه لـ"أصوات مغاربية".

وقد أنشأت المنظمة سالفة الذكر أول مركز خاص بالشباب المدمنين في الجزائر، يتوفر على طاقم طبي ونفسي يتابع حالات هؤلاء.

رئيس المنظمة، عبد الكريم عبيدات، يشير إلى أن الجزائر تحولت، في السنوات الأخيرة، من منطقة عبور للمخدرات نحو بلدان أخرى إلى منطقة استهلاك، داعما كلامه بأرقام قدمتها الأجهزة الأمنية، وفق تأكيده.

رئيس منظمة رعاية الشباب بالجزائر يكشف أرقام صادمة حول الإدمان
 الرجاء الإنتظار

No media source currently available

0:00 0:00:28 0:00

وفي تقدير عبيدات، أن عدد المدمنين بلغ 600 ألف شاب، تترواح أعمارهم ما بين 15 و35 سنة، موضحا أن 3 في المئة منهم إناث. كل هؤلاء تم إحصاؤهم من قبل مراكز معالجة الإدمان.

ويقول المتحدث ذاته، في هذا السياق، إن العدد الحقيقي للمدمنين على المخدرات في الجزائر يصل إلى مليون شاب مدمن، أغلبهم يتعاطون الحبوب المهلوسة، بدل الحشيش، "ذلك أن الحشيش لا يمنح النشوة إلا بعد مرور ربع ساعة من تناوله"، وفق توضيح عبيدات.

ويستقبل المركز الذي يشرف عليه عبيدات عشرات الحالات من المدمنين، يتم عرضهم على الطبيب قبل الشروع في تصفية دمهم من آثار المخدرات المستهلة، عبر جهاز يسمى "ميكانوترابي".

قصص الإدمان

تختلف قصص الشباب المدمنين على تعاطي الحبوب المهلوسة من شخص لآخر، وتخضع تجاربهم مع هذا العالم لظروفهم المعيشية والعائلية.

بين هؤلاء. مراد، شاب قابلناه وقد بدا مفتول العضلات ويرتدي بدلة رياضية. لا تبدو علة مراد مظاهر الإدمان بالنظر لبنيته الجسدية القوية.

مراد
مراد

بدأت علاقة مراد، الفتى العشريني، مع الحبوب المهلوسة قبل 7 سنوات، عندما كان يسرق دواء تهدئة الأعصاب من عمه الذي يعيش معهم في البيت.

يتعاطى مراد حبوبا من نوع "ليريكا"، مرتين في الشهر، بيد أنه يقول إنه غير مدمن عليها، لكنه يعترف في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، بميله للحشيش أكثر.

عادة ما يتناول مراد الحبوب بغية البحث عن المتعة كما يقول، ولما تتقطع به السبل يضطر إلى بيع ملابسه حتى يحصل على ثمن الحبوب.

ويقدر ثمن حبة واحدة من "ليريكا" بـ7 دولارات، بحسب ما يؤكده مراد لـ"أصوات مغاربية"، بينما تبلغ قيمة الحبة الواحدة من "الإكستازي" 17 دولارا.

ويكشف مراد أن معظم أصدقائه يعمدون إلى التظاهر بالقلق والألم أمام الطبيب حتى يحصلوا على وصفة طبية تحتوي دواء "ليريكا" لإعادة بيعها لتجار الحبوب.

أما قصة عبدو تختلف عن قصة مراد، فقد قضى عبدو عقوبة حبسية فاقت 3 سنوات بسجن الحراش، بتهمة سرقة أغراض جاره، بعدما كان تحت تأثير الحبوب المهلوسة.

يقول عبدو، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن الحبوب المهلوسة كانت سببا مباشرا في دخوله السجن، وقد جعلته هذه العقوبة يراجع حساباته.

عبدو
عبدو

خلال وجوده في السجن حصل عبدو على دبلومين، الأول دبلوم لحام والثاني شهادة صانع حلويات. قرر بعد هذه التجربة مقاطعة الحبوب والاهتمام بشؤونه الاجتماعية.

عقب خروجه من السجن، ترك عبدو المخدرات لمدة شهرين، لكن هذا القرار لم يدم طويلا، فسرعان ما عاد إلى أحضان الإدمان الذي يرى فيه متنفسا لهمومه.

بسبب الإدمان والسجن، واجهت عبدو عدة مشاكل حينما أراد التقدم لشغل مسابقة توظيف عمل في إحدى الإدارات العمومية، وذلك بسبب صحيفة سوابقه العدلية.

يعمل عبدو اليوم حارس سيارات. كل ما يجنيه من هذه المهنة يضعه في يد تاجر الحبوب.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG